لم يعد التهديد السيبراني اليوم محصوراً في شفرات كتبها مبرمجون في غرف مظلمة، بل انتقل إلى مستوى "الوعي الآلي"؛ حيث أثبت باحثون من جامعة تورنتو أن المارد التقني قد خرج بالفعل من قمقمه.

إننا أمام واقع تقني مرعب، فبينما تُقدر الخسائر العالمية الناتجة عن الجرائم السيبرانية بنحو 10 تريليون دولار سنوياً ، وتتراوح تكلفة الحصول على "ثغرة أمنية" (Zero-Day) في السوق الموازي بين مليون و2.5 مليون دولار، تحولت "الديدان الذكية" إلى أداة استثمارية تدميرية يتداولها المخترقون في منتديات مغلقة بمبالغ تبدأ من 5,000 دولار لنماذج الذكاء الاصطناعي المعدلة للهجوم.

هذه الفيروسات ليست مجرد برمجيات تقليدية، بل "ديدان ذكية" قادرة على التفكير والانتشار وتصميم استراتيجيات هجومية فريدة لكل جهاز تصادفه، مما يضع أمن الشبكات العالمية أمام تحدٍ وجودي يغير قواعد اللعبة السيبرانية إلى الأبد.

ثورة الفيروسات الذكية

أحدث فريق بحثي بقيادة الدكتور نيكولاس بابرنوت، أستاذ هندسة الحاسوب في جامعة تورنتو، ضجة في الأوساط التقنية بعد إثباتهم عملياً إمكانية بناء برنامج تجسس "دودة إلكترونية" يعتمد على الذكاء الاصطناعي. هذا البرنامج لا يحتاج إلى أي تدخل بشري للانتشار، حيث تمكن الباحثون من تطوير نموذج أولي انتشر بنجاح عبر شبكة اختبار معزولة.

ولتجنب وقوع هذا السلاح في أيدي المتسللين، قام الفريق بحذف التفاصيل التقنية الدقيقة لكيفية البناء من ورقتهم البحثية التي نُشرت الثلاثاء الماضي، مكتفين بقرع ناقوس الخطر حول بداية حقبة جديدة من الاختراقات التي يصعب التنبؤ بها أو التصدي لها.

تتسابق الشركات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي لاحتواء هذه المخاطر؛ ففي أبريل  الماضي، كشفت شركة "أنثروبيك" عن تقنيتها المتطورة "كلود ميثوس"، لكنها قررت حجبها عن الجمهور خوفاً من استغلالها من قبل المخترقين لتسريع عمليات اختراق الثغرات، وقصرت استخدامها على حوالي 40 مؤسسة تُعنى بصيانة البنية التحتية الحاسوبية الحيوية، وأعلنت لاحقاً أنها ستشارك تقنيتها مع 150 منظمة إضافية لتعزيز الدفاع السيبراني.

وفي المقابل، اتبعت "أوبن إيه آي" نهجاً مشابهاً عبر تقييد نشر تقنياتها المماثلة، حيث اقتصرت مشاركتها في البداية على مئات المؤسسات قبل أن توسع نطاق إطلاقها ليشمل آلاف الشركاء في الأسابيع اللاحقة.

دروس التاريخ الرقمي

تُشير الوقائع التاريخية إلى حجم الخطر الذي تمثله هذه البرامج ذاتية التكاثر؛ حيث استغلت ديدان شهيرة ثغرات أمنية للسيطرة على ملايين الأجهزة وسرقة البيانات، بدأت مع دودة "سيكول سلامر" عام 2003، ثم دودة "ستاكسنت" عام 2005، و"كونفيكر" عام 2008، وصولاً إلى فيروس "وانا كراي" عام 2017 الذي أصاب أكثر من 300 ألف جهاز في 150 دولة، واحتجز بياناتها رهينةً مقابل فدية.

وتوضح هذه السلسلة كيف أن التهديد يتطور باستمرار، من استغلال ثغرات ثابتة إلى استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي في ابتكار طرق هجوم متغيرة لا تتوقف.

تكمن المعضلة الحقيقية التي تطرحها ورقة جامعة تورنتو في طبيعة "المصادر المفتوحة"، فعندما تُتاح تقنيات الذكاء الاصطناعي القوية مجاناً، تصبح السيطرة على طرق استخدامها ضرباً من المستحيل.

يصف الدكتور نيكولاس بابرنوت، أستاذ هندسة الحاسوب في جامعة تورنتو، الأمر بوضوح، مشيراً إلى أن الدفاع ضد هذه التهديدات يتطلب نظاماً آمناً تماماً، وهو أمر غير ممكن حالياً.

وإذا تجاوزنا البحث الأكاديمي إلى واقع السوق السوداء، نجد أن تكلفة خرق البيانات الواحد للشركات تُقدر بنحو 4.8 مليون دولار في عام 2026، مما يفاقم من خطورة هذه البرمجيات التي تكيّف نفسها ذاتياً لتناسب البيئة البرمجية للجهاز المستهدف فور اختراقه.

على الرغم من التحذيرات، يرى بعض الخبراء أن التهديد قد يواجه عقبات تقنية، إذ إن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال عرضة للأخطاء وغير متوقعة، مما قد يؤدي إلى تعطيلها ذاتياً قبل تحقيق أهدافها.

ومع ذلك، يظل السباق محموماً؛ حيث يرى الدكتور ديفيد لي أن الحل يكمن في "الدفاع المضاد"؛ أي استخدام نفس تقنيات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الثغرات الأمنية ومعالجتها قبل أن يجدها المتسللون.