أعلنت مختبرات «DeepMind» التابعة لشركة جوجل، في تقرير حصري نشرته مجلة «MIT Technology Review»، عن تحديث ثوري لنماذجها الذكية، مكّنها من التعرف على الحالة النفسية والمشاعر البشرية بدقة مذهلة بلغت 95%. هذا الإنجاز لا يضعنا فقط أمام «آلة تفهم»، بل أمام «آلة تشعر بالفرق»، وهو ما يمهد الطريق لتحول جذري في كيفية تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية حول العالم.

ولسنوات طويلة، كان يُنظر إلى «المشاعر» بوصفها الحصن الأخير الذي يعجز الذكاء الاصطناعي عن اقتحامه؛ تلك المنطقة الرمادية التي تسبح فيها نبرات الصوت المرتجفة، والابتسامات الزائفة، ولمحات الحزن العابرة التي لا يدركها إلا حدس بشري، لكن اليوم يبدو أن هذا الحصن قد سقط.

تعتمد التقنية الجديدة من «DeepMind» على دمج مسارات متعددة من البيانات اللحظية، فبدلاً من الاعتماد على تحليل الكلمات فقط، يقوم النموذج بمعالجة آلاف الإشارات الدقيقة في وقت واحد، بدءاً من التغيرات الطفيفة في ترددات الصوت، وصولاً إلى «الوحدات الحركية» في الوجه التي قد لا تدوم أكثر من جزء من الثانية.

يستخدم النموذج شبكات عصبية تلافيفية متقدمة قادرة على تمييز الفروق الدقيقة بين «الضحك النابع من القلق»، و«الضحك النابع من الفرح الحقيقي». ووفقاً للباحثين، فإن التحدي الأكبر الذي تم تجاوزه هو «السياق»، فالآلة الآن لا ترصد الانفعال كحالة معزولة، بل تحلله بناء على الموقف، والثقافة، وحتى التاريخ التفاعلي للمستخدم، ما رفع دقتها من مستويات السبعينيات (في الأعوام السابقة) إلى حاجز الـ95% التاريخي.

الأثر الأكثر عمقاً لهذا الابتكار يظهر في قطاع الرعاية الصحية النفسية، ففي الوقت الذي يعاني فيه العالم من نقص حاد في الأطباء النفسيين وزيادة في حالات الاكتئاب والقلق، يأتي هذا النموذج ليعمل كـ«صمام أمان» رقمي.

وتسمح هذه الدقة العالية للذكاء الاصطناعي برصد «العلامات الحيوية العاطفية» التي قد تسبق الانتكاسات الكبرى أو نوبات الهلع. على سبيل المثال، يمكن للتطبيقات المدعومة بهذا النموذج تنبيه المعالج أو المريض بمجرد رصد تغيرات طفيفة في «نغمة الصوت» أو «أنماط التحدث»، تشير إلى بداية نوبة اكتئاب، حتى قبل أن يدرك المريض نفسه ذلك.

وعلى عكس الجلسات التقليدية التي تعتمد على ذاكرة المريض ووصفه الذاتي لمشاعره، يقدم نظام DeepMind تقارير موضوعية تعتمد على بيانات صلبة، ما يساعد الأطباء على تخصيص بروتوكولات علاجية «شخصية» بدقة متناهية، وتقليل فترات التجربة والخطأ في صرف الأدوية النفسية.

مع كل هذا الانبهار التقني، يبرز تساؤل أخلاقي لا يقل أهمية: إذا كانت الآلة قادرة على فهم مشاعري بدقة 95%، فهل بقي لي مساحة خاصة؟

يحذر خبراء في أخلاقيات التكنولوجيا من أن وصول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المستوى من «الذكاء العاطفي» قد يساء استخدامه في مجالات التسويق أو التلاعب السياسي، حيث يمكن للشركات تعديل رسائلها الإعلانية بناء على الحالة المزاجية اللحظية للمستهلك لإجباره على الشراء.

من جانبها، أكدت «DeepMind» أن النموذج مصمم وفق بروتوكولات خصوصية صارمة، حيث تتم معالجة البيانات الحساسة محلياً على الأجهزة (Edge AI) دون الحاجة لإرسال المشاعر الخام إلى السحابة، مؤكدة أن الهدف الأسمى هو «تمكين البشر» وليس مراقبتهم، ومع ذلك يبقى النقاش مفتوحاً حول كيفية حوكمة تقنية يمكنها قراءة الروح البشرية بدقة تتفوق أحياناً على أقرب الأصدقاء.

05