أن تخلد إلى النوم وأنت تستعد لإعصار من الفئة الثانية، ثم تستيقظ لتجد عاصفة من الفئة الخامسة تقترب منك، كان واحداً من أخطر التحديات التي واجهت التنبؤ بالأعاصير لعقود.

وتحسنت القدرة على توقع مسارات الأعاصير تدريجياً، بينما بقي التنبؤ بشدتها أكثر صعوبة وبطئاً، ثم دخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، وبدأ يسرّع وتيرة التغيير بصورة لفتت حتى خبراء الطقس المخضرمين.

خلال العامين الأخيرين، بدأت نماذج الذكاء الاصطناعي تظهر قدرة لافتة، خصوصاً في توقع المسار المحتمل للعواصف، ومن أبرزها «WeatherNext» الذي طوره فريق «Google DeepMind»، وأصبح في موسم 2026 جزءاً كاملاً من مجموعة الأدوات التي يستخدمها المركز الوطني للأعاصير في الولايات المتحدة بعد خضوعه للاختبار والتقييم.

والإعصار هو عاصفة مدارية شديدة تتشكل فوق المياه الدافئة، وتدور حول مركز منخفض الضغط، وتصاحبها رياح قوية وأمطار غزيرة، وقد تتسبب في فيضانات وارتفاع خطير لمياه البحر.

ووصف مايكل برينان، مدير المركز الوطني للأعاصير في الولايات المتحدة، سرعة التطور بأنها مختلفة جداً عما يحدث عادة في هذا المجال.

أما جيمس فرانكلين، الرئيس السابق لأحد فروع المركز، فقال إن التحسن الذي حققته نماذج الذكاء الاصطناعي، و«Google DeepMind» تحديداً، كان «لافتاً للغاية»، مضيفاً أنه لم يشهد شيئاً بهذه الدرجة من التأثير خلال سنوات عمله.

ويعتمد «WeatherNext» على كميات هائلة من بيانات الأعاصير والرصد الجوي عبر عقود، ويتعلم العلاقات بين متغيرات مثل الضغط والرياح ودرجة الحرارة، ثم يربطها بصورة الغلاف الجوي الحالية لتقدير ما قد يحدث لاحقاً.

وفي الوقت الذي تعالج فيه بعض النماذج الديناميكية نحو 50 نتيجة محتملة من دورة توقع إلى أخرى، يستطيع النموذج المدعوم بالذكاء الاصطناعي معالجة آلاف النتائج المحتملة بسرعة.

ووصف فرانكلين ما يحدث داخل النموذج بشيء من «السحر الرياضي»، إذ يبحث الذكاء الاصطناعي في البيانات عن أنماط تخبره، بصورة مبسطة، بأنه عندما يبدو الغلاف الجوي بهذه الصورة الآن، فمن المرجح أن يتصرف الإعصار بهذه الطريقة لاحقاً.

اللافت أن النموذج لا يحتاج إلى التعامل مع فيزياء الغلاف الجوي بالطريقة نفسها التي تعتمد عليها النماذج التقليدية، إنما يتعلم الأنماط والعلاقات من البيانات، والأكثر إثارة للعلماء أن بعضها قد يكون أنماطاً لم ينتبه إليها المتنبئون أنفسهم من قبل.

وبحسب تقييم فرانكلين لأداء النموذج خلال صيفين، برز «ويذر نيكست» بقوة في توقع مسارات الأعاصير، وقال إن ظهوره بهذه السرعة بوصفه أداة بارزة لتوجيه توقعات المسار أمر لم يشهده من قبل، مضيفاً أنه يتفوق في هذا الجانب «بفارق كبير».

ومع ذلك، لا يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلاً عن التوقع الرسمي، فرانكلين نفسه أشار إلى أن التنبؤ الرسمي لا يزال في الغالب الأفضل بين أدوات التوجيه المختلفة، لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه لا ينبغي إعداد توقع لمسار إعصار من دون الاطلاع على ما يقوله نموذج «غوغل».

وأحد الاختبارات اللافتة جاءت مع إعصار «Melissa» أثناء اقترابه من جامايكا في موسم 2025، فقد ساعد نموذج «ويذر نيكست» المركز على امتلاك ثقة أكبر لإصدار أحد أكثر توقعاته جرأة بشأن شدة الإعصار، عندما توقع التسارع الكبير في قوته بصورة دقيقة.

ولا يسلم المركز الوطني للأعاصير قراراته للآلة، فيؤكد برينان أن نماذج التعلم الآلي أدوات جديدة وقيمة في «صندوق الأدوات»، لكنها لم تغير بصورة جوهرية الطريقة التي تُعد بها التوقعات.

ولا يزال المتنبئ البشري يراجع نتائج النماذج المختلفة وبيانات الرصد ويضيف خبرته العملية قبل إصدار التوقع، والأهم من معرفة أين سيذهب الإعصار ومدى شدته وحجمه هو ترجمة كل هذه المعلومات إلى تحذيرات مفهومة حول المخاطر التي قد تواجه السكان.

وهنا يبدو مستقبل التنبؤ بالأعاصير أقل شبهاً بمنافسة بين الإنسان والآلة، وأكثر شبهاً بشراكة بينهما، فإذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي أفضل من معظم النماذج الأخرى في جانب محدد، ثم أضاف المتنبئ خبرته وفهمه للظروف العملية، فقد تصبح النتيجة النهائية أكثر دقة.

لكن الجانب الأكثر إثارة قد لا يكون قدرة الذكاء الاصطناعي على توقع العاصفة، وإنما احتمالية أن يساعد العلماء على فهمها.

فدراسة منشورة في دورية «Nature» أشارت، وفق المادة، إلى احتمال أن يكون «ويذر نيكست» قد التقط إشارات جوية في الأعاصير المدارية لم تكن معروفة سابقاً، وخلص باحثون مشاركون فيها إلى أن البيانات الجوية واسعة النطاق قد تحمل إشارات مرتبطة بشدة الأعاصير أكبر مما كان معروفاً سابقاً.

ويأمل الباحثون أن يساعد الذكاء الاصطناعي العلماء على فهم ما يجري داخل هذه الأنظمة المدارية المعقدة، وهو ما قد يحسن بدوره النماذج وطرق جمع البيانات مستقبلاً.

وقد تمتد الفائدة إلى ما هو أبعد من الأعاصير، إذ يرى الباحثون أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تقدم مؤشرات مفيدة في تحديات أخرى للتنبؤ بالطقس المتطرف، مثل موجات الحر المحلية والأمطار الشديدة.

لكن حتى أكثر النماذج تطوراً لن تجعل الطقس كتاباً مفتوحاً، فالطبيعة الفوضوية للغلاف الجوي تعني أن توقع الأعاصير سيظل تحدياً معقداً ومجالاً مفتوحاً أمام المزيد من أبحاث الذكاء الاصطناعي.