لم يمض وقت طويل على دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى المكاتب، ومع ذلك بدأ الموظفون يتحدثون عن العالم الذي سبقه كما لو كان زمناً بعيداً، زمن كانت فيه المسودة الأولى يكتبها إنسان، والخطأ يحمل اسماً واضحاً، والخبرة المتراكمة لا يمكن اختصارها في سؤال يُكتب داخل مربع نص.

كان الوعد بسيطاً وجذاباً، ستنجز الآلة الأعمال المتكررة، وتمنح الموظف وقتاً أطول للتفكير والإبداع، لكن الصورة التي تتشكل داخل بعض أماكن العمل تبدو أكثر تعقيداً، فالأداة التي تكتب بسرعة تحتاج إلى شخص يراجعها، والإجابة التي تصل خلال ثوان قد تستهلك وقتاً أطول للتأكد منها، فيما يشعر أصحاب الخبرة بأن سنوات من المعرفة أصبحت تنافسها قدرة أي شخص على إنتاج نص مقنع ظاهرياً.

وكشف استطلاع أجرته مجموعة «أدابتافست» «Adaptavist» المختصة بقطاع التحول الرقمي وشمل 2500 من العاملين في الوظائف المعرفية أن 65 في المئة يشعرون بصورة متكررة بالحنين إلى طريقة العمل قبل الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي.

حنين مبكر

المفارقة أن الموظفين لا يرفضون التقنية بالضرورة، فقد قال 67 في المئة إنهم يريدون من مؤسساتهم زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، وأكد 73 في المئة أن هذه الأدوات تساعدهم على العمل بكفاءة أعلى.

اليوم، يطلب الموظفين المزيد من التقنية ويشتاقون في الوقت نفسه إلى الحياة المهنية التي سبقتها، ولا يبدو ذلك تناقضاً بقدر ما يعكس فرقاً بين فائدة الأداة وطريقة إدخالها إلى العمل.

فالموظف قد يرحب بأداة تختصر إعداد محضر أو تنظم البيانات، ثم يعترض عندما تتحول إلى معيار تقاس به سرعته وقيمته، وقد يستفيد منها في إنجاز مهمة، لكنه يرفض أن تصبح خبرته مساوية لإجابة مولدة لا يعرف مصدرها.

واللافت أن الحنين إلى الماضي كان قوياً بين الجيل الأصغر، فقد قال 42 في المئة من موظفي الجيل «زد» إنهم يفضلون الحياة العملية السابقة للذكاء الاصطناعي، رغم أنهم الجيل الأكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا في المخيلة العامة.

خبرة مهددة

وأعرب 46 في المئة من المشاركين عن انزعاجهم من قدرة أشخاص على إنجاز مهمات كانت تتطلب سنوات من الخبرة بمجرد استخدام أداة للذكاء الاصطناعي، وقال 23 في المئة إن خبراتهم الشخصية فقدت جزءاً من قيمتها، فيما رأى 31 في المئة أن هذه الأدوات تقلل الإبداع البشري.

منافسة آلية

وقال نصف المشاركين في الاستطلاع أن أداءهم أصبح يقارن بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، ولا تشمل المقارنة جودة العمل فقط، وإنما سرعته وحجمه وكلفته.

وتعد هذه المقارنة غير متكافئة بطبيعتها، فالآلة لا تشعر بالإرهاق ولا تتحمل المسؤولية القانونية أو الأخلاقية عن الخطأ، بينما يُطلب من الموظف أن يضاهي سرعتها ويصحح نتائجها ويتحمل تبعات القرار النهائي.

ومع الوقت قد يستخدم الموظف الأداة لا لأنه مقتنع بها، وإنما كي يواكب عبء العمل أو زملاءه،  وأظهر الاستطلاع أن 25 في المئة يستخدمون الذكاء الاصطناعي لمجاراة متطلبات العمل المتزايدة، وبذلك تتحول التقنية من وسيلة لتقليل الضغط إلى شرط جديد للنجاة منه.

معنى العمل

وقد يبدو الحنين إلى مكتب ما قبل الذكاء الاصطناعي رومانسية مبالغاً فيها، فالعمل قبل هذه الأدوات لم يكن مثالياً، وكانت المكاتب مليئة بالمهمات المتكررة والاجتماعات الطويلة والأخطاء البشرية.

لكن الحنين لا يتعلق دائماً بالماضي كما كان، وإنما بما يعتقد الموظف أنه فقده، مثل ملكية الفكرة، والاعتراف بالخبرة، والوقت اللازم للإتقان، والشعور بأن العمل يحمل بصمة صاحبه.

وشمل استطلاع «أدابتافست» موظفين في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وألمانيا وإسبانيا خلال مارس 2026، لذلك لا تمثل نتائجه جميع أسواق العمل، كما أن الجهة التي أجرته تعمل في مجال التحول الرقمي، وهو سياق ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة الأرقام.