لسنوات طويلة، كانت مقابلات التوظيف في هندسة البرمجيات تعتمد على معادلة واضحة: الجلوس أمام المرشح، مطالبته بحل مشكلة برمجية، ثم تقيّيم قدرته على كتابة الكود تحت الضغط، لكن هذه المعادلة بدأت تتصدع بسرعة، فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على كتابة الشيفرات البرمجية وتصحيحها وتحليلها خلال ثوانٍ، بدأت شركات التقنية تطرح سؤالاً غير مسبوق: كيف يمكن تقييم مهندس برمجيات في وقت أصبحت فيه الآلة تشاركه جزءاً كبيراً من عمله؟
وبحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن إن"، يرى مسؤولون وخبراء توظيف أن عملية المقابلات التقنية التقليدية لم تعد تعكس طبيعة العمل الفعلية داخل القطاع كما كانت في السابق.
وظيفة جديدة
المشكلة لا تتعلق فقط باستخدام الذكاء الاصطناعي أثناء المقابلات، بل بتغير طبيعة الوظيفة نفسها، فالمبرمج لم يعد يقضي ساعات طويلة في كتابة كل سطر من الصفر كما كان في السابق ، إذ اصبحت فرق التطوير تستخدم اليوم أدوات ذكاء اصطناعي تساعدها على إنشاء الشيفرات، واكتشاف الأخطاء، وتحسين الأداء، واقتراح الحلول التقنية، وهذا يعني أن المهارة المطلوبة بدأت تتحول تدريجياً من "كتابة الكود" إلى "إدارة الكود" ومراجعته وفهمه والتأكد من جودته.
مقابلات مختلفة
دفع هذا التحول بعض الشركات إلى إعادة التفكير في طريقة التوظيف بالكامل، فشركة غوغل بدأت اختبار نموذج جديد يسمح لبعض المرشحين باستخدام مساعد الذكاء الاصطناعي "جيميني" خلال أجزاء محددة من المقابلات التقنية، والهدف ليس تسهيل المهمة، بل جعل المقابلة أقرب إلى بيئة العمل الحقيقية التي يستخدم فيها المهندسون أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل يومي، فإذا كانت الشركات تسمح للموظف باستخدام الذكاء الاصطناعي بعد توظيفه، فلماذا تمنعه أثناء تقييمه؟
مشكلة الثقة
لكن في المقابل، ظهرت مشكلة جديدة تماماً، فالشركات لا تريد فقط معرفة ما إذا كان المرشح قادراً على استخدام الذكاء الاصطناعي، بل تريد التأكد من أنه يفهم ما ينتجه الذكاء الاصطناعي أيضاًـ ولهذا بدأت بعض المؤسسات تلاحظ أن عدداً من المرشحين يقدمون إجابات مثالية لغوياً وتقنياً، لكنهم يعجزون عن شرح المنطق الكامن خلفها أو الدفاع عنها عند التعمق في النقاش. وهنا أصبح التحدي الحقيقي ليس معرفة من يستطيع إنتاج الإجابة، بل معرفة من يفهمها فعلاً.
جيل جديد
الأمر يزداد تعقيداً مع دخول جيل جديد إلى سوق العمل، فهؤلاء الطلاب والمهندسون الجدد بدأوا دراستهم الجامعية في زمن "تشات جي بي تي" و"كوبايلوت" وأدوات البرمجة الذكية. بالنسبة لهم، لا يبدو استخدام الذكاء الاصطناعي استثناءً أو اختصاراً، بل جزءاً طبيعياً من عملية التعلم والعمل، ولهذا بدأت الفجوة تتسع بين جيل تعلّم البرمجة قبل الذكاء الاصطناعي، وجيل لم يعرف البرمجة.
مهارة مطلوبة
اللافت أن كثيراً من الشركات لم تعد تنظر إلى مهارات الذكاء الاصطناعي كإضافة اختيارية، فوفقاً لبيانات استشهد بها التقرير، فإن 66% من قادة الأعمال يفضلون توظيف أشخاص يمتلكون مهارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فيما أصبحت معرفة كيفية العمل مع هذه الأدوات جزءاً متزايد الأهمية من متطلبات الوظائف التقنية، وبعبارة أخرى، فإن عدم معرفة الذكاء الاصطناعي قد يصبح مشكلة مهنية، تماماً كما كان عدم معرفة الإنترنت قبل عقود.
ما بعد البرمجة
كل ذلك لا يعني أن مهندسي البرمجيات في طريقهم إلى الاختفاء، لكنه يعني أن تعريف المهندس نفسه يتغير، فالشركات لم تعد تبحث فقط عن شخص يستطيع كتابة الشيفرة، لأن الأدوات أصبحت قادرة على ذلك أيضاً. ما تبحث عنه أكثر هو القدرة على التفكير النقدي، وفهم المشكلات المعقدة، وتقييم الحلول، واتخاذ القرارات الصحيحة عندما تخطئ الآلة،
ولهذا لم يعد السؤال الذي يواجه المرشحين اليوم: هل تستطيع كتابة الكود؟
بل سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا تستطيع أن تفعل عندما يكتب الذكاء الاصطناعي الكود بدلاً منك؟