قبل نحو عقد، أحدث عالم الذكاء الاصطناعي جيفري هينتون صدمة عندما أعلن أن مهنة أخصائيي الأشعة ستختفي قريبا، داعيا حتى إلى التوقف عن تدريب كوادر جديدة. لكن الواقع سار في اتجاه معاكس تماما، حيث ارتفعت رواتبهم إلى 571 ألف دولار.

وبدلا من الانقراض، يشهد هذا التخصص ازدهارا غير مسبوق. فقد ارتفع الطلب على أخصائيي الأشعة بشكل ملحوظ، مع تسجيل آلاف الوظائف الشاغرة، في وقت قفزت فيه الرواتب إلى نحو 571 ألف دولار سنويا بحلول 2025. هذا التحول كشف أن المخاوف من استبدال الذكاء الاصطناعي للوظائف قد تكون مبالغا فيها.

في البداية، بدت توقعات استبدال أخصائيي الأشعة منطقية إلى حد كبير؛ فجزء مهم من عملهم يقوم على قراءة الصور الطبية وكتابة التقارير، وهي مهام تعتمد على الأنماط ويمكن للأنظمة الذكية تنفيذها بسرعة تفوق البشر وبدقة عالية. ومع التقدم السريع في تقنيات التعلم الآلي، اعتقد كثيرون أن هذه المهنة ستكون من أوائل الضحايا. لكن مع مرور الوقت، كشف الواقع صورة أكثر تعقيدا؛ إذ تبيّن أن هذه المهام تمثل جزءا فقط من العمل، وليست جوهره الكامل.

اليوم، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة تعزز أداء الأطباء بدل أن تستبدلهم. فهو يسرّع تحليل الصور ويقلل الأخطاء الروتينية، ما يمنح أخصائيي الأشعة وقتا أكبر للتركيز على الجوانب الأكثر تعقيدا، مثل التشخيص المتكامل، التنسيق مع الفرق الطبية، والتواصل المباشر مع المرضى. هذه الأبعاد الإنسانية والسريرية لا تزال خارج نطاق قدرات الآلة.

حتى روّاد المجال، مثل جيفري هينتون، تراجعوا عن الطرح الحاد، مؤكدين أن حديثهم كان يخص مهمة محددة لا المهنة بأكملها. كما أشار جينسن هوانغ إلى أن الخلط بين "مهمة" و "وظيفة" قاد إلى هذه التوقعات المبالغ فيها، وفق تقرير لـ "fortune".

ومن المفارقات أن الذكاء الاصطناعي ساهم في زيادة الطلب على أخصائيي الأشعة، بعدما جعل الفحوصات أسرع وأقل تكلفة، ما أدى إلى ارتفاع عددها بشكل كبير. ومع ذلك، تظل هناك عوائق قانونية وأخلاقية وتنظيمية، إلى جانب البعد الإنساني، تجعل استبدال البشر بالكامل أمرا غير واقعي في المستقبل القريب. هذه التجربة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف أكثر مما يلغيها.