في اللقطة الأولى، لا يبدو أن هناك ما يدعو للشك، آلاف الأشخاص يحتشدون في قلب لندن، الأعلام البريطانية تملأ المشهد، ومبنى البرلمان يقف في الخلفية كأنه شاهد على احتجاج سياسي ضخم، فيديو قصير يحمل رسالة مباشرة: "استيقظي يا إنجلترا"، والمشهد نفسه يبدو كافياً ليقول للمشاهد إن شيئاً كبيراً يحدث في الشارع.

لكن المشكلة أن هذا الحشد لم يكن موجوداً أصلاً، فالمقطع الذي انتشر عبر فيسبوك وزعم إظهار آلاف المتظاهرين خارج مجلسي البرلمان في لندن، خضع للتحقق من جانب مؤسسة "Full Fact" البريطانية، التي خلصت إلى أنه مولّد بالذكاء الاصطناعي.

وكشف الفحص عن وجود علامة "SynthID" غير مرئية تشير إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التابعة لـ"قوقل"، إلى جانب أخطاء داخل المشهد نفسه، بينها كتابة مشوهة على الطريق ومبانٍ ومنشآت، مثل جسر ويستمنستر، ظهرت في مواقع لا تتطابق مع موقعها الحقيقي.

للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد إضافة جديدة إلى القائمة الطويلة من الصور والمقاطع المزيفة التي تعج بها منصات التواصل الاجتماعي، لكن هذا النوع من الفيديوهات يحمل تحولاً أكثر إرباكاً يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يستطيع اختراع حدث كامل، وبناء شارع وحشد وأعلام وأجواء احتجاج، ثم تقديمها في ثوانٍ على أنها واقع حدث أمام الكاميرا.

صناعة الجمهور

تكمن قوة هذه المقاطع في أن الحشود تحمل، بطبيعتها، رسالة تتجاوز الأشخاص الموجودين فيها، فعندما يرى المستخدم آلاف المتظاهرين في الشارع، قد يتلقى المشهد بوصفه مؤشراً على وجود حالة شعبية أو زخم لقضية ما، حتى قبل أن يعرف أين صُوّر الفيديو أو من يقف وراءه.

وهنا تصبح المسألة مختلفة عن "ديب فيك" لشخص واحد، ففي الحالات الجديدة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصنع الانطباع بأن آلاف الأشخاص تحركوا في الشارع، بينما لم يغادر أحد منزله من أجل ذلك الحدث.

ولا يبدو فيديو البرلمان حالة منفردة، فقد وثّقت منصة "ليد ستوريز" خلال 2026 عدة مقاطع ادعت إظهار احتجاجات جماهيرية في مدن بريطانية، قبل أن يتبين أن عدداً منها صُنع بالذكاء الاصطناعي.

ورصدت المنصة نمطاً متكرراً في بعضها: أعلام بريطانية بارزة، ورسومات تشبه شاشات القنوات التلفزيونية، وعبارات عامة حول الأوضاع في البلاد، إلى جانب دعوات للمستخدمين إلى الإعجاب والمشاركة والتعليق، في تركيبة تمنح المشهد مظهراً مألوفاً وتشجع في الوقت نفسه على انتشاره. 

ومن الأمثلة الأخرى، مقطع انتشر على أنه يوثق مظاهرة مؤيدة لإسرائيل بالقرب من عين لندن وقصر ويستمنستر، لكن تحقيقاً أجرته منصة "مسبار" الإخبارية خلص إلى أن المشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي وليست توثيقاً لاحتجاج حقيقي.

وأشار التحقيق إلى أعلام ظهرت بصورة غير متماسكة واختفى بعضها أثناء الحركة، فضلاً عن حركة غير طبيعية داخل الحشد وصوت ذي طابع اصطناعي، كما رصد علامة "Veo" المرتبطة بنموذج توليد الفيديو من "قوقل". 

لماذا تبدو مقنعة؟

لا تحتاج هذه الفيديوهات بالضرورة إلى أن تكون مثالية حتى تحقق أثرها، فالمشهد قد يصل إلى المستخدم وسط سلسلة سريعة من المقاطع، وفي ثوانٍ قد تتكون القصة في ذهن المتلقي قبل أن يبدأ في فحص التفاصيل.

وهذا تحديداً ما يجعل «الحشود الاصطناعية» أكثر من مجرد خدعة بصرية، فالصورة هنا لا تخترع شخصاً فقط، وإنما قد تصنع انطباعاً بوجود رأي عام وحراك سياسي على الأرض.

العين لم تعد كافية

في الوقت الراهن، لا تزال بعض المقاطع تترك وراءها آثاراً يمكن استخدامها في التحقق، لكن ماذا يحدث عندما تصبح المقاطع الاصطناعية أفضل، وتصبح الأخطاء التي اعتاد المدققون البحث عنها أقل وضوحاً؟

لسنوات طويلة، كان الفيديو بالنسبة إلى المستخدم العادي أقرب إلى الدليل، فيمكن التشكيك في رواية مكتوبة، أو في منشور مجهول المصدر، لكن رؤية الحدث بالعين منحت المشاهد شعوراً مختلفاً باليقين.