كل ليلة تقريباً، نفعل شيئاً يبدو بسيطاً وبديهياً: نغلق أعيننا وننام، لكن ماذا لو كان الكائن الحي بلا عينين، وبلا دماغ، بل مجرد خلية واحدة؟ هل تحتاج البكتيريا إلى الراحة؟ وهل تعرف أصلاً أن الليل حلّ؟ 

كلما ابتعدنا عن الإنسان في شجرة الحياة، يصبح تعريف النوم أكثر تعقيداً، فوجود فترات من السكون لا يعني بالضرورة وجود نوم، كما أن امتلاك ساعة بيولوجية لا يعني أن الكائن يغفو ليلاً.

ولهذا، فإن السؤال الأكثر إثارة بالنسبة إلى بعض الميكروبات ليس: هل تنام؟، وإنما: كيف تعرف الوقت وهي لا تملك دماغاً أصلاً؟

خلية تعرف أن الليل قادم

لوقت طويل، افترض العلماء أن البكتيريا أبسط من أن تمتلك ساعة يومية معقدة، لكن اكتشاف الإيقاعات اليومية في البكتيريا الزرقاء، وهي كائنات مجهرية تقوم بالبناء الضوئي، غيّر الصورة، وباتت البكتيريا الزرقاء النموذج الأفضل فهماً للساعات اليومية في العالم البكتيري. 

وفي النوع المعروف باسم Synechococcus elongatus، يستطيع الإيقاع الحيوي الاستمرار لنحو 24 ساعة حتى عندما تُحفظ الخلايا في ظروف إضاءة ثابتة، أي أن الخلية لا تنتظر شروق الشمس في كل مرة حتى تعرف أن «النهار» بدأ، ولكنها تمتلك آلية داخلية لحساب الوقت.

وهذه القدرة منطقية بالنسبة إلى كائن يعتمد على الضوء، ففي النهار تقوم البكتيريا الزرقاء بالبناء الضوئي، بينما تستخدم مخزون الطاقة خلال الظلام، وتساعد الساعة اليومية في تنظيم تصنيع الغليكوجين وتفكيكه بحيث تُخزن الطاقة وتُستخدم في الأوقات المناسبة للبقاء، بمعنى آخر، تستعد الخلية لحلول الليل.

ساعة من ثلاثة بروتينات

الأكثر إثارة أن الساعة لا تحتاج إلى دماغ أو جهاز عصبي، ففي قلب الساعة اليومية لدى Synechococcus elongatus توجد ثلاثة بروتينات رئيسية تسمى KaiA وKaiB وKaiC، وتتفاعل هذه البروتينات بطريقة تنتج دورة كيميائية تمتد قرابة 24 ساعة، وترتبط بتنظيم النشاط الجيني والفسيولوجي للخلية. 

لكن.. هل هذا نوم؟

ليس بالمعنى الذي نعرفه، الإيقاع اليومي هو نظام للتوقيت، أما النوم فهو حالة فسيولوجية وسلوكية أكثر تحديداً، ورغم أن مراجعات علمية للبكتيريا الزرقاء تشير إلى انخفاض كبير في نشاط النسخ الجيني عند حلول الظلام، بل تصف مرحلة ليلية من الخمول مرتبطة بالحفاظ على الطاقة، فإن ذلك لا يساوي تلقائياً النوم لدى الحيوانات. 

كما أن الصورة خارج البكتيريا الزرقاء أقل وضوحاً، فهناك دراسات رصدت إيقاعات تقارب 24 ساعة لدى أنواع أخرى من البكتيريا، إلى جانب تغيرات يومية في تركيبة ووظائف ميكروبيوم الأمعاء.

لكن وجود تغير يومي لا يثبت وحده امتلاك كل هذه الكائنات «ساعة داخلية» مستقلة، إذ قد تكون بعض الإيقاعات استجابة لتغيرات البيئة أو لجسم المضيف نفسه، إذاً، بعض الميكروبات تحسب الوقت، لكن وصفها بأنها «تنام» سيكون تبسيطاً يتجاوز ما تقوله الأدلة.