هل يأتي زمان تسيطر فيه الآلة على كل شيء ولا سيما في المؤسسات والشركات على اختلاف مجالاتها وتخصصاتها؟ سؤال شغل بال كثيرين من المفكرين، لكن الحقيقة التي تثبتها الأيام دائماً أن الإنسان هو الأصل، ولا يمكن الاستغناء عنه وترك مصير البشرية في أيدي ماكينات وإن بدت في هيئة إنسان يتحرك ويتكلم.. هذه الحقيقة تؤكدها قصة رجل هندي تولى المسؤولية في واحدة من كبرى شركات التكنولوجيا في العالم، واستطاع باعتماده على الإنسان أن ينقذ الشركة من الركود، ويعيدها إلى المقدمة خلال سنوات قليلة.. فماذا فعل ساتيا ناديلا عندما تولى قيادة شركة «مايكروسوفت» العملاقة، وكيف أعاد تشكيل ثقافتها بالكامل، ليحولها من عملاق مترنح إلى قوة تكنولوجية رائدة تتصدر المشهد العالمي.

طريق النجاح

بدأ ناديلا مسيرته في شركة صغيرة تدعى «صن مايكروسيستمز» عضواً في فريقها التقني، واستمر فيها عامين فقط، إلى أن اختطفته شركة «مايكروسوفت» عام 1992، فكانت خطوة موفقة، ليست بالنسبة إليه وحده، بل للشركة أيضاً؛ حيث قاد مشروعات رئيسة، كان أهمها نقل الشركة إلى الحوسبة السحابية، وتطوير أكبر بُنية تحتية سحابية في العالم، وقد أولته الشركة ثقتها المطلقة، ليتولى منصب نائب الرئيس الأول للبحث والتطوير في قسم الخدمات عبر الإنترنت، ونائب رئيس قسم الأعمال، ورئيس قسم الخوادم والأدوات، والذي بلغت قيمته 19 مليار دولار؛ حيث قاد ما يمكن أن نسميه «ثورة ثقافية تقنية» تحول بها من خدمات العملاء إلى البنية التحتية السحابية، وكان له الفضل في نقل قاعدة بيانات مايكروسوفت، وويندوز سيرفر، وأدوات المطورين إلى خدمة أزور السحابية، وبالتالي رفع أرباح تلك الخدمات إلى 20.3 مليار دولار حسب سجلات الشركة في شهر يونيو 2013.. هذا النجاح كان وراء قرار تعيين ناديلا رئيساً تنفيذياً لمايكروسوفت، ليصبح ثالث رئيس تنفيذي للشركة؛ مؤرخاً لبداية حقبة جديدة في تاريخها.

ومنذ اليوم الأول من توليه المنصب، صب تركيزه على التعاون مع الشركات والتقنيات المنافسة، أولاها «أبل» المنافس التقليدي، وكذلك «سيلزفورس» و«آي بي إم» و«دروب بوكس» ضارباً بالسياسات السابقة للشركة عرض الحائط، حتى إنه أعلن انضمام الشركة إلى «مؤسسة لينكس» كعضو بلاتيني عام 2016، مؤكداً السياسة الجديدة في انفتاحها على التعاون مع الأطراف المختلفة، ومؤمناً بأن التعاون هو مفتاح الابتكار، وأعاد صياغة رسالة الشركة العملاقة تحت شعار «تمكين كل فرد وكل منظمة على الكوكب من تحقيق المزيد».

أما في داخل الشركة نفسها فقد قاد ناديلا تحولاً ثقافياً قام على التعاطف والتعاون وعقلية النمو، وانعكس بالطبع على المردود الاقتصادي للشركة؛ حيث استطاعت الاستحواذ على كيانات عملاقة، ومنها شركة الألعاب السويدية موجانغ عام 2014، و«لينكد إن» عام 2016، وGitHub عام 2018.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن ينهض «العملاق مايكروسوفت» من رقدته التي دامت 14 عاماً؛ وفي نوفمبر 2023 أُعلن ارتفاع أسهم الشركة نحو 10 أضعاف ما كانت عليه قبل تولي ناديلا منصب الرئيس التنفيذي، بمعدل نمو سنوي بلغ 27 %، وكان طبيعياً أن يكافأ ناديلا على إنجازه؛ ففي العام التالي 2024، بلغ إجمالي تعويضاته من الشركة 79.1 مليون دولار، وعلى المستوى الخارجي اختير ضمن قائمة مجلة «تايم» 100 في العام نفسه، وهي المرة الثانية بعد اختياره فيها أيضاً عام 2018، كما سبق أن حصل على جائزة «أيقونة الأعمال الهندي العالمي» من CNBC-TV18 في مومباي عام 2020.

وحصل على وسام «بادما بوشان» من حكومة الهند عام 2022.

كما منحه معهد جورجيا للتكنولوجيا شهادة الدكتوراه الفخرية في يناير 2024.