في خطوة علمية قد تعيد رسم مستقبل الحوسبة، نجح باحثون من جامعة موناش الأسترالية في تطوير شريحة إلكترونية فائقة الصغر قادرة على توليد المعلومات الضوئية وتوجيهها وقراءتها داخل نظام متكامل واحد، ما يفتح الباب أمام طفرة جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والاتصالات المتقدمة.

ويُنظر إلى هذا الإنجاز باعتباره نقلة نوعية في مجال ناشئ يُعرف باسم "فاليترونيكس"، وهو أحد أكثر التخصصات الواعدة في عالم التكنولوجيا الحديثة، إذ يعتمد على استغلال الخصائص الكمية للضوء لنقل البيانات ومعالجتها بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين.

الإشارات الضوئية

على مدى عقود، اعتمدت الحواسيب والأجهزة الإلكترونية على الإشارات الكهربائية لمعالجة المعلومات، إلا أن الباحثين يسعون اليوم إلى استبدالها بالإشارات الضوئية التي توفر سرعات أعلى واستهلاكاً أقل للطاقة.

وتمكن الفريق العلمي من بناء أول شريحة متكاملة تستطيع إنتاج إشارات ضوئية خاصة، وتوجيهها عبر مسارات دقيقة، ثم تحويلها إلى إشارات كهربائية قابلة للقراءة، وكل ذلك داخل رقاقة واحدة صغيرة الحجم.

ويعتمد النظام على خاصية كمية تعرف باسم "درجة الوادي"وهي سمة فريدة تتيح تخزين المعلومات بطرق جديدة تختلف عن الأساليب التقليدية المستخدمة حالياً في الإلكترونيات.

وأوضح الباحث الرئيسي للدراسة الدكتور تش لي  أن التحدي الأكبر في هذا المجال كان يتمثل في القدرة على تنفيذ جميع مراحل معالجة المعلومات الضوئية داخل جهاز واحد.

وقال إن العلماء تمكنوا سابقاً من توليد هذه الإشارات أو اكتشافها بشكل منفصل، لكنهم لم ينجحوا في دمج جميع الوظائف ضمن نظام متكامل حتى الآن.

وأضاف أن الرقاقة الجديدة قادرة على إنشاء المعلومات الضوئية وتوجيهها وقراءتها بدقة عالية داخل بيئة مصغرة للغاية، ما يمثل خطوة كبيرة نحو التطبيقات العملية.

هياكل نانوية

يعتمد الابتكار على مواد متناهية الصغر لا يتجاوز سمكها بضع ذرات فقط، إلى جانب هياكل نانوية مصممة خصيصاً للتحكم بالضوء على مستويات دقيقة للغاية.

وأوضح الباحث كايجيان شينغ، أن الفريق طور أسلوباً عملياً لدمج هذه المواد الرقيقة مع أسطح نانوية متقدمة، متجاوزاً عقبات تقنية لطالما أعاقت تطوير أنظمة فاليترونيكس المتكاملة.

ومن أبرز ما يميز التقنية الجديدة أنها تعمل في درجات الحرارة العادية، على عكس كثير من الأنظمة الكمية التي تحتاج إلى بيئات شديدة البرودة ومكلفة التشغيل.

ويرى الباحثون أن هذه الميزة تجعل التقنية أقرب إلى الاستخدام التجاري والصناعي، وتزيد فرص دمجها مستقبلاً في الأجهزة الإلكترونية اليومية ومراكز البيانات.

وأكد الدكتور هرون رين،  أن الابتكار يمثل خطوة مهمة نحو تطوير رقائق ضوئية مبرمجة وقابلة للتوسع، قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعات فائقة.

وأشار إلى أن هذه التقنية قد تدعم تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة، وتقنيات اتصالات أكثر أماناً، إضافة إلى تعزيز قدرات الحوسبة الكمية والتصوير المتقدم.

ولإثبات كفاءة الشريحة، نجح الباحثون في ترميز ومعالجة صورتين مختلفتين في الوقت نفسه، ما يبرهن على قدرة النظام على التعامل مع تدفقات متعددة من البيانات بشكل متزامن، وهي خاصية أساسية للحواسيب المستقبلية فائقة الأداء.

اكتشافات علمية

ويرى البروفيسور ستيفان ماير أن هذا التطور يساهم في سد الفجوة بين الاكتشافات العلمية الأساسية والتطبيقات العملية، عبر الجمع بين الضوء والمواد الكمية داخل شريحة واحدة.

ويؤكد الباحثون أن العالم قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة من الحوسبة، تنتقل فيها معالجة المعلومات من الإلكترونات إلى الفوتونات، ما يعني أجهزة أسرع، وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وقادرة على تنفيذ مهام الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية بمستويات غير مسبوقة.

وبينما لا تزال التقنية في مراحلها البحثية الأولى، فإن نتائجها تشير إلى أن مستقبل الحواسيب قد لا يعتمد على الكهرباء وحدها، بل على الضوء نفسه كمحرك رئيسي للثورة الرقمية المقبلة.