عند قمة إيفرست، لا يعجز الإنسان عن التنفس لأن الأكسجين اختفى من الهواء، فنسبته تظل قريبة من 21% كما هي عند سطح البحر، لكن الضغط الجوي يهبط بشدة، فتقل جزيئات الأكسجين الداخلة إلى الرئتين مع كل شهيق، ولهذا يجد الجسد نفسه مطالباً بالصعود والعمل واتخاذ القرارات في بيئة لا تمنحه إلا جزءاً محدوداً مما اعتاد عليه من الأكسجين.

وترتفع قمة إيفرست 8848.86 متراً فوق سطح البحر، وفق القياس المشترك الذي أعلنته نيبال والصين عام 2020، وعند هذه النقطة يكون الضغط الجوي في حدود ثلث الضغط المسجل عند مستوى البحر، مع اختلافه بحسب الطقس والفصول، أي إن كل خطوة تقريباً تؤدى في حالة من نقص الأكسجين لا يعرفها معظم البشر في حياتهم اليومية. 

وفوق ارتفاع 8000 متر تبدأ المنطقة التي اشتهرت باسم «منطقة الموت»، فلا يستطيع الإنسان أن يتأقلم فيها بصورة كاملة، ويبدأ الجسم، ولو ببطء، في خسارة المعركة: تضعف العضلات، ويختل التفكير، ويتراجع التوازن، وقد يقود نقص الأكسجين إلى الارتباك وفقدان الوعي أو الموت.

ومع ذلك، يدخل إليها مرشدو الشيربا مراراً، يحملون المعدات، ويثبتون الحبال، وينصبون المخيمات، ويفتحون للبعثات ممراً بين الشقوق والكتل الجليدية المتحركة.

ليست كلمة «شيربا» اسماً لمهنة، وإن شاع استخدامها عالمياً بمعنى المرشد أو الحمّال الجبلي، فالشيربا جماعة عرقية تنتمي إلى المناطق الجبلية في نيبال وما جاورها، ويعيش كثير منهم في إقليم سولوخومبو، حيث يقع الجانب النيبالي من إيفرست، وقد التصقت صورتهم بتسلق الجبال لأن خبرتهم كانت حاسمة منذ بدايات الرحلات الكبرى إلى الهيمالايا.

اقتصاد الأكسجين

حين يتعرض القادم من السهول إلى المرتفعات، يبدأ جسده سلسلة من الاستجابات الطارئة: يتسارع التنفس، ويرتفع نبض القلب، وتتغير كمية السوائل في الدم، ثم يحاول الجسم بمرور الأيام زيادة قدرته على نقل الأكسجين، أما الشيربا، فقد عاش أسلافهم أجيالاً طويلة في بيئة ينخفض فيها الضغط الجوي.

وتقول دراسة نشرتها الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم إن أنسجتهم تستخدم الأكسجين بكفاءة أعلى، وتحافظ بصورة أفضل على مخزون الطاقة في العضلات عند الارتفاعات الشديدة.

وتابعت الدراسة شيربا وأشخاصاً من سكان المناطق المنخفضة أثناء صعودهم إلى معسكر إيفرست الأساسي، الواقع على ارتفاع يقارب 5300 متر، وعندما تعرضت المجموعتان لنقص الأكسجين، ظهرت لدى القادمين من السهول تغيرات أكبر في طريقة إنتاج الطاقة، بينما حافظ الشيربا على آليات أكثر كفاءة.

ووجد الباحثون أن عضلات الشيربا تعتمد بدرجة أكبر على حرق الجلوكوز، وهي طريقة تمنح الجسم طاقة أكثر مقابل كل وحدة من الأكسجين مقارنةً بحرق الدهون، ولو كنا نتحدث بلغة الاقتصاد لقلنا أن أجسادهم تحقق عائداً أعلى من المورد النادر.

وأظهرت نتائج أنه عند ارتفاع 5300 متر كان تدفق الدم في الأوعية الدقيقة لدى الشيربا أعلى منه لدى القادمين من المناطق المنخفضة، كما بلغت كثافة الشعيرات الصغيرة لديهم مستوى يزيد بما يصل إلى 30% في بعض القياسات، وفسر الباحثون ذلك بوصفه وسيلة تساعد على إيصال الأكسجين إلى الأنسجة رغم انخفاض محتواه في الدم.

والأمر لا يعني أن دم الشيربا يحمل دائماً أكسجين أكثر، فقد أشارت الدراسة إلى قدرتهم على تحمل الارتفاع رغم أن محتوى الأكسجين في شرايينهم قد يكون أقل من محتواه لدى أشخاص من السهول تأقلموا مع الجبل، فالقوة هنا ليست في كمية الأكسجين وحدها، بل في القدرة على توزيعه واستعماله.

جينات قديمة

تقف وراء بعض هذه الصفات اختلافات وراثية ارتبطت بآلاف السنين من الحياة في الهضبة التبتية والهيمالايا، ومن أشهر الجينات التي درسها العلماء جين «EPAS1»، وهو جزء من النظام الذي يساعد الخلايا على اكتشاف نقص الأكسجين وتنظيم استجابة الجسم له.

وقد وجدت أبحاث وراثية أن متغيرات معينة من هذا الجين، المنتشرة لدى سكان التبت، موجودة أيضاً لدى الشيربا، وترتبط بتنظيم الهيموغلوبين والاستجابة لنقص الأكسجين. كما تناولت الدراسات جين «EGLN1»، الذي يعمل ضمن المسار الفسيولوجي نفسه.

ولا تعني هذه النتائج وجود «جين لتسلق إيفرست»، فالجينات لا تمنح المعرفة بالطقس، ولا تعلم صاحبها تثبيت الحبال، ولا تحميه من الانهيارات الثلجية، لكنها تستطيع تعديل استجابة الجسم للبيئة، ثم يأتي التدريب والخبرة ليبنِيا فوق ذلك الأساس.

فالقدرة التي نراها على الجبل هي لقاء بين التاريخ البيولوجي والتاريخ الشخصي: ما ورثه الإنسان من أسلافه، وما تعلمه بقدميه ورئتيه خلال سنوات العمل.

وفي شلال خومبو الجليدي، أحد أخطر أجزاء الطريق النيبالي إلى إيفرست، تتحرك كتل جليدية ضخمة باستمرار، وتتفتح الشقوق وتتغير المسارات، ويعبر أفراد الفرق النيبالية هذا المكان مرات أكثر من معظم العملاء الأجانب، لأنهم ينقلون المؤن والأسطوانات ويجهزون المخيمات قبل وصول بقية المتسلقين، أجساد الشيربا متكيفة، لكن مهارتهم ليست غريزة غامضة.

في القصص المصورة، تظهر القوة الخارقة حين يرتدي البطل عباءته، أما على إيفرست، فتظهر حين يربط رجل الحبل حول خصره، ويخطو إلى الجليد قبل الجميع، في هواء لا يكاد يكفيه، لكي يستطيع الآخرون أن يتنفسوا حلم الوصول.