يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم حجر الزاوية فيما يعرف بـ«التكنولوجيات الرائدة». ووفقاً لآخر تقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، فإن العالم يقف على أعتاب قفزة اقتصادية غير مسبوقة، حيث من المتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي من 189 مليار دولار في عام 2023 ليصل إلى 4.8 تريليونات دولار بحلول عام 2033. هذا النمو، الذي يعادل حجم اقتصاد دولة مثل ألمانيا، يحمل في طياته وعوداً بزيادة الإنتاجية الابتكارية، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات وجودية حول مصير الفجوة التنموية بين شمال العالم وجنوبه.
يعود الارتفاع الهائل في القيمة السوقية للذكاء الاصطناعي إلى تكامله العميق في قطاعات حيوية مثل الخدمات المالية، الرعاية الصحية، والتصنيع الذكي، واللوجستيات. وبحلول عام 2033، من المتوقع أن يشكل الذكاء الاصطناعي وحده ما يقرب من 30% من إجمالي سوق التكنولوجيات الرائدة، الذي يشمل أيضاً البلوك تشين، وإنترنت الأشياء، والطاقة المتجددة، مقارنة بـ7% فقط في العقد الماضي.
ومع ذلك يشير التقرير إلى تركز مخيف للقوة الاقتصادية والبحثية، حيث تستحوذ نحو 100 شركة فقط، معظمها يتخذ من الولايات المتحدة والصين مقراً له، على نحو 40% من إجمالي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي. هذا التركز يخلق «احتكارات معرفية» تجعل الشركات التكنولوجية العملاقة مثل (Nvidia, Microsoft, Apple) تمتلك قيمة سوقية تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لقارات بأكملها مثل أفريقيا، ما يضعف قدرة الشركات الناشئة في الدول النامية على المنافسة.
تهديد الوظائف
أحد أخطر التحذيرات التي أطلقها تقرير التجارة والتنمية يتعلق بسوق العمل العالمي، فبينما كانت الموجات التكنولوجية السابقة (مثل الميكنة) تستهدف الوظائف اليدوية و«الياقات الزرقاء»، يستهدف الذكاء الاصطناعي التوليدي الوظائف كثيفة المعرفة. تشير التقديرات إلى أن 40% من الوظائف عالمياً ستتأثر بهذا التحول، مع توقعات بأن تكون الاقتصادات المتقدمة هي الأكثر عرضة لهذا التأثير المباشر، نظراً لطبيعة اقتصادها القائم على الخدمات والمعلومات.
لكن المأزق الحقيقي يكمن في الدول النامية، فلطالما اعتمدت هذه الدول على «العمالة منخفضة التكلفة» كميزة تنافسية لجذب الاستثمارات الأجنبية. ومع دخول الأتمتة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تتقلص هذه الميزة بشكل كبير، حيث تصبح تكلفة تشغيل الأنظمة الذكية في الدول المتقدمة أقل من تكلفة شحن المنتجات وتوظيف العمالة في الخارج. هذا السيناريو قد يؤدي إلى «تراجع التصنيع المبكر» في الدول النامية، ما يعمق الفجوة الاقتصادية ويحرم ملايين الشباب من فرص العمل التقليدية.
غياب الحوكمة الشاملة
تظهر الأرقام أن الفجوة الرقمية ليست تقنية فحسب، بل هي فجوة في «القرار»، حيث يغيب عن طاولة نقاشات حوكمة الذكاء الاصطناعي الدولية نحو 118 دولة، أغلبها من دول الجنوب العالمي، في حين تهيمن دول مجموعة السبع (G7) على كافة المبادرات التنظيمية الكبرى. هذا التهميش يعني أن القواعد التي ستنظم التكنولوجيا في المستقبل قد لا تأخذ في الاعتبار احتياجات أو خصوصيات الدول النامية.
يدعو التقرير الأممي إلى ضرورة تبني «إطار عمل عالمي شامل» يضع الإنسان في المركز. ويتطلب ذلك الاستثمار في البنية التحتية، وضمان وصول الكهرباء والإنترنت عالي السرعة لجميع المناطق، حيث لا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي في ظل انقطاع الطاقة، إلى جانب بناء القدرات والمهارات، وتحويل السياسات الصناعية نحو قطاعات تعتمد على الابتكار والخدمات المعرفية بدلاً من مجرد التجميع اليدوي، ودعم الابتكار المفتوح، وتشجيع استخدام النماذج مفتوحة المصدر لتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول النامية من بناء أدواتها الخاصة دون الاعتماد الكلي على الشركات
