في عام 1975، أصدر مهندس البرمجيات الأمريكي "فريد بروكس" كتاباً إدارياً فجّر فيه حقيقة صادمة حول الطبيعة المعقدة لتوسيع الشركات التكنولوجية، وأطلق عليه اسم "أسطورة رجل الشهر". حمل الكتاب بين طياته رؤية بسيطة ومربكة في آن واحد: "زيادة عدد الموظفين لا تعني أبداً زيادة سرعة الإنتاج".

بتبسيط شديد، فإن مضاعفة إنتاج فريق برمجيات تختلف تماماً عن زيادة إنتاج العمال في مصنع للمعدات؛ فإضافة عشرة عمال في المصنع تمنحك عشر معدات إضافية فوراً، لكن ضخ عشرة أضعاف رأس المال وتوظيف عشرة أضعاف المبرمجين لن يمنحك قط عشرة أضعاف الأسطر البرمجية.

كان بروكس يتحدث من واقع تجربة مريرة؛ فخلال عمله على مشروع نظام تشغيل الكمبيوتر الرئيسي "360" في شركة "آي بي إم"، راقب كيف تنهك المؤسسات البرمجية وتنهار تحت وطأة تعقيداتها الداخلية. فكل موظف جديد يرفع تكاليف التواصل بين أفراد الفريق بشكل أسّي؛ إذ يحتاج القادمون الجدد إلى تدريب مكثف، وفترة تأهيل تجعل إنتاجيتهم بطيئة في البداية، بينما يضطر الموظفون القدامى لإيقاف مهامهم لتدريبهم، وهي ضربة مزدوجة تعمق الأزمة مع كل تعيين جديد.

وعلى مدى 50 عاماً، ظل هذا القانون اللعنة التي لم يجد أحد مفراً منها. ووفقاً لبيانات منصة تتبع أسواق رأس المال الأمريكية "بِيتش بوك"، فإنه حتى في ذروة الانتعاش المالي عام 2021، من بين 66 شركة "يونيكورن" (وهي الشركات الناشئة التي تتجاوز قيمتها مليار دولار) كانت غارقة في السيولة النقديّة، هناك 30 شركة منها لم تستطع جمع أي تمويل جديد لاحقاً، بينما اضطرت 11 شركة أخرى للقبول بتقييمات منخفضة لخسارة قيمتها السوقية. وتظل هذه الإحصائية الرسمية دليلاً دامغاً على أن الإنتاجية لا يمكن شراؤها ببساطة عبر حشد المزيد من المهندسين.

لكن بحلول عام 2022، تغير كل شيء بشكل مفاجئ.

إبطال "قانون بروكس" بالأرقام

منذ عام 2023، بدأت حزمة جديدة من القوانين تحكم آلية ضخ رؤوس الأموال، قاضية تماماً على مفهوم "أسطورة رجل الشهر" وجاعلة إياه إرثاً من الماضي. ويتجلى ذلك بوضوح عند النظر إلى الشركات التي تضخ استثمارات ضخمة في نماذج الذكاء الاصطناعي، وتحصد عوائد فورية ومباشرة في كفاءة البحوث وقدرات النماذج.

وتكشف البيانات التحليلية الصادرة عن مؤسسة "سيكويا كابيتال" للاستثمار المغامر في وادي السليكون، أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى تحقق اليوم معدل إيرادات لكل موظف بدوام كامل يعادل ثلاثة أضعاف (300%) ما تحققه شركات البرمجيات والتكنولوجيا التقليدية.

السبب وراء ذلك يتجاوز مجرد كفاءة الأدوات أو سلاسة سير العمل؛ فالذكاء الاصطناعي الحديث تطور ليعتمد على الحوسبة العملاقة بدلاً من الهندسة البشرية المعقدة، مما يعني اختفاء مشكلة التنسيق والاتصال الناتجة عن تضخم الفرق. وهو ما صاغه عالم الحاسوب "ريتش سوتون" بدقة في مقالته الشهيرة عام 2019 المعنونة بـ "الدرس المرير"، حيث جادل بأن الخوارزميات البسيطة التي تدعمها أجهزة كمبيوتر خارقة تتفوق دائماً على الخوارزميات الذكية القائمة على المعرفة البشرية المتخصصة.

عندما كُتبت تلك المقالة، لم يكن هناك وجود لبرنامج "تشات جي بي تي"، ولا جولات تدريبية بمئات الملايين من الدولارات لتطوير النماذج، لكن الصعود الصاروخي للذكاء الاصطناعي التوليدي أثبت صحة تلك الأرقام بشكل أكثر دراماتيكية مما توقعه الجميع.

لغة الأرقام المليارية الجديدة

إن ملاحظة بروكس التاريخية تنطبق بدقة على بناء البرمجيات التقليدية، لكن تطوير الذكاء الاصطناعي أثبت أنه لعبة مختلفة تماماً؛ فبدلاً من الحاجة إلى فرق هائلة موزعة على أنظمة فرعية متعددة تتطلب تنسيقاً معقداً، يُطوَّر الذكاء الاصطناعي بواسطة فرق صغيرة ترتفع جودة مخرجاتها طردياً مع حجم البيانات وقوة الحوسبة الموجهة إليها.

النتيجة هي واقع جديد كان بروكس ليعتبره ضرباً من الخيال: يمكن أخيراً نشر رؤوس الأموال بسرعة فائقة، لتصبح العلاقة بين الاستثمار والمخرجات مباشرة تماماً. بعبارة أخرى: يمكنك الآن إلقاء الأموال على هندسة البرمجيات للحصول على إنتاج أعلى، بشرط أن تكون بصدد بناء نماذج ذكاء اصطناعي تتولى إنجاز المهام التي كنا نستخدم البرمجيات التقليدية لأجلها.

هذا التحول يتجسد بوضوح في التقارير المالية الدورية التي رصدتها منصة "ذا إنفورميشن" الاقتصادية المتخصصة في أسواق التكنولوجيا؛ حيث جازفت شركات ناشئة شهيرة مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"كيرسور" بجمع تمويلات تاريخية مستعينة بفرق عمل متناهية الصغر، لتكسر القواعد وتتحول من إيرادات لا تتعدى بضعة ملايين إلى أرباح مليارية طائلة في أقل من سنتين فقط، وهو معدل نمو إعجازي غير مسبوق في تاريخ وادي السليكون.

كما تغيرت شروط اللعبة؛ فلزمن طويل، كان الرد على معضلة "رجل الشهر" يكمن في القيادة الأفضل والثقافة المؤسسية القوية؛ حيث تتفوق الفرق حسنة الإدارة على منافسيها بالسرعة والكفاءة بنفس حجم رأس المال. لكن مؤخراً، نقل الذكاء الاصطناعي عنق الزجاجة من "إدارة البشر" إلى "قوة الحوسبة"، وأصبحت إدارة الفرق الضخمة أقل أهمية مما كانت عليه.

ما بعد "رجل الشهر"

ستكون تداعيات هذا التحول عميقة للغاية؛ إذ ستتدفق العوائد الضخمة لصالح أولئك القادرين على نشر رؤوس الأموال بسرعة وكفاءة، وليس فقط لمن يملكون أكبر قدر من فهم المستهلك أو الإدارة القيادية الفذة. وبالنسبة للمستثمرين والعملاء، يفتح هذا الباب أمام فرص غير محدودة لبناء شركات تشكل معالم الجيل القادم دون الاصطدام بحدود التوسع التقليدية.

إن وتيرة التغيير في صناعة البرمجيات وكل ما تتصل به ستستمر في التسارع، وتتسع معها رقعة القطاعات التي يمكن للتكنولوجيا اختراقها. فقبل الذكاء الاصطناعي، كانت الهندسة مقيدة بإنتاجية متناقصة كلما أضفنا مبرمجين جدد للمشروع، أما اليوم، فقد وجد العالم مخرجاً من هذا المأزق.

لقد حدد بروكس بدقة الفخ الذي قضى قطاع البرمجيات أكثر من خمسين عاماً في محاولة الالتفاف حوله، وظن الجميع أن أسطورة "رجل الشهر" عقبة لا يمكن تذليلها، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، تبين أن "رجل الشهر" قد قُتل بالفعل، وأن كلمة الفصل باتت لميزانية حوسبة ضخمة، يديرها فريق صغير وذكي يعرف متى وكيف يستخدمها.