فجّر تقرير صحفي لـ «بن كوست» نُشر في صحيفة نيويورك بوست، مستنداً إلى وثائق داخلية مسربة حصلت عليها منصة 404 Media المعنية بمراقبة التكنولوجيا، مفاجأة مدوية من العيار الثقيل. كشفت التسريبات عن خطة داخلية سرية لشركة مايكروسوفت تهدف صراحةً إلى جعل المستخدمين «مدمنين» على مساعد رقمي جديد يعمل بالذكاء الاصطناعي ويُدعى «سكاوت»، وهو ما أثار موجة عارمة من القلق والتشكيك حتى بين موظفي عملاق التكنولوجيا أنفسهم.
تعود تفاصيل الأزمة إلى وثيقة داخلية سرية للغاية تحمل عنوان «ClawPilot: نظرة عامة وخطة مع مشروع» (مشروع جراد البحر). ووفقاً للتسريبات، فإن الأداة الجاري تطويرها كانت تُعرف سابقاً في أروقة الشركة باسم ClawPilot، وهي عبارة عن مساعد ذكاء اصطناعي داخلي مخصص للموظفين، ومبني كنسخة أكثر سلاسة وسهولة في الاستخدام من أداة OpenClaw AI الشهيرة. تهدف مايكروسوفت من خلال هذا المشروع إلى دمج هذا الوكيل الرقمي الجديد كلياً ضمن حزمة برمجياتها المكتبية واسعة الانتشار Microsoft 365. وما أثار الصدمة والريبة يكن من التكنولوجيا المتقدمة بحد ذاتها، بل «اللغة الفجّة» المستعملة في صياغة استراتيجية التسويق والاعتماد. فقد حددت المذكرة المسربة خطة عمل واضحة تهدف لتعظيم تأثير هذا المساعد عبر ثلاث مراحل أساسية، حيث نُصّ في المرحلة الأولى وبشكل صريح على عبارة: «جعل الناس مدمنين».
وجاء في نص الوثيقة الموجه للمطورين: «استمروا في تقديم تجربة ClawPilot المستقلة. ركزوا على تجربة المستخدم، ووسّعوا قاعدة المستخدمين، وابنوا منظومة المهارات والأدوات التي تجعل الناس يعتمدون عليها يومياً. هذا يحدث بالفعل بشكل طبيعي».
وتكشف المؤشرات المذكورة في التقرير أن البرنامج - ورغم عدم الإعلان عنه رسمياً أو البدء في حملات تسويق عامة له - يحظى بشعبية جارفة وتجريب مكثف داخل الشركة؛ إذ يدمجه حالياً أكثر من 1000 موظف في عملهم اليومي، وعلى رأسهم الرئيس التنفيذي للشركة ساتيا ناديلا. وتتمحور المرحلتان الثانية والثالثة من الخطة حول ربط المساعد «سكاوت» بأدوات ذكاء اصطناعي أخرى وتزويده بميزات إضافية تضمن رفع «جرعة الاعتماد الرقمي» والاعتمادية اليومية، مستهدفة بشكل خاص الفئات المهنية غير التقنية مثل الموظفين في قطاعات التمويل، القانون، والموارد البشرية.
لم تمر هذه العبارات الصادمة مرور الكرام داخل بيئة العمل في مايكروسوفت، إذ قوبلت هذه الاستراتيجية المكتوبة بنوع من القلق والاستهجان من قِبل بعض الموظفين الذين تساءلوا عن الأخلاقيات المهنية لصناعة التكنولوجيا. وفي مقابلة مجهولة المصدر مع منصة 404 Media، عبر أحد الموظفين عن صدمته قائلاً: «نشهد تزايداً ملحوظاً في حالات الإدمان على برامج الدردشة الآلية والوكلاء الذين يعملون بالذكاء الاصطناعي. وبرأيي، لا ينبغي لأي منتج أن يُدرج الإدمان ضمن استراتيجية تطويره المكتوبة. يبدو الأمر وكأنه كشفٌ لما كان يُفترض أن يظل سراً في الخفاء، وهو ما يقال الآن صراحة في الوثائق الرسمية للشركة».
في المقابل، عكس التقرير وجهاً آخر للنقاش الداخلي اتسم بالواقعية الساخرة أو ربما بالاستسلام لآليات السوق التنافسية، إذ رأى بعض الموظفين والخبراء أن ردود الفعل الغاضبة مبالغ فيها، معتبرين أن الهدف النهائي والجوهري لجميع البرامج والتطبيقات التي تنتجها شركات التكنولوجيا الكبرى هو أن تكون مسببة للإدمان لضمان أعلى معدلات بقاء للمستخدمين، وعلق أحد المطورين متهكماً: «لحسن حظنا، فإن مايكروسوفت سيئة للغاية في صنع منتجات تسبب الإدمان مقارنة ببعض الشركات الكبرى الأخرى»، في إشارة واضحة لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وميتا.