تتغير علاقة الأجيال الشابة في دول الخليج بشركات التكنولوجيا العالمية، مع تحول الشباب من مجرد مستهلكين للأجهزة والخدمات الرقمية إلى ‏مشاركين في إنتاج المحتوى وتطوير التجارب الإبداعية، وسط توقعات متزايدة بأن يتجاوز دور الشركات بيع المنتجات والحملات الإعلانية، ‏ليشمل الاستثمار في المهارات وتوفير فرص التدريب ودعم المجتمعات الإبداعية المحلية.‏

وفي الإمارات، يكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل اتساع قطاعات الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى والتصوير والإنتاج المرئي، إلى ‏جانب التنوع الثقافي واللغوي للمجتمع، ما يضع الشركات العالمية أمام تحدي فهم احتياجات شرائح مختلفة من المستخدمين، وتطوير تجارب ‏تتوافق مع عاداتهم وتفضيلاتهم، بدلاً من الاكتفاء بنقل المنتجات والحملات المصممة للأسواق العالمية.‏

جوبين جوجو، المدير العام لشركة سوني في الشرق الأوسط وأفريقيا

وأكد جوبين جوجو، المدير العام لشركة سوني في الشرق الأوسط وأفريقيا، أن الشباب في دول مجلس ‏التعاون الخليجي يريدون أن يروا العلامات التجارية العالمية تسهم فعلياً في دعم المجتمعات التي ينتمون إليها، من خلال توفير المعرفة والخبرة ‏العملية ومساعدتهم على تطوير قدراتهم، وليس الاكتفاء بالتواصل معهم عبر الحملات الترويجية.‏

وأوضح أن العلاقة بين الشركات والأجيال الشابة أصبحت تتطلب فهماً أعمق للثقافة المحلية وطبيعة المجتمعات الإبداعية، مشيراً إلى أن دعم ‏صناع المحتوى في تطوير مهاراتهم يتيح لهم التعبير عن مجتمعاتهم بطريقتهم الخاصة، ويؤسس لعلاقة تتجاوز التأثير المؤقت للإعلانات.‏

وقال إن جمهور الخليج ليس كتلة متجانسة، إذ تختلف المرجعيات الثقافية والاهتمامات وأساليب التعبير والتطلعات، وهو ما يتطلب التعامل مع ‏كل مجتمع وفق خصوصيته، وإنتاج محتوى يعكس هذه الاختلافات، بدلاً من مجرد إعادة صياغة الحملات العالمية لتناسب المنطقة.‏

وأشار إلى أن سوني تعتمد في تعاونها مع صناع المحتوى على برامج التدريب والخبرة العملية وإتاحة فرص تبادل المعرفة وعرض الأعمال، ‏لافتاً إلى منصة «ألفا يونيفرس» التي تجمع المصورين وصناع الأفلام لتبادل الخبرات والتعلم من المتخصصين ومناقشة تجاربهم الإبداعية.‏

وفي الإمارات، أوضح جوجو أن الشركة شاركت في برنامج البودكاست العربي التابع لنادي دبي للصحافة، من خلال ورشة عمل باللغة العربية ‏تناولت تقنيات التصوير والسرد السينمائي، وأتاحت للمشاركين تطبيقات عملية في الإضاءة وتكوين الصورة وتسجيل الصوت، بهدف تطوير ‏قدراتهم على إنتاج المحتوى.‏

كما أشار إلى مركز الوسائط الرقمية الذي افتُتح حديثاً لدى «جاما ستوديوز» في مدينة دبي للإنتاج، والمدعوم بتقنيات وخبرات سوني، والذي ‏يتيح لصناع الأفلام وفرق الإنتاج تجربة تقنيات الإنتاج الافتراضي وتخطيط المشاهد واختبار أساليب العمل المختلفة قبل تنفيذ المشروعات، إلى ‏جانب مركز مخصص للتدريب العملي وورش العمل.‏

وأضاف أن تعاون الشركة مع منصة دبي الجنوب للأعمال، المنطقة الحرة، يشمل توفير التقنيات وتنظيم جلسات تدريبية متخصصة لرواد ‏الأعمال، خصوصاً في مجالات صناعة المحتوى وبناء العلامات التجارية.‏

تنوع ثقافي يفرض متطلبات مختلفة

وفي حديثه عن طبيعة السوق الإماراتية، أوضح جوجو أن التنوع السكاني بين المواطنين والمقيمين ينعكس على التفضيلات اللغوية وعادات ‏المشاهدة وأنماط استخدام التكنولوجيا، وهو ما يجعل المرونة وتعدد الخيارات من المتطلبات الأساسية للمستهلكين.‏

وأشار إلى أن المستهلك في الإمارات يتوقع تجربة استخدام مريحة، وخيارات واسعة من المنتجات، إلى جانب سهولة الوصول إليها عبر ‏المتاجر التقليدية ومنصات التجارة الإلكترونية، ما يفرض على الشركات تطوير أساليبها بما يتلاءم مع هذه الاحتياجات.‏

ولفت إلى أن فهم المستهلك لا يقتصر على تحليل قرارات الشراء، بل يمتد إلى كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا داخل المنزل وخارجه، ‏والظروف التي يستخدمون فيها الأجهزة، سواء للعمل أو الترفيه أو إنتاج المحتوى.‏

وأوضح أن التجمعات العائلية والاجتماعية تؤثر في طبيعة استخدام أجهزة الترفيه المنزلي في دول الخليج، فيما تلعب اللغة والاهتمامات ‏بالمحتوى المحلي والإقليمي دوراً في تحديد البرامج التي يبحث عنها المستخدمون وطريقة الوصول إليها.‏

وأكد أن ترجمة واجهات الاستخدام إلى اللغة العربية وحدها لا تكفي لتحقيق التوافق مع احتياجات المستخدمين، مشيراً إلى أن اختبار المنتجات ‏مع أشخاص ناطقين بالعربية قد يكشف عن مشكلات لا يمكن معالجتها من خلال الترجمة فقط.‏

وضرب مثالاً بخاصية البحث الصوتي باللغة العربية، في الأجهزة التي تدعمها، موضحاً أن المستخدم ينبغي أن يتمكن من البحث عن البرامج ‏والمحتوى بلغته المعتادة، وأن يكون الوصول إلى المحتوى العربي والإقليمي بالسهولة نفسها المتاحة للمحتوى العالمي.‏

واعتبر أن نجاح الشركات في التكيف مع الأسواق المحلية يقاس بمدى قدرة المستخدم على الاستفادة من التكنولوجيا دون الاضطرار إلى تغيير ‏عاداته أو أسلوب تعامله معها.‏

تطوير المنتجات

وحول دور المستهلكين في توجيه تطوير المنتجات، قال جوجو إن أبحاث السوق وملاحظات المستخدمين والحوارات المباشرة مع المصورين ‏وصناع الأفلام واللاعبين تساعد الشركة على فهم أولويات الاستخدام اليومي، بما يشمل الراحة وسهولة التحكم وقابلية حمل الأجهزة ومرونة ‏تشغيلها في بيئات مختلفة.‏

وأوضح أن احتياجات صناع المحتوى قد تتركز في خفة المعدات وإمكانية العمل بصيغ متعددة دون التأثير على جودة الإنتاج، بينما يهتم ‏مستخدمو الألعاب الإلكترونية بعوامل أخرى، مثل الراحة وجودة الصوت وتكامل مكونات الأجهزة.‏

وأشار إلى أن أنماط الاستماع إلى الموسيقى والمحتوى الصوتي، خصوصاً لدى الجيل «زد»، تشكل جانباً من دراسة سلوك المستهلكين، إذ ‏تختلف متطلبات الاستخدام أثناء التنقل عنها خلال التجمعات الاجتماعية أو الاستماع الفردي.‏

وأضاف أن التواصل المستمر مع المستخدمين يتيح تحديد الخصائص التي تحظى باهتمامهم والجوانب التي تتطلب تحسيناً، فضلاً عن معرفة ‏المجالات التي تحتاج إلى مزيد من التوجيه أو التدريب العملي.‏

 الاستخدام قبل المواصفات

وفي ما يتعلق بالتوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي في الأجهزة الإلكترونية، أكد جوجو أن سوني تركز على الاستخدامات العملية لهذه ‏التقنيات أكثر من التركيز على المصطلح نفسه، في وقت تتسابق فيه شركات التكنولوجيا على إبراز خصائص الذكاء الاصطناعي ضمن ‏مواصفات منتجاتها.‏

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمثل جزءاً من استراتيجية الشركة للابتكار، لكن أهميته ترتبط بمدى قدرة المستخدم على ملاحظة تأثيره في ‏تجربته اليومية، وليس بمجرد إضافة خصائص تحمل اسم التقنية.‏

وأشار إلى استخدام الشركة تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة التصوير، ومنها كاميرا «ألفا 7 آر 6»، التي تعتمد على وحدة معالجة ‏مخصصة لتحسين التعرف على العناصر المراد تصويرها ومساعدة الكاميرا على تتبعها بدقة أكبر.‏

وأضاف أن سماعات «دبليو إف-1000 إكس إم 6» توظف تقنيات تشكيل الحزم الصوتية وتقليل الضوضاء المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ‏للمساعدة على فصل صوت المستخدم عن الضوضاء المحيطة أثناء المكالمات.‏

وفي مجال الترفيه المنزلي، أشار إلى استخدام تقنيات معالجة الصور في تلفزيونات «برافيا» لتحليل الصورة وتحسينها، إلى جانب خاصية ‏‏«فويس زووم 3»، التي تعتمد على التعلم الآلي للتعرف على الكلام البشري وضبط مستوى الصوت بهدف تحسين وضوح الحوار.‏

ولم يقدم جوجو تقييماً رقمياً للموقع التنافسي للشركة في سوق الذكاء الاصطناعي، لكنه أكد أن معيار التقدم يجب أن يرتبط بحجم الفائدة العملية ‏التي تقدمها التقنية وقدرتها على معالجة مشكلات المستخدمين.‏

وشدد على أن قياس تطور الأجهزة لا ينبغي أن يعتمد على عدد مرات ذكر الذكاء الاصطناعي ضمن مواصفاتها، بل على مدى إسهام هذه ‏التطبيقات في تحسين تجربة الاستخدام، وتسهيل أداء المهام، وتلبية الاحتياجات الفعلية للمستهلكين.‏