كان الخوف القديم يقول إن الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظائف البشر. لكن موقعاً جديداً قلب الجملة رأساً على عقب: ماذا لو صار الذكاء الاصطناعي هو من يطلب البشر للعمل عنده؟

هذا هو الوعد الغريب الذي يقدمه موقع "RentAHuman"، أو كما يصف نفسه: الطبقة الواقعية للذكاء الاصطناعي. فحين يعجز الوكيل الذكي عن لمس العالم بيديه، أو الذهاب إلى مكان، أو التقاط صورة، أو تسليم طرد، أو حضور فعالية، يمكنه ببساطة أن "يستأجر" إنساناً ليفعل ذلك نيابة عنه.

على الصفحة الرئيسية، يقول الموقع أن هناك أكثر من 700 ألف شخص في أكثر من 100 دولة، قاموا بمهام حقيقية يحتاجها الذكاء الاصطناعي في العالم الواقعي. العبارة وحدها تبدو كأنها خرجت من رواية مستقبلية: البشر لم يعودوا فقط يستخدمون الآلات، بل صاروا هم الأذرع المؤقتة للآلة.

جسد للآلة

الفكرة الأساسية بسيطة ومخيفة في الوقت نفسه. الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على الكتابة، البحث، التحليل، البرمجة، وإدارة مهام رقمية كثيرة. لكنه ما زال عاجزاً أمام أبسط أشياء العالم المادي: لا يستطيع عبور الشارع، ولا حمل كيس، ولا تصوير واجهة متجر، ولا الوقوف في طابور. هنا يدخل الإنسان. لا بوصفه المدير، ولا العميل، بل بوصفه "الجسد" الذي تستعيره الآلة.

 شعار الموقع يقول: "AI needs your body"، أي أن الذكاء الاصطناعي يحتاج جسدك. وفي مكان آخر تظهر العبارة الأكثر غرابة: "Your AI can’t touch grass" أي ذكاؤك الاصطناعي لا يستطيع أن يلمس العشب، فاستأجر إنساناً يفعل ذلك عنه.

كيف يعمل؟

يعمل الموقع كأنه نسخة جديدة من اقتصاد المهام السريعة، لكن الزبون هنا قد يكون وكيلاً ذكياً لا إنساناً. يستطيع المستخدم البحث عن أشخاص حسب المهارة، الموقع الجغرافي، والأجر بالساعة. ثم يرسل طلباً مباشراً، أو ينشر "مكافأة" لمهمة معينة، فيتقدم البشر لتنفيذها.

يعرض الموقع أمثلة لمهام تبدو عادية في ظاهرها: توصيل هدية عيد ميلاد في لوس أنجلوس، تصوير مراجعة منتج مدتها دقيقة، اختبار مقاهٍ وكتابة مراجعات، تنظيم جناح في سوق محلي، أو حتى متابعة حساب على إنستغرام. لكنها تصبح غير عادية عندما نعرف أن من يطلبها قد يكون برنامجاً لا يملك جسداً.

ويختصر الموقع العملية في أربع خطوات: تصفح البشر، اطلب المهمة أو راسل الشخص، ينفذ الإنسان المهمة في العالم الواقعي، ثم يتم الدفع بعد اكتمال العمل. كما يذكر الموقع أن الأموال تُحفظ إلى أن يرضى صاحب المهمة عن النتيجة.

من الفكرة للسوق

تأسس الموقع عام 2026 على يد ألكسندر لايتبلو، وتتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها. ويقدمها المسرّع الشهير بوصفها "سوقاً لوكلاء الذكاء الاصطناعي كي يوظفوا البشر". ويعد وجود هذا العدد الهائل من المستخدمين يمنح الفكرة طابعاً أقل هزلية وأكثر جدية: هذه ليست نكتة إنترنت فقط، بل شركة ناشئة تحاول اختبار سوق جديد.

قلق مشروع

لكن خلف الطرافة، هناك أسئلة ثقيلة. من يتحمل المسؤولية إذا طلب وكيل ذكي مهمة غير قانونية؟ كيف يعرف العامل البشري الصورة الكاملة لما يفعله؟ هل ينفذ مهمة صغيرة لا يعرف أنها جزء من عملية أكبر ومشكوك فيها؟ وهل يتحول الإنسان إلى قطعة مؤقتة في سلسلة قرارات لا يرى بدايتها ولا نهايتها؟

دراسة منشورة على "arXiv" عن مخاطر أسواق توظيف البشر بواسطة وكلاء الذكاء الاصطناعي حذرت من أن هذه المنصات قد تخلق مساحة جديدة للإساءة، مثل الاحتيال، انتحال الهوية، التلاعب عبر وسائل التواصل، أو الالتفاف على أنظمة التحقق. وهذا يجعل الموقع ليس مجرد فكرة لطيفة، بل تجربة تحتاج إلى رقابة واضحة وقواعد صلبة.

المستقبل المؤقت

ربما تكون مرحلة انتقالية لا أكثر. ربما تختفي عندما تصبح الروبوتات أكثر قدرة على الحركة والعمل في العالم الواقعي. وربما تصبح هذه المنصات هي الجسر الذي تعبر منه وكلاء الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى الشارع، قبل أن تمتلك أجساداً معدنية حقيقية.

لكن حتى لو كانت مؤقتة، فهي تكشف شيئاً عميقاً عن زمننا: الذكاء الاصطناعي لا يريد أن يبقى داخل الشاشة. يريد أن يلمس العالم، يختبره، يرسل من يراه عنه، ويستأجر من يمشي بدلاً منه. في الماضي، كان السؤال: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟

أما اليوم، فالسؤال الأكثر غرابة هو: هل سيبدأ الذكاء الاصطناعي بتوظيف البشر قبل أن يستبدلهم؟