في ابتكار يجمع بين الطبيعة والتكنولوجيا، استلهم علماء تصميمًا جديدًا من كائن يعيش في أقسى بيئات الأرض: البطريق، والنتيجة هي غشاء ذكي قادر على التبديل بين التبريد والتسخين، بل وحتى حجب الإشارات دون أي أجزاء متحركة.

الفكرة مستوحاة من الطريقة التي تنظم بها طيور البطريق الإمبراطور (Emperor Penguin) حرارة أجسامها في القطب الجنوبي، حيث تعتمد على ترتيب ريشها وتغيير بنيته للحفاظ على الدفء أو التخلص من الحرارة الزائدة، هذا المبدأ الطبيعي ألهم الباحثين لتطوير مادة “متكيّفة” تستجيب تلقائيًا للظروف المحيطة.

سطح واحد… ثلاث وظائف

ما يجعل هذا الابتكار استثنائيًا هو قدرته على أداء ثلاث مهام مختلفة في آنٍ واحد: التسخين عند امتصاص أشعة الشمس، والتبريد عبر عكس الإشعاع الحراري، وحجب الإشارات الكهرومغناطيسية عند الحاجة.

كل ذلك يحدث بشكل تلقائي، دون الحاجة إلى أنظمة كهربائية أو ميكانيكية معقدة، حيث يتغير سلوك الغشاء حسب شدة الضوء والحرارة المحيطة.

كيف يعمل؟

يعتمد الغشاء على بنية دقيقة تتفاعل مع الضوء: فعندما تكون الظروف باردة، يمتص السطح الطاقة الشمسية ليساعد على التسخين، أما عند ارتفاع الحرارة، فيتحول ليعكس الإشعاع ويقلل من امتصاص الطاقة، تمامًا كما يفعل ريش البطريق عند تغيير وضعيته.

الأكثر إثارة أن المادة يمكنها أيضًا التحول من “شفافة للإشارات” إلى “مانعة لها”، ما يفتح الباب لاستخدامها في تطبيقات الاتصالات والأمن الإلكتروني، خاصة في البيئات الحساسة.

ثورة في الأبنية والطاقة؟

قد يبدو الأمر بسيطًا، لكن تطبيقاته واسعة للغاية، مثلا في مبانٍ يمكنها تنظيم حرارتها ذاتيًا دون استهلاك طاقة، وسيارات تتكيف مع الطقس تلقائيًا، وأجهزة إلكترونية تحمي نفسها من التداخل الإشاري، ووحتى أقمار صناعية تحتاج إلى إدارة دقيقة للحرارة.

ويرى الباحثون أن هذا النوع من المواد قد يقلل بشكل كبير من استهلاك الطاقة في التبريد والتدفئة، وهما من أكبر مصادر استهلاك الطاقة عالميًا.

الطبيعة… أعظم مهندس

هذا الابتكار يعكس اتجاهًا متصاعدًا في (Biomimicry) أو محاكاة الطبيعة، حيث يلجأ العلماء إلى الطبيعة لحل أعقد المشكلات الهندسية، فالكائنات الحية طورت عبر ملايين السنين حلولًا فعالة للبقاء وما على الإنسان إلا أن “يقرأ” هذه الحلول ويعيد توظيفها.