يشهد قطاع المواد الهندسية قفزة علمية لافتة مع ابتكار مادة جديدة "ذاتية الإصلاح"، يُتوقع أن تُحدث تحولاً كبيراً في صناعة الطيران والسيارات والهياكل عالية الأداء. ويعتمد هذا الابتكار على قدرة المادة على معالجة الأضرار الداخلية وإصلاح التشققات بشكل متكرر، ما يفتح الباب أمام إطالة عمر المكونات الحيوية وتقليل الحاجة إلى الاستبدال والصيانة الدورية، في تطور قد يعيد رسم معايير المتانة والسلامة في الصناعات الحديثة.

وقام مهندسون من جامعة ولاية كارولينا الشمالية وجامعة هيوستن ببناء مركب من الألياف يمكنه إصلاح شكل شائع من الأضرار الداخلية المعروفة باسم الانفصال الطبقي أكثر من 1000 مرة، مما قد يطيل عمر هذه المركبات من عقود إلى قرون.

تم الكشف عن هذا الإنجاز في دراسة نُشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم .

تُستخدم مركبات البوليمر المقوى بالألياف (FRP)، التي توفر قوة عالية دون زيادة في الوزن، في كثير من الأحيان لتصنيع الطائرات والسيارات وتوربينات الرياح وحتى المركبات الفضائية.

من أبرز عيوب المواد المركبة المقواة بالألياف (FRP) ظاهرة انفصال الطبقات، حيث تبدأ طبقات المادة في الانفصال عن بعضها بعد ظهور التشققات. ومع بدء هذه الظاهرة، تتراجع السلامة الهيكلية للمادة بشكل سريع، مما يتطلب إجراء فحوصات دورية دقيقة، إضافة إلى عمليات إصلاح أو استبدال للأجزاء المتضررة للحفاظ على كفاءتها وأمانها.

وقال جيسون باتريك، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية في جامعة ولاية كارولينا الشمالية والمؤلف المشارك للدراسة : "لقد كان انفصال الطبقات تحديا لمركبات البوليمر المقوى بالألياف منذ ثلاثينيات القرن الماضي". وأضاف أن مركبات البوليمر المقوى بالألياف التقليدية تدوم عادةً ما بين 15 إلى 40 عامًا.

تُظهر نتائج الدراسة الأخيرة أن "استراتيجية الإصلاح الذاتي هذه للكسر بين الطبقات" التي أصبحت ممكنة بفضل المادة المصنعة حديثًا "قابلة للتكرار على نطاق يتجاوز بكثير أعمار التصميم النموذجية للمواد المركبة، وبالتالي التخلص من مشكلة الانفصال بين الطبقات كمسألة هيكلية".

تبدو المادة المُبتكرة حديثًا شبيهةً بمركب الألياف الزجاجية المقواة بالبلاستيك (FRP) التقليدي، لكنها تتميز بميزتين رئيسيتين جديدتين.

إحداهما هي عامل معالجة حراري بلاستيكي طُبع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد على ألياف التقوية، مُشكلاً طبقةً بينيةً مُنمّطةً بين طبقات المركب. هذه الطبقة البينية، المصنوعة من بولي (إيثيلين-كو-ميثاكريليك أسيد)، المعروف اختصارًا بـ EMAA، تجعل الطبقة أكثر مقاومةً للانفصال الطبقي بمقدار ضعفين إلى أربعة أضعاف منذ البداية، مما يمنع تشكّل الشقوق بفعالية.

يتمثل التحديث الثاني لمركب الألياف الزجاجية المقواة بالبلاستيك (FRP) القياسي في إضافة طبقات تسخين رقيقة مصنوعة من الكربون، مدمجة في المركب. وهذا يعني أنه عند مرور تيار كهربائي عبر هذه الطبقات، فإنها تسخن وتذيب الطبقة البينية من مادة EMAA، مما يسمح لها بالتدفق إلى الشقوق والكسور الدقيقة وإعادة ربط السطح التالف. وبالتالي، صُمم المركب ليعيد لحام نفسه بالمواد الموجودة أصلاً داخل بنيته.

وقال جاك توريسيك، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن المادة المركبة تتميز في البداية بصلابة "أعلى بكثير" من المواد التقليدية، وقد قاومت التشقق بشكل أفضل من المواد المركبة الرقائقية الموجودة لمدة 500 دورة على الأقل.

وأظهرت الدراسة أن صلابة المادة تنخفض تدريجياً مع تكرار عمليات الإصلاح، لكن هذا التراجع يحدث بشكل بطيء جداً. ويقدّر الباحثون أن المكونات المصنوعة منها قد تظل صالحة للاستخدام لمدة تصل إلى 125 عاماً عند إجراء عمليات ترميم كل ثلاثة أشهر، أو حتى نحو 500 عام إذا تم الإصلاح مرة واحدة سنوياً، وفقاً لموقع ECONews.

وتعتمد تقنيات الطاقة النظيفة الحديثة والمواد منخفضة الانبعاثات بشكل كبير على المواد المركبة خفيفة الوزن، إلا أن هذه المواد غالباً ما تكون صعبة الإصلاح وإعادة التدوير. ونتيجة لذلك، يتم استبدالها بشكل متكرر بدلاً من إصلاحها، مما يزيد من حجم النفايات الصناعية.

وقد يشكل هذا المركب الليفي الجديد نقلة نوعية في تقليل النفايات الصناعية، إذ يمكن، في حال نجاح استخدامه، إصلاح الأجزاء الأساسية في الهياكل مثل الطائرات والسيارات وتوربينات الرياح بشكل متكرر. وهذا من شأنه أن يقلل الحاجة إلى تصنيع مكونات جديدة أو التخلص من القديمة، مما يعزز الاستدامة بشكل كبير.