لهذا تصف اليونسكو اللحظة الحالية بأنها انتقال من تقييم الحفظ والمخرجات الشكلية إلى تقييم التفكير الأعلى، والإبداع، والحكم الأخلاقي، وتذهب إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يربك أدوات التقييم فقط، بل كشف أن كثيراً من أدوات القياس القديمة لم تعد مناسبة أصلاً لعصر جديد من التعلم.
أظهر تقرير (HEPI) البريطاني أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يصنع أزمة التقييم من الصفر، بل كشف اختلالاً قديماً بين ما تريد المؤسسات التعليمية قياسه، وما تقيسه فعلاً.
وتشير مراجعة علمية منشورة في مجلة (AI and Ethics) إلى أن المؤسسات أصبحت أقل قدرة على التمييز بين الفهم الأصيل والعمل المنتج بمساعدة الذكاء الاصطناعي مثل الاختبارات التقليدية، مثل المقالات النمطية والواجبات القياسية وحتى المشاريع، ما يفرض انتقالاً إلى تقييمات تُبرز التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والمسؤولية الأخلاقية.
ولهذا تتجه الأدبيات التربوية الحديثة إلى ما يسمى التقييم الأصيل، أي التقييم الذي يطلب من الطالب أن يطبق المعرفة في سياق حقيقي، وأن يبرر قراراته، ويشرح مساره، لا أن يقدّم “منتجاً نهائياً” فقط.
وتصف المراجعة المنهجية المنشورة في (AI and Ethics) هذا الاتجاه بأنه انتقال نحو مهام مرتبطة بسوق العمل، وتعلم قائم على المشاريع، والتقييم بالكفاءات، والتقييم التجريبي، لأنها تقلل فرص سوء استخدام الذكاء الاصطناعي وتزيد صدقية ما يتم قياسه.
ويعرض التقرير مثالين واضحين: الأستاذ (David Hummels) في جامعة (Purdue)، وأستاذ الرياضيات (Robert Talbert) في Grand) Valley State University)، وكلاهما أعاد نقل جزء مهم من التقييم إلى الصف نفسه، أو خفّف قيمة الواجبات المنزلية، أو جعل التقييم الحقيقي يتم في حضور الطالب، مع التركيز على تفسير التفكير لا مجرد تسليم الإجابة.
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التغيير على العودة للاختبار الحضوري، إذ تشير (Times Higher Education) إلى صعود بدائل مثل العروض الشفوية، والنقاشات، والمشاريع الجماعية، والمهام التي تقيس الفهم الواقعي والمهارات العملية.
وظهر تطبيق عملي بارز في جامعة سيدني بدأ 2025، جعلت الأصل هو السماح باستخدام الذكاء الاصطناعي في التقييمات، باستثناء الاختبارات والاختبارات الفصلية أو الحالات التي يقرر فيها المدرس المنع.
ومن الفصل الثاني 2025 اعتمدت الجامعة ما سمّته “نهج المسارين”: مسار آمن حضوري يضمن أن الطالب قادر على إظهار المعارف والمهارات من دون أدوات خارجية، ومسار مفتوح مصمم بحيث يسمح باستخدام الأدوات المناسبة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، مع الإقرار بكيفية استخدامه.
كما عرّفت الجامعة التقييمات الشفوية التفاعلية ضمن إطارها الجديد باعتبارها تقييماً آمناً يساعد على التحقق من أن الطالب ينجز عمله بنفسه في عصر الذكاء الاصطناعي.
اليونسكو تدعو بوضوح إلى نقل مركز الثقل من الحفظ والإخراج الصياغي إلى الإبداع، والتفكير النقدي، والاستدلال الأخلاقي.
والمراجعة المنهجية في (AI and Ethics) تذهب في الاتجاه نفسه، إذ توصي بتقييم العملية إلى جانب المنتج، واعتماد المشاريع، والمحاكاة، والعمل القائم على السياق الواقعي، وحتى إدراج بنود يوضح فيها الطالب كيف استخدم الذكاء الاصطناعي ضمن معايير التقييم نفسها.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد: “هل استخدمت الأداة؟” بل: “هل استخدمتها بوعي؟ وهل لا يزال العمل يعكس تعلمك؟”.
و(TEQSA) لا تدعو إلى العودة العمياء إلى الامتحان المغلق، بل إلى تصميم متوازن يضم أشكالاً آمنة وأشكالاً مفتوحة، ويعيد توزيع الثقة والمسؤولية. ولهذا يبدو أن المستقبل يتجه إلى تقييمات هجينة: بعضُها حضوري ومؤمَّن، وبعضها مفتوح يُسمح فيه باستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل معلن ومحدود الغرض، وبعضها قائم على العملية المستمرة لا على المهمة الواحدة النهائية.
فإذا كانت الآلة قادرة على إنجاز جزء متزايد من “المنتَج” الأكاديمي، فإن القيمة البشرية تنتقل إلى مكان آخر: إلى الحكم، والتفسير، والتمييز، والخيال، والمسؤولية.
وهنا تصبح المؤسسة التعليمية أمام مهمة أصعب من مجرد منع الغش: عليها أن تبني تقييماً يقيس ما يبقى إنسانياً ومهنياً وقابلاً للثقة في عصر تشارك فيه الآلة في الكتابة والحل والإنتاج.
وربما لهذا لم يعد السؤال التربوي الأهم: “كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من دخول الصف؟” بل: كيف نعيد تصميم الصف بحيث لا يختبئ التعلم الحقيقي خلفه؟