رغم عصر الثورة الرقمية التي تهيمن على حياتنا إلا أن العلم يقف عاجزاً أم إبداع الخالق في الدماغ البشري الذي يكتسح أقوى الحواسيب في استهلاك الطاقة.

يُعدّ الدماغ البشري واحداً من أكثر الأنظمة كفاءة في استهلاك الطاقة في العالم، فعلى الرغم من أنه يمثل نحو 2% فقط من وزن الجسم، فإنه يستهلك قرابة 20% من الطاقة التي يحتاجها الجسم يومياً، ومع ذلك، فإن مقدار الطاقة الفعلي الذي يستخدمه لا يتجاوز نحو 20 واط فقط، وهو ما يعادل تقريباً استهلاك شاشة كمبيوتر عادية.

رغم هذا الاستهلاك الضئيل، يستطيع الدماغ أداء قدرات حسابية هائلة قد تصل إلى ما يعادل إكسافلوب من العمليات في الثانية، أي مليار مليار عملية حسابية تقريباً وفق iflscience.

هذه الكفاءة المذهلة تظهر بشكل أوضح عند مقارنتها بالحواسيب العملاقة، فالحاسوب العملاق Frontier في مختبر أوك ريدج بالولايات المتحدة يستطيع الوصول إلى قدرة حسابية مماثلة تقريباً، لكنه يحتاج إلى نحو 20 ميغاواط من الطاقة لتحقيق ذلك، أي أكثر من قدرة الدماغ بمليون مرة تقريباً. وتشغيل هذا النوع من الحواسيب ليوم واحد قد يتطلب حرق مئات الأطنان من الوقود الأحفوري، ما يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يثير تساؤلات بيئية مهمة حول مستقبل الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

السر الرئيسي في كفاءة الدماغ يعود إلى الطريقة التي يعالج بها المعلومات، فبينما تعتمد الحواسيب التقليدية على تنفيذ العمليات بشكل متسلسل خطوة بعد خطوة، يستخدم الدماغ ما يُعرف بـ المعالجة المتوازية على نطاق واسع، إذ يمتلك الدماغ نحو 100 مليار خلية عصبية مترابطة عبر شبكة هائلة من الوصلات، ما يسمح له بمعالجة عدة أنواع من المعلومات في الوقت نفسه.

على سبيل المثال، عند التقاط كرة تُقذف نحوك، يقوم الدماغ في لحظة واحدة بتحليل موقع الكرة وسرعتها واتجاهها، ثم ينسق حركة العضلات في الجسم والذراع لالتقاطها. كل هذه العمليات تحدث في أجزاء من الثانية وبشكل متزامن، في حين قد يحتاج الحاسوب إلى تنفيذ سلسلة طويلة من الحسابات المتتابعة لتحقيق النتيجة نفسها.

لهذا السبب يسعى الباحثون اليوم إلى تطوير جيل جديد من الحواسيب مستوحى من بنية الدماغ البشري، فيما يُعرف بالحوسبة العصبية أو الأنظمة المستوحاة من الدماغ. وتشمل هذه الجهود تطوير خوارزميات جديدة تحاكي آليات التعلم العصبي، إضافة إلى تصميم شبكات عصبية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة من خلال تقليل الروابط غير الضرورية بين الوحدات الحسابية.

كما يعمل علماء في جامعات عدة حول العالم على نماذج جديدة للشبكات العصبية تعتمد على تنظيمات طبوغرافية تشبه تلك الموجودة في الدماغ، ما قد يسمح للذكاء الاصطناعي بالتعلم بسرعة أكبر وبطاقة أقل.

الهدف النهائي ليس فقط زيادة قوة الحوسبة، بل جعل الأنظمة الذكية أكثر قدرة على التعامل مع المعلومات الغامضة أو المحدودة بطريقة تشبه التفكير البشري.

بحسب الباحثين فإن مستقبل الحوسبة قد يعتمد على فهم أعمق لأسرار الدماغ البشري، فبدلاً من بناء حواسيب تستهلك طاقة هائلة، قد يقودنا تقليد الطبيعة إلى أجهزة أكثر ذكاءً وكفاءة وصداقة للبيئة.