تعد إمكانات الذكاء الاصطناعي هائلة، لكن الأرباح قد لا تتحقق بالسرعة الكافية لتبرير التوقعات المرتفعة للمستثمرين. وقد يتسبب انهيار مفاجئ في الثقة بحدوث هبوط حاد في الأسواق، مع تداعيات تمتد إلى أنحاء العالم. ولمحاكاة هبوط في الأسواق، افترضت «بلومبرغ إيكونوميكس»، تراجع مؤشر «إس أند بي 500» بنسبة 20%، أي ما يعادل نحو نصف الانخفاض الذي سُجل عند انفجار فقاعة شركات الإنترنت، مع ارتفاع حالة عدم اليقين، واتساع فروق العائد الائتمانية، وتوقف مؤقت للاستثمارات في مراكز البيانات.
وعند إدخال هذه الافتراضات في أداة تحليل السيناريوهات العالمية «شوك» الصادرة عن «بيكو»، نجد أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي قد يتلقى ضربة بنحو 1.6 تريليون دولار خلال العام الأول، مع تحمل منتجي الرقائق في تايوان وكوريا الجنوبية التأثير الأكبر، كما تتكبد الولايات المتحدة خسائر كبيرة. ويُعد انفجار الفقاعات ظاهرة معقدة يصعب التنبؤ بها. لذا، ينبغي النظر إلى النتائج باعتبارها تقديرات تقريبية لسيناريو محدد، وليست توقعات دقيقة.
فمنذ إطلاق «تشات جي بي تي» في 2022، وإعادة «كلود كود» تشكيل سوق البرمجيات في 2025، وصولاً إلى طرح روبوت تنس الطاولة من «سوني» خلال العام الجاري، لم تخلُ مسيرة الذكاء الاصطناعي من لحظات فارقة أثارت الإعجاب.
وأشعلت الوتيرة السريعة لتطور التكنولوجيا خيال المستثمرين، فمنذ 2022، ارتفعت القيمة السوقية لأسهم «السبع الكبار» بتريليونات الدولارات، مع رهان المستثمرين على مستقبل استثنائي لرواد الذكاء الاصطناعي.
وقد تكون الأسواق محقة بشأن القدرة التحويلية لثورة الذكاء الاصطناعي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها محقة في تقييم قيمة «إنفيديا»، و«مايكروسوفت»، و«ميتا»، وغيرها من الشركات الرائدة في هذا المجال.
ويزخر التاريخ بأمثلة، من السكك الحديدية إلى الإنترنت، على تقنيات جديدة قوية، أشعلت موجات من المضاربات المحمومة، أعقبها ذعر وانهيارات مؤلمة قبل أن تتسع فوائدها لتشمل الاقتصاد بكامله.
وربما يكون الوضع مختلفاً هذه المرة. فقد ارتفع سعر سهم «إنفيديا» بقوة، لكن أرباحها قفزت أيضاً. وبوجه عام، تبدو تقييمات «السبع الكبار» أقل مُبالغة، مقارنة بتقييمات «الفرسان الأربعة» لفقاعة الإنترنت - «سيسكو»، و«إنتل»، و«ديل»، و«مايكروسوفت» - قبل انفجار الفقاعة في عام 2000.
ومع ذلك، يعد خطر أن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد فقاعة، أو وهماً جماعياً لعصرنا الحالي، خطراً حقيقياً. فالتقلبات الحادة في الأسواق، بما في ذلك هبوط أسهم شركات البرمجيات في فبراير، بعد تقرير متشائم من «سيتريني ريسيرش»، وارتفاع سهم شركة أحذية في أبريل، بعد إعادة تقديم نفسها كشركة لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، تُشير إلى أن المستثمرين يفتقرون إلى قناعة راسخة، ويتبعون سلوك القطيع.
ورغم خطط إنفاق بمئات المليارات من الدولارات من قبل الشركات العملاقة في الذكاء الاصطناعي، فإن الاستثمارات المتبادلة بين اللاعبين الرئيسين لم تُظهر حتى الآن أدلة كافية على تحقيق مكاسب إنتاجية واسعة النطاق على مستوى الاقتصاد. كما يزيد ضعف وضوح الرؤية بشأن الأرباح المستقبلية من حالة القلق.
فإذا انفجرت الفقاعة بالفعل، فسيكون المُساهمون والدائنون والأعداد المتزايدة من العاملين في تطوير نماذج اللغة الكبيرة وتصنيع الرقائق وبناء مراكز البيانات، أول المتضررين. لكن التداعيات لن تتوقف عند هذا الحد.
وستبدأ الأزمة بانهيار الثقة، وتراجع الأسهم الأمريكية. وتفترض «بلومبرغ إيكونوميكس» هبوط مؤشر «إس أند بي 500» بنسبة 20 %. وسترتفع حالة عدم اليقين، ما يضغط على التوظيف والإنفاق. كما ستتسع فروق العائد الائتمانية مع تسعير المقرضين لمخاطر أعلى، تتعلق بقدرة شركات الذكاء الاصطناعي على سداد الديون. وستتراجع النفقات الرأسمالية في القطاع، مع توقف بناء مراكز البيانات، ما يخفض الإنفاق الاستثماري الأمريكي بنسبة 3 %، ويقلص الواردات الأمريكية من تايوان وكوريا الجنوبية.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن التأثير المشترك لهبوط الأسواق وانهيار الإنفاق الرأسمالي، سيدفع الاقتصاد إلى حافة الركود. وإذا وقع الانهيار في بداية العام المقبل، فإن النموذج يُظهر تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2027 بمقدار 1.5 نقطة مئوية، مقارنة بتوقع أساسي يبلغ نحو 2 %، مع انكماش الاقتصاد خلال ربعين متتاليين.
وفي تايوان وكوريا الجنوبية، ساهم الطلب على أشباه الموصلات من «تي إس إم سي»، و«سامسونغ إلكترونيكس»، و«إس كيه هاينكس»، في تعزيز النمو. لكن انهيار الثقة قد يُضعف الطلب بشدة. ويُظهر نموذجنا تراجعاً في الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنحو 4 % في تايوان، وأكثر من 2 % في كوريا الجنوبية.
أما الصين وأوروبا، وهما أقل استفادة من صعود ثورة الذكاء الاصطناعي، وأقل تعرضاً للمخاطر إذا توقفت مؤقتاً، فستتعرضان أيضاً لضربة أقل حجماً، لكنها ملموسة مع تراجع إنفاق المستهلكين الأمريكيين وتدهور المعنويات. وعلى مستوى العالم، تبلغ الكلفة خلال العام الأول نحو 1.3 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو 1.6 تريليون دولار، وهو ما يفوق إجمالي الناتج السنوي لسويسرا.
ويُتوقع أن تضخ الشركات العملاقة في مجال الحوسبة السحابية مئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات ومشروعات رأسمالية أخرى خلال العام الجاري. ولتحقيق عوائد كافية تبرر هذه الاستثمارات، سيتعين اعتماد الذكاء الاصطناعي بسرعة، كما سيتعين أن تتمتع شركاته بقدرة قوية على التسعير. وكلا الأمرين ممكن، لكن أياً منهما ليس مضموناً.
ولا تزال معظم الشركات في مرحلة التجارب أو التشغيل التجريبي. ويعود ذلك إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي ليس عملية بسيطة وسريعة. ففي الواقع، يشبه الأمر تحديثاً شاملاً للبرمجيات المؤسسية، ويتطلب دورات تمتد لسنوات، تشمل إدارة التغيير، ودمج الأنظمة القديمة، وإعادة تصميم الهياكل التنظيمية.
أما الشركات التي تسارع في تبنّي التكنولوجيا، فالأدلة المتعلقة بتأثيرها لا تزال متباينة. فقد وجدت دراسة أجراها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية»، وشملت نحو 6 آلاف مسؤول تنفيذي، أن تسعة من كل عشرة أفادوا بعدم وجود أثر ملموس للذكاء الاصطناعي في الإنتاجية خلال السنوات الثلاث الماضية.
وعادة ما تحتاج التقنيات الجديدة إلى سنوات، وأحياناً إلى عقود، قبل أن تحقق مكاسب إنتاجية قابلة للقياس. لكن الأسواق تبدو وكأنها تسعّر نجاح الذكاء الاصطناعي ضمن إطار زمني أقصر بكثير.
كما أن الأسعار التي تتقاضاها النماذج لإنجاز المهام المعقدة — مثل المسائل العلمية بمستوى الدكتوراه — تنخفض بسرعة، ما يشير إلى احتدام المنافسة. وفي الوقت نفسه، لم تعد النماذج مفتوحة المصدر تتأخر عن النماذج الخاصة عن حدود التكنولوجيا المتقدمة سوى بضعة أشهر، ما يقلص الميزة التسعيرية التي تتمتع بها الشركات المطورة للمنتجات الجديدة.
ويراهن المستثمرون على إمكانية تجاوز هذه التحديات، لكن إذا كانوا مخطئين، فستكون أولى قنوات التأثير هبوطاً حاداً في الأسهم الأمريكية. ويؤدي الأثر السلبي لتراجع الثروة، مع تبخر تريليونات الدولارات من المحافظ الاستثمارية، إلى إضعاف الاستهلاك، إذ تنفق الأسر التي تشعر بأنها أصبحت أقل ثراءً أموالاً أقل. كما تقلص الشركات التوظيف، وترتفع البطالة، ويتوقف الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يفضي إلى تراجع كبير في إجمالي الاستثمارات.
ومع تباطؤ النمو وتراجع التضخم وتشديد الأوضاع المالية، يشير النموذج إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يخفض أسعار الفائدة ثلاث أو أربع مرات، ولن يكون البنك المركزي الوحيد الذي يتجه نحو التحفيز. ومع ذلك، فإن حجم وطبيعة الصدمة يبدوان أقرب إلى ما حدث في عام 2000، منهما إلى أزمة 2008، إذ سيواجه النظام المالي ضغوطاً ناجمة عن زيادة حالات التعثر، وليس أزمة متسلسلة واسعة النطاق.
أما بالنسبة إلى بقية العالم، فإن انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي سيؤثر عبر قنوات متعددة، تشمل انهيار الطلب على أشباه الموصلات، وضعف إنفاق المستهلكين الأمريكيين، وتدهور معنويات الأسواق العالمية. وتبقى تايوان وكوريا الجنوبية الأكثر عرضة لهذه المخاطر.
وقد بنت تايوان منظومة متكاملة للبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، تشمل تصميم الرقائق وتصنيعها وتغليفها، إضافة إلى إنتاج الخوادم. وتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 9 % العام الماضي، مع مساهمة كبيرة من «تايوان سيميكونداكتور مانوفاكتشرينغ»، إذ تعتمد اقتصادات قليلة بهذا القدر على تقنية واحدة أو شركة واحدة.
أما كوريا الجنوبية، فتتمتع بقاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً، تشمل البتروكيماويات، وبناء السفن، والدفاع. ومع ذلك، لم ينمُ اقتصادها إلا بنسبة 1 % العام الماضي، فيما ساهم الطلب على أشباه الموصلات من «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» بنحو نصف هذا النمو. وبالنسبة إلى النمرين الآسيويين، فإن أي تراجع مؤقت في الحماس للذكاء الاصطناعي، سيشكل ضربة كبيرة للنمو.
وقد يحقق الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف العالم الأفضل الذي يعد به المتفائلون بالتكنولوجيا. لكن دروس التاريخ تشير إلى أن الانتقال من الاختراق العلمي إلى جني الأرباح، يستغرق غالباً وقتاً أطول مما يتوقعه المستثمرون المتحمسون. ويخشى المتشائمون من التكنولوجيا، أن يكون الذكاء الاصطناعي قاتلاً للوظائف. وإذا انفجرت الفقاعة، فقد يتحقق ذلك بالفعل، ولكن ليس للأسباب التي يتوقعونها.