في تحرك دولي يعكس حجم القلق المتنامي من توغل التكنولوجيا في النسيج الاجتماعي والصحي تستعد فرنسا لتدشين مرحلة تاريخية في التعاطي مع الفضاء الرقمي، حيث أعلنت عن حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، بدءاً من سبتمبر المقبل. هذا القرار، الذي يأتي ثمرة لتشريعات حظيت بموافقة الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ يضع فرنسا في طليعة الدول الأوروبية، التي تتخذ خطوات راديكالية لحماية القاصرين، والثانية عالمياً بعد أستراليا التي فعلت نظاماً مماثلاً في ديسمبر 2025.

وتقود هذا الحراك الدبلوماسي والتشريعي كلارا شاباز، سفيرة فرنسا للشؤون الرقمية والذكاء الاصطناعي، التي كلفت من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون ببناء توافق دولي حول مخاطر المنصات الرقمية. وتؤكد شاباز أن حماية القاصرين أصبحت نقطة التقاء نادرة في عالم تمزقه الصراعات الجيوسياسية، مشبهة القوانين الحالية بتلك التي نظمت بها صناعات التبغ والكحول في العقود الماضية.

لم يعد الحديث عن مخاطر الشاشات مجرد نصائح تربوية، بل تحول إلى قضية «صحة عامة» بامتياز. تصف شاباز الوضع الراهن بـ«أزمة صحية واجتماعية تغذيها اقتصاد الإدمان»، حيث تؤثر الخوارزميات المصممة لجذب الانتباه سلباً على الصحة النفسية للأطفال. وتكشف السفيرة عن ظواهر مقلقة، مثل تزايد أعداد الأطفال الذين يظهرون علامات تأخر في الكلام لدرجة ظن ذويهم أنهم يعانون من الصمم، بينما الحقيقة تكمن في نموهم أمام الشاشات دون تفاعل بشري حقيقي، ما يعيق تطورهم المعرفي.

إلى جانب الكلفة الإنسانية تبرز الكلفة الاقتصادية أحد الدوافع الرئيسية لهذه الصرامة التشريعية. وتشير التقديرات إلى أن التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الأجيال القادمة قد تخفض الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا بنسبة تتراوح بين 2 % إلى 3 % بحلول عام 2060، وقد استند القانون الفرنسي الجديد إلى تقرير أعدته لجنة من العلماء بتكليف من الرئيس ماكرون، ما يمنح هذه الخطوة شرعية علمية تتجاوز مجرد الرغبة السياسية، وقد تم اختيار سن 15 عاماً كونه «سن الرشد الرقمي» لكونه يمثل مرحلة حاسمة في النمو المراهق، وبداية سن الموافقة على معالجة البيانات الشخصية.

تنتقد شاباز ما تصفه بـ«نفاق المنصات الرقمية»، التي تكتفي بسؤال المستخدم عن تاريخ ميلاده دون آليات تحقق فعلية، وتهدف التشريعات الجديدة إلى إجبار هذه الشركات على تطبيق أنظمة صارمة للتحقق من العمر. وتستند فرنسا في تفاؤلها إلى نتائج ملموسة؛ حيث أدى تطبيق نظام التحقق من العمر على المواقع الإباحية خلال العام الماضي إلى خفض زيارات القاصرين لتلك المواقع بنسبة 50 %.

وعلى الصعيد القانوني تصف شاباز الأحكام القضائية الأخيرة في الولايات المتحدة ضد شركتي «ميتا» و«جوجل» بأنها «قرارات تاريخية»، فلأول مرة تقر المحاكم الأمريكية صراحة بمسؤولية المنصات عن الترويج للإدمان عبر خوارزمياتها، وهو ما يضع إطاراً قانونياً دولياً لمحاسبتها. وتؤكد السفيرة أن هذه الشركات لم يعد أمامها خيار سوى احترام القانون أو مواجهة غرامات باهظة، مشيرة إلى تضاعف التحقيقات ضد تطبيقات مثل «سناب شات» و«تيك توك» في أوروبا.

لا تكتفي فرنسا بالعمل الداخلي، بل تقود «حركة عالمية»، انضمت إليها دول مثل إسبانيا واليونان والدنمارك لتعزيز القوانين الدولية. وتستثمر فرنسا رئاستها لمجموعة السبع لدفع هذا الملف نحو إجماع عبر الأطلسي، وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي تتبنى شاباز رؤية متوازنة؛ فهي لا تدعو للحظر الكلي لكونه أداة تعليمية قوية، خصوصاً للعائلات التي لا تملك موارد للدروس الخصوصية، لكنها تشترط على الشركات إدراك التأثيرات النفسية لأدواتها وتطبيق إجراءات حماية استباقية.

وتتوسع هذه الإجراءات لتشمل المدارس، حيث أثبتت التجارب الأولية لحظر الهواتف داخل الفصول الدراسية نتائج إيجابية ملموسة على تركيز الطلاب وأداء المعلمين. وتختتم شاباز رؤيتها بالدعوة إلى ثقافة «الامتناع الرقمي» الدوري، مستشهدة بتجربة شخصية قضتها في الجمعية الوطنية دون هاتف، حيث اكتشفت أن الجميع منشغل بشاشته، بينما يغيب الاستماع الفعلي. إن الهدف النهائي، كما تراه الدبلوماسية الفرنسية، هو استعادة القدرة على العيش والتواصل الإنساني بعيداً عن هيمنة الشاشات، في خطوة ستعتبر بعد سنوات «بدهية».