دبي - نورا المرزوقي

لم يعد البحث عن مطعم قريب أو نصيحة جمالية أو وجهة سفر يبدأ، كما في السابق، بكتابة كلمات مفتاحية في محرك البحث "غوغل"، بل بتمرير سريع على شاشة "تيك توك". هكذا، وبهدوء، يعيد الجيل Z تعريف واحدة من أكثر العادات الرقمية رسوخاً في حياتنا اليومية: البحث.

هذا التحول لم يعد مجرد انطباع، بل تؤكده مؤشرات وأرقام متزايدة، فبحسب"TechCrunch”، المنصة الإعلامية المختصة بالأخبار التكنولوجية، أقر مسؤولون في "غوغل" بأنها تواجه منافسة من منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" في مجالات أساسية مثل البحث المحلي.

وتشير بيانات حديثة إلى أن شريحة واسعة من الشباب تفضّل اللجوء إلى الفيديو القصير للحصول على إجابات سريعة ومرئية، فوفق تقديرات عرضها مسؤولون في "غوغل"، فإن نحو 40% من المستخدمين الشباب يتجهون إلى هذه المنصات عند البحث عن أماكن أو تجارب.

وأظهرت دراسة نقلتها "فوربس" في 2024 أن "غوغل" تراجعت إلى المرتبة الثالثة كمصدر للبحث المحلي لدى الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً، خلف "إنستغرام" و"تيك توك". كما تشير تقديرات أخرى إلى أن أقل من نصف هذه الفئة يبدأون بحثهم من محركات البحث التقليدية، في مقابل صعود واضح لما يُعرف بـ"البحث الاجتماعي".

بحث يُشاهد لا يُقرأ

تكمن جاذبية تطبيق "تيك توك" في طبيعة التجربة نفسها، فبدلاً من قراءة نتائج متعددة ومقارنة روابط، يحصل المستخدم على محتوى بصري مباشر؛ فيديو يعرض المكان، وآخر يشرح التجربة، وثالث يقدم تقييماً سريعاً، كل ذلك خلال دقائق، وأحياناً ثوانٍ.

هذا النمط يلبي حاجة جيل نشأ على السرعة والبساطة، ويفضّل مشاهدة المعلومة على قراءتها، كما يمنحه إحساساً أعلى بالمصداقية، إذ تأتي التوصيات من مستخدمين عاديين، وليس من مواقع رسمية أو نتائج مدفوعة.

وفي هذا السياق، برز مصطلح "البحث الاجتماعي" ليصف هذا التحول، حيث تتحول المنصات الاجتماعية من مجرد أدوات تواصل وترفيه إلى بوابات لاكتشاف المعلومات والمنتجات والخدمات.

خوارزميات تقود الاكتشاف

تعزز خوارزميات "تيك توك" هذا الاتجاه، إذ لا تكتفي بعرض نتائج بحث تقليدية، بل تقترح محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم وسلوكه السابق، وبهذا يتحول البحث من عملية مقصودة إلى تجربة اكتشاف مستمر.

وتشير بيانات نشرتها "Seer Interactive" وهي جهة تحليل بيانات، إلى أن "تيك توك" يضم أكثر من 1.58 مليار مستخدم نشط شهرياً، وأن 61% من مستخدميه يكتشفون علامات تجارية ومنتجات جديدة عبر المنصة، فيما يتخذ 92% من هؤلاء المستخدمين خطوة تفاعلية بعد مشاهدة المحتوى، مثل البحث عن المنتج أو زيارة الموقع أو الشراء.

تحديات الدقة والمصداقية

رغم هذا الزخم، لا يخلو المشهد من تحديات، فسهولة إنتاج المحتوى وسرعة انتشاره تعنيان أيضاً ارتفاع احتمال تداول معلومات غير دقيقة أو مضللة، خصوصاً في مجالات حساسة مثل الصحة أو المال.

كما أن طبيعة الفيديو القصير، رغم جاذبيتها، قد تختصر المعلومات أو تقدمها خارج سياقها الكامل، ما يطرح تساؤلات حول موثوقية "البحث الاجتماعي" مقارنة بالمصادر التقليدية.

لهذا، يرى خبراء أن "تيك توك" لا يلغي دور "غوغل"، بل يعيد توزيع الأدوار؛ فالأول يتفوق في الإلهام والاكتشاف والتجارب، بينما تبقى "غوغل" أكثر موثوقية في المعلومات الدقيقة والبيانات الرسمية.

مستقبل البحث... متعدد المنصات

المشهد اليوم يشير إلى تحول أوسع في سلوك المستخدمين، لا يقتصر على منصة بعينها. فالبحث لم يعد حكراً على محرك واحد، بل أصبح تجربة موزعة بين "غوغل" و"تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب"، وربما قريباً برامج الذكاء الاصطناعي.

وبين "غوغل" و"تيك توك، لا يبدو الأمر مجرد تغيير في الوسيلة، بل انعكاس لتحول أعمق في طريقة تلقي المعرفة، حيث تتقدم الصورة على النص، والتجربة على المعلومة، والسرعة على التفصيل.

في عالم يتسارع فيه كل شيء، يبدو أن الجيل Z لا يريد فقط أن يعرف الإجابة... بل أن يراها.