حين يرسل إليك صديق رابطاً على يوتيوب، تفترض أنكما ستشاهدان الفيديو نفسه، وقد تختلفان لاحقاً في الرأي، لكنكما تختلفان حول مادة واحدة، هذه القاعدة البسيطة تستعد المنصة لتغييرها.

فقد أعلنت يوتيوب ميزة تتيح لصانع المحتوى رفع ما يصل إلى 3 مونتاجات مختلفة من الفيديو الواحد، ثم تعرضها على مجموعات من المشاهدين وتقارن منحنيات الاحتفاظ بالجمهور، قبل اختيار النسخة التي نجحت في إبقاء الناس أمام الشاشة مدة أطول.

قد تبدأ نسخة بسؤال صادم، وتفتتح ثانية بمشهد سريع، بينما تمنح الثالثة المشاهد مقدمة أطول، وسيجري الاختبار خلف الرابط نفسه، أي إن تعليقاً يشير إلى الدقيقة الخامسة قد يتحدث عن مشهد لا يظهر في النسخة التي شاهدتها أنت.

ثلاث نسخ

تقدم يوتيوب الأداة باعتبارها وسيلة تساعد المبدعين على اتخاذ قرار كان يعتمد سابقاً على الحدس، فإذا صنع المحرر أكثر من افتتاحية، يستطيع اختبارها على جمهور حقيقي بدلاً من اختيار واحدة والتخلص من البقية.

وبحسب الإعلان الرسمي، يقارن النظام ما يصل إلى 3 نسخ لمعرفة الافتتاحية أو البناء الذي يحافظ على انتباه الجمهور بصورة أفضل، فيما توضح «ذا فيرج» أن النسخ ستُعرض أولاً على شرائح صغيرة من المشاهدين، وبعد 7 أيام يستطيع صانع المحتوى اعتماد النسخة الفائزة، أو يترك القرار للنظام.

لكن الاختبار لا يتوقف عند الفيديو، إذ تسمح ميزة «الصور المصغرة الديناميكية» برفع 3 صور، ثم تعرض يوتيوب الصورة الأنسب لكل شريحة من الجمهور، وهذا يختلف عن الاختبار التقليدي الذي ينتهي بصورة فائزة واحدة، فقد يبقى للفيديو أكثر من وجه بحسب الشخص الذي تنوي الخوارزمية إقناعه بالنقر.

وتقول يوتيوب إن صناع المحتوى أجروا أكثر من 40 مليون تجربة على العناوين والصور المصغرة منذ إطلاق أدوات الاختبار رسمياً ما يكشف أن المنصة لا تبدأ تجربة صغيرة، إنما تنقل منطقاً أثبت حضوره من غلاف الفيديو إلى مادته نفسها.

اعتراض براونلي

ولم يرَ ماركوس براونلي، المعروف باسم «MKBHD» وصاحب أكثر من 21 مليون مشترك، في الميزة مجرد أداة تحرير جديدة، ووصفها بأنها قد تكون «أكثر أفكار يوتيوب جنوناً ومخاطرة، وربما أسوأها».

وتساءل براونلي عما إذا كان المشاهد سيعرف أنه جزء من اختبار، وكيف يمكنه فهم التعليقات إذا كان أصحابها قد شاهدوا مونتاجاً مختلفاً، وماذا سيحدث للتعليقات المرتبطة بتوقيت محدد عندما تتغير مواضع المشاهد بين نسخة وأخرى.

وقال إنه كلما فكر في الميزة قلّ إعجابه بها بسبب كثرة الأسئلة التي لم تُجب عنها يوتيوب، معترفاً بأنه لا يريد أن يبدو كصانع محتوى قديم يرفض التغيير، لكنه يرى أن اختبار الفيديو نفسه يتجاوز ما يستطيع تقبله في أدوات التحسين.

المشكلة هنا لا تتعلق بالمونتاج وحده، فالفيديو على يوتيوب أصبح مرجعاً عاماً، تقتبس منه الصحافة، ويُستخدم في التعليم، وتُبنى حوله نقاشات جماعية، وإذا عرض الرابط الواحد مقدمات أو مشاهد مختلفة، فإن الجمهور قد لا يعود يناقش عملاً مشتركاً تماماً.

ويزداد السؤال حساسية في الأخبار والمقابلات السياسية والمراجعات التقنية، إذ يستطيع اختلاف صغير في ترتيب الجمل أو حذف مقدمة أو تقديم مشهد على آخر أن يغيّر الانطباع، حتى لو ظل المحتوى الأساسي متشابهاً.

صناعة محسوبة

في المقابل، تمثل الأداة امتداداً طبيعياً لطريقة عمل أكبر قنوات يوتيوب، فالإنتاج على المنصة لم يعد ينتهي عند التصوير والمونتاج، وإنما يستمر بعد النشر عبر مراقبة معدلات النقر ومنحنيات المشاهدة واللحظة التي يغادر عندها الجمهور.

ويستخدم فريق «MrBeast» هذا المنطق منذ سنوات، ووفقاً لـ«بيزنس إنسايدر» كان الفريق المسؤول عن الصور المصغرة ينتج نحو 50 تصوراً للفيديو الواحد قبل الوصول إلى الاختيار النهائي، كما يعتمد على بيانات تفصيلية تحدد الثانية التي يبدأ عندها المشاهدون بالمغادرة.

الفارق أن هذه الممارسات كانت تحدث داخل غرف الإنتاج قبل النشر، أما أداة يوتيوب الجديدة فتحوّل الجمهور نفسه إلى غرفة اختبار، ويصبح آلاف المشاهدين عينة مجانية تساعد المبدع على تقرير النسخة النهائية.

وتقول يوتيوب إن أكثر من 20 مليون فيديو يُرفع إلى المنصة يومياً، لذلك تبدو الرغبة في استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي مفهومة وسط هذا التدفق، فصانع المحتوى لا يتنافس مع قنوات مجاله فقط، وإنما مع ملايين المقاطع التي تطلب انتباه المشاهد في اللحظة نفسها.

حدود الاختبار

ولم توضح المنصة حتى الآن كيف ستتعامل النسخ مع الإعجابات والتعليقات والإعلانات المدفوعة والتوقيتات، ولا كيف ستقسم الجمهور، ولا متى تصبح الأدوات متاحة لجميع القنوات، إذ تصفها المواد الرسمية بأنها «قادمة قريباً»، بينما تشير تقارير إلى وصول بعض اختبارات المقاطع القصيرة خلال 2027.

وتأتي الأداة ضمن حزمة أوسع تشمل مساعداً يقدم ملاحظات على الإيقاع والبناء والسرد قبل النشر، وذكاءً اصطناعياً يراجع أرشيف القناة ويقترح صوراً وعناوين جديدة للمقاطع القديمة، إضافة إلى الدبلجة الفورية للبث المباشر، وهي ميزة ترى يوتيوب أهميتها مع قدوم أكثر من 40% من وقت مشاهدة البث من خارج بلد صانع المحتوى.