لفترة طويلة، كانت نظرية "الإنترنت الميت" تُصنّف ضمن نظريات المؤامرة التي يصعب أخذها بجدية، تقوم الفكرة على أن الإنترنت لم يعد كما كان، وأن جزءاً كبيراً من المحتوى والتفاعل الذي نراه اليوم لم يعد ناتجاً عن البشر، بل عن روبوتات وخوارزميات.

لكن مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي وانتشار أدوات إنتاج المحتوى الآلي، بدأت هذه الفكرة تخرج من الهامش إلى دائرة النقاش الأكاديمي والإعلامي، فبدلاً من السؤال عما إذا كان الإنترنت "ميتاً"، أصبح السؤال أكثر واقعية: إلى أي مدى لا يزال الإنترنت يعكس البشر فعلاً؟

ليس موتاً بل تحوّل

تشير تحليلات أكاديمية، مثل تلك الصادرة عن جامعة نيو ساوث ويلز (UNSW)، إلى أن النظرية في شكلها المتطرف غير دقيقة، لكن هناك جانباً منها يستند إلى واقع متغير، فالمشكلة ليست أن الإنترنت أصبح خالياً من البشر، بل أن نسبة التفاعل البشري الحقيقي تتراجع تدريجياً لصالح المحتوى الآلي.

هذا التحول يحدث بهدوء. فاليوم يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج مقالات، وتعليقات، ومنشورات، وحتى حسابات كاملة تبدو بشرية، ومع هذا التدفق، يصبح من الصعب على المستخدم العادي التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُنشأ.

تعزز هذه المخاوف تقارير تشير إلى أن نسبة كبيرة من حركة الإنترنت لم تعد بشرية بالكامل. فبعض التقديرات، التي أوردتها تقارير إعلامية مثل (Time)، تشير إلى أن أكثر من نصف حركة الإنترنت قد تكون ناتجة عن روبوتات وأنظمة آلية.

كما أدى انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي منذ عام 2022 إلى زيادة هائلة في حجم المحتوى المولد آلياً، ما ساهم في تضخم غير مسبوق في كمية المعلومات المتاحة، دون ضمان جودتها أو مصدرها.

وتظهر هذه الظاهرة بوضوح على منصات مثل "فيسبوك"، حيث لاحظ مستخدمون وباحثون تدفقاً متزايداً من منشورات تبدو غريبة أو متكررة أو بلا سياق واضح، وغالباً ما تكون مولدة بالذكاء الاصطناعي.

تشمل هذه المنشورات صوراً غير واقعية، أو قصصاً مبالغاً فيها، أو محتوى عاطفياً مصمماً لجذب التفاعل، دون أن يحمل قيمة حقيقية، ومع انتشار هذا النوع من المحتوى، لا يقتصر التأثير على المستخدم فقط، بل يمتد إلى النظام نفسه.

فالمحتوى الذي يُنتج بالذكاء الاصطناعي لا يُستهلك فقط من قبل البشر، بل قد يتم جمعه لاحقاً ضمن البيانات التي تُستخدم لتدريب أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة، وهنا تبدأ المشكلة: الذكاء الاصطناعي لا ينتج المحتوى فقط… بل يعيد بناء نفسه عليه.

هذا ما يحوّل المنصة إلى بيئة مغلقة نسبياً، حيث يتراكم المحتوى الآلي فوق محتوى آلي سابق، ما يؤدي إلى تراجع تدريجي في الجودة والتنوع.

اقتصاد الانتباه.. لماذا يتزايد المحتوى الآلي؟

لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر إلى الجانب الاقتصادي، فالإنترنت اليوم يعمل ضمن ما يُعرف باقتصاد الانتباه، حيث تُقاس قيمة المحتوى بقدرته على جذب المستخدم وإبقائه لفترة أطول.

في هذا النظام، لا تكون الجودة دائماً هي العامل الحاسم، فالمحتوى السريع والمكرر، حتى لو كان سطحياً، قد يحقق انتشاراً أكبر من المحتوى العميق، وهذا ما يدفع إلى إنتاج كميات ضخمة من المحتوى الآلي، فيما يُعرف أحياناً بـ"AI Slop"، بهدف تحقيق التفاعل والعوائد الإعلانية.

مع هذا التدفق من المحتوى، تبدأ مشكلة أعمق في الظهور: تراجع الثقة.

فالمستخدم لم يعد يتعامل مع الإنترنت كمساحة معلومات موثوقة، بل كبيئة مختلطة يصعب التحقق من مصداقيتها.

وتشير دراسات إلى أن هذا قد يؤدي إلى تراجع التفاعل الحقيقي، وزيادة المحتوى المتشابه، وضعف التنوع في الآراء، إضافة إلى صعوبة تمييز الرأي العام الحقيقي من التفاعل المصطنع.

هل الإنترنت ميت فعلاً؟

رغم كل هذه المؤشرات، لا يمكن القول إن الإنترنت "ميت"، فالمحتوى البشري لا يزال موجوداً، والتفاعل الحقيقي لم يختفِ، لكن ما يحدث هو تحول في طبيعة الإنترنت، حيث لم يعد الإنسان المنتج الوحيد للمحتوى.

الآلة لم تعد مجرد أداة… بل أصبحت شريكاً في تشكيل الفضاء الرقمي.

ولا تتعلق نظرية "الإنترنت الميت" بحياة الإنترنت أو موته، بل بهويته، في عالم تتزايد فيه الأصوات الاصطناعية، لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومات، بل في معرفة مصدرها.

وربما السؤال الأهم اليوم ليس:

هل الإنترنت حي؟ بل: هل ما نراه يعكس البشر.. أم خوارزميات تحاكيهم؟