لم يعد السؤال المطروح في الولايات المتحدة هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير حياة البشر، فالتغيير بدأ بالفعل، السؤال الأصعب الآن هو ما إذا كان ينبغي إبطاء تطويره قبل أن تصبح قدراته أكبر من قدرة الحكومات والشركات على السيطرة عليها.

في جانب من النقاش، يرى سياسيون وخبراء أن فرض قيود على الشركات الأمريكية قد يمنح الصين فرصة التقدم وحسم سباق ستكون له نتائج اقتصادية وعسكرية هائلة.

وفي الجانب الآخر، يحذر المؤيدون للتنظيم من مواصلة تطوير أنظمة قوية من دون رقابة مستقلة أو آلية توقفها عند ظهور مخاطر غير متوقعة.

وبين المعسكرين، بدأ يظهر اتجاه ثالث لا يطالب بإيقاف الابتكار ولا يقبل بترك الشركات تراقب نفسها، وإنما يدعو إلى قواعد محددة تركز على الشفافية والاختبارات المستقلة ومساءلة المطورين.

سباق صيني

تتعامل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الذكاء الاصطناعي بوصفه سباق قوة عالمياً لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل خسارته.

ووفقاً لخطة البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي، فإن الدولة التي تمتلك أكبر منظومة لهذه التقنية ستكون الأقدر على وضع المعايير العالمية والاستفادة من مكاسب اقتصادية وعسكرية واسعة.

وتدعو الخطة إلى تسريع الابتكار وإزالة القيود التنظيمية التي ترى الإدارة أنها تعرقل القطاع الخاص، إلى جانب توسيع البنية التحتية ومراكز البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي في الحكومة والدفاع.

وبحسب الخطة نفسها، تعتبر الإدارة تحقيق الهيمنة التكنولوجية الأمريكية ضرورة مرتبطة بالأمن القومي، وترى أن القيود التنظيمية المفرطة قد تمنح المنافسين فرصة التفوق.

تقوم الحجة هنا على أن القواعد الصارمة لن توقف التكنولوجيا عالمياً، ولكن قد تؤدي فقط إلى إبطاء الشركات الأمريكية، فيما تواصل الدول المنافسة تطوير أنظمتها من دون القيود نفسها.

غير أن هذا المنطق يحول كل إجراء للسلامة إلى عائق في سباق دولي، وقد يدفع الشركات إلى إطلاق تقنيات غير مكتملة الحماية خوفاً من أن يصل إليها المنافس أولاً.

مشرعون أبطأ

وتظهر حجة أخرى ضد التنظيم تتعلق بقدرة المؤسسات التشريعية نفسها، فالذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، فيما تحتاج القوانين إلى شهور أو سنوات من المناقشات والتعديلات.

كما أن التقنية تدخل مجالات مختلفة تشمل الصحة والتعليم والأمن والقضاء والمال والإعلام، ما يجعل إخضاعها لقانون واحد مهمة شديدة التعقيد.

ووفقاً لخطة البيت الأبيض، ينبغي للحكومة مراجعة اللوائح التي تعرقل تطوير الذكاء الاصطناعي أو استخدامه، مع تجنب توجيه التمويل الفيدرالي نحو الولايات التي تفرض أنظمة تنظيمية تعتبرها الإدارة مقيدة للابتكار.

ويخشى المعارضون أن يضع المشرعون قواعد واسعة لا تميز بين نموذج يساعد طبيباً على قراءة الأشعة وآخر يمكن استخدامه لتطوير سلاح بيولوجي.

وقد تتحول اللوائح المكلفة أيضاً إلى حماية غير مقصودة للشركات الكبرى، لأنها وحدها القادرة على تحمل نفقات الامتثال، فيما تخرج الشركات الناشئة من السوق.

ويقترح بعض قادة القطاع أن تتولى الشركات مراقبة منتجاتها ووضع قواعد مشتركة للسلامة، مع تدخل الحكومات في التنسيق الدولي.

لكن الاعتماد على التنظيم الذاتي يطرح سؤالاً جوهرياً يجعلنا جميعاً نتوقف لتأمله، هل يمكن أن تكون الشركة التي تتنافس على إطلاق النموذج الأقوى هي الجهة نفسها التي تقرر متى أصبح هذا النموذج خطراً؟

مخاطر واقعية

يركز جزء كبير من النقاش على سيناريوهات كارثية قد تشمل فقدان السيطرة على أنظمة فائقة الذكاء أو استخدامها في تطوير تهديدات نووية وبيولوجية.

ويرى المعارضون أن هذه المخاوف مبالغ فيها وأنها تصرف الانتباه عن فوائد التقنية في الطب والعلوم والإنتاجية.

لكن التنظيم لا يحتاج إلى انتظار كارثة وجودية كي يصبح مبرراً، فالذكاء الاصطناعي يستخدم بالفعل في الاحتيال وانتحال الهوية وإنتاج المقاطع المزيفة والتضليل وأتمتة الهجمات الإلكترونية.

دعوات التوقف

في الطرف الأكثر تشدداً، اقترح السيناتور بيرني ساندرز والنائب غريغ كاسار حظر تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق وإيقاف تطوير الأنظمة المتقدمة مؤقتاً حتى تنشئ الحكومة الأمريكية جهة رقابية وقواعد واضحة للسلامة.

وبحسب مكتب السيناتور بيرني ساندرز، سيحظر مشروع القانون تطوير أنظمة تفوق الذكاء البشري أو تستطيع مقاومة أوامر الإيقاف، كما سيوقف مؤقتاً تطوير النماذج المتقدمة إلى حين تأسيس جهة تنظيمية اتحادية.

ووفقاً للمشروع المعلن، ستراقب الجهة المقترحة الأنظمة المتقدمة طوال دورة حياتها، وتراجع قدراتها الخطرة وتشرف على إزالة تلك القدرات عند الضرورة.

كما ينص المقترح على تشكيل مجلس استشاري من خبراء الذكاء الاصطناعي لتوفير المشورة العلمية والتقنية المستقلة، إلى جانب السعي إلى اتفاقيات دولية تمنع تطوير أنظمة فائقة الذكاء خارج الولايات المتحدة.

وتستند هذه الدعوة إلى مبدأ الاحتياط، فإذا كانت هناك إمكانية، حتى إن كانت محدودة لأن تنتج التقنية أضراراً يصعب عكسها، فإن انتظار وقوع الأزمة لإقرار القواعد سيكون متأخراً.

أما منتقدو التوقف فيرون أن تعريف الذكاء الفائق نفسه غير واضح، وأن تجميد التطوير داخل الولايات المتحدة لن يمنع مختبرات الدول الأخرى من مواصلة السباق.

زر الطوارئ

يطرح بعض المشرعين خياراً أقل اتساعاً يتمثل في إلزام مطوري الأنظمة المتقدمة بتوفير آلية توقف منتجاتهم عند ظهور خطر جسيم.

وفي 16 سبتمبر 2026، تعطل تمرير مشروع قانون قدمه السيناتور الجمهوري جون كينيدي وكان سيفرض على المطورين تركيب «زر طوارئ» في النماذج المتقدمة.

ووفقاً لمكتب السيناتور جون كينيدي، منع اعتراض داخل مجلس الشيوخ تمرير المشروع بالإجماع.

وبحسب النص المقترح، كانت الشركات المطورة ستحتفظ بالسيطرة على زر الإيقاف وتتحمل مسؤولية استخدامه عندما ترى أن النموذج خرج عن السيطرة أو أصبح يمثل خطراً.

وقد تبدو الفكرة بسيطة للوهلة الأولى، لكن تنفيذها معقد، فالأنظمة يمكن أن توجد في خوادم متعددة أو تندمج في منتجات ومؤسسات مختلفة، ما يجعل إيقافها بضغطة واحدة أصعب من الصورة التي يوحي بها المصطلح.

ومع ذلك، تعكس الفكرة تغيراً في النقاش، فلم يعد القلق من الذكاء الاصطناعي مقتصراً على تيار سياسي واحد، إذ بدأت مقترحات السلامة تجمع أصواتاً من اليمين واليسار رغم اختلاف دوافعها.

خطوات أولى

قد لا يكون الاختيار الحقيقي بين ترك الذكاء الاصطناعي بلا قيود وإيقافه بالكامل، فتوجد إجراءات أقل إثارة للانقسام ويمكن تطبيقها من دون تجميد الابتكار.

وتشمل هذه الإجراءات إخضاع النماذج المتقدمة لتقييمات مستقلة قبل إطلاقها، والإبلاغ عن الحوادث والاختراقات، ووضع علامات واضحة على المحتوى الاصطناعي، وكشف البيانات العامة عن قدرات الأنظمة ومخاطرها، وتحميل الشركات مسؤولية الاستخدامات التي كان يمكن توقعها ومنعها.

وتدعم خطة البيت الأبيض نفسها، رغم موقفها الرافض للقيود الواسعة إنشاء منظومة لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي والاستثمار في أبحاث التحكم والموثوقية والاستجابة للحوادث.

كما يقدم النهج الأوروبي نموذجاً قابل للتنظيم والتبني وفقاً لطبيعة الاستخدام ودرجة الخطورة، بدلاً من إخضاع كل تطبيقات الذكاء الاصطناعي للقواعد نفسها.

فالنظام الذي يقترح أغنية لا ينبغي أن يخضع للضوابط المطبقة على نظام يقرر أهلية شخص للحصول على وظيفة أو علاج أو قرض.

وقد تكون الشفافية هي نقطة البداية الأكثر واقعية، فالمجتمع لا يستطيع اتخاذ قرار بشأن تقنية لا يعرف كيف اختُبرت، وما البيانات التي دُربت عليها، وما الذي تستطيع فعله حين تخرج عن الاستخدام المتوقع.

التنظيم الضعيف قد يترك الناس أمام مخاطر لا يملكون السيطرة عليها، والتنظيم السيئ قد يخنق الابتكار ويمنح المنافسين أفضلية، أما التحدي الحقيقي فهو بناء قواعد تتحرك بسرعة التقنية نفسها، وتحمي البشر من دون أن تمنعهم من الاستفادة منها.