ندخل اليوم عرسًا جديدًا بين الموضة والتقنية، عرسًا لا تُعرض فيه الفساتين وحدها، ولا تُقاس فيه الإطلالة باللون والقماش والإطار فقط، بل بما تستطيع القطعة أن تفعله وهي على الجسد. ففي الحدث الأبرز داخل قطاع التقنيات الملبوسة، لم تعد النظارة مجرد إكسسوار يكمّل المظهر، بل أصبحت جهازًا ذكيًا يلتقط ويسمع ويجيب، ثم يعود ليتخفى في هيئة قطعة أنيقة على الوجه.

هنا نلمس تغير الذوق في العصر الحديث كما تتغير الصناعة، فلم تعد التكنولوجيا تأتي إلينا في صندوق بارد أو جهاز ثقيل، بل كغازٍ جديد لخزانة الملابس في إطار نظارة، وساعة، وسماعة، وخاتم. ما كان يُسمى سابقاً "جهازًا ذكيًا" صار اليوم جزءًا من الإطلالة، وبيانًا بصريًا يقول أن المستقبل أصبح يُرتدى.

غزو الجمال

وهذا ما تكشفه نظارات "ميتا" الجديدة، خصوصًا حين تأتي عبر اسم مشهور مثل كايلي جينر، فوجودها في هذه الحملة ليس تفصيلًا تسويقيًا عابرًا. كايلي لا تبيع التقنية بوصفها تقنية فقط، بل تبيعها بوصفها جزءاً من إطلالة وهيبة بصرية.

في الماضي، كانت المنتجات التقنية تحاول أن تبدو ذكية، أما اليوم فهي تحاول أن تبدو جميلة في أمل أن تدخل سوقاً جديداً. ويعد هذا التحول أعمق مما يبدو، لأن الجهاز حين يصبح موضة، لا يعود السؤال: هل أحتاجه؟ بل: هل يليق بي؟ هل يشبه صورتي؟ هل يجعلني أبدو أكثر قربًا من المستقبل؟ من هنا لم تعد النظارات الذكية منتجًا نخبويًا للمهوسين بالتقنية، بل صارت أقرب إلى حقيبة، ساعة، حذاء، أو عطر؛ قطعة تُلبس لا لأنها نافعة فقط، بل لأنها تعلن انتماءً جماليًا ولأنها بيان موضة.

ذكاء الالتفاف

ولهذا كانت شراكة "ميتا" مع "إسيلور لوكسوتيكا" خطوة استراتيجية فارقة، فهذه شركة تقنية تطرق باب واحدة من أكبر إمبراطوريات النظارات في العالم، المالكة لعلامات مثل "راي بان" و"أوكلي". كأن "ميتا" فهمت الدرس الذي لم تفهمه "غوغل" و"سناب شات": لا يمكنك أن تضع جهازًا على وجه الناس وتطلب منهم أن يحبوه إذا لم يكن جميلًا أولًا.

احتكار مطلق

الأرقام الميدانية تؤكد أن المسألة لم تعد هامشية أو مجرد تجربة عابرة. فوفقاً لتقارير مؤسسة الأبحاث العالمية "كاونتربوينت ريسيرش"، قفز نمو قطاع نظارات الذكاء الاصطناعي بأكثر من 250% على أساس سنوي. وتكشف البيانات أن "ميتا" باتت تسيطر بمفردها على 82% من السوق العالمي للنظارات الذكية، مسجلة قفزة سنوية هائلة في شحناتها بلغت 281%، وهي مؤشرات واضحة على خروج هذه الفئة الاستهلاكية من الهامش النخبوي لتتربع على الواجهة الشعبية.

جنون السبعة

وتتطابق هذه القفزة الرقمية مع تقارير مبيعات الصناعة المشتركة ومؤسسة "أومديا"، والتي أكدت أن تحالف "ميتا" و"إسيلور لوكسوتيكا" نجح في بيع وشحن أكثر من 7.4 مليون نظارة ذكية خلال عام 2025 وحده. ولم يعد الأمر مقتصراً على النظارات الشمسية، إذ ساهم إطلاق الموديلات الطبية الشفافة (Optical-First Styles) والموديلات الرياضية الفاخرة مثل "أوكلي ميتا"، والتي شكلت وحدها 30% من المبيعات أواخر العام، في صناعة عادة يومية جديدة: أن نرتدي الذكاء الاصطناعي مع كل إطلالة وفي كل وقت.

انقلاب مالي

وتكشف البيانات المحاسبية الداخلية لشركة "ميتا" عن تحول استراتيجي زلزل أروقة الشركة في كاليفورنيا. فبعد سنوات من الإنفاق الملياري العنيف دون عوائد تذكر على عالم "الميتافيرس" الافتراضي، قررت الشركة رسمياً إعادة توجيه بوصلتها الاستثمارية. وفي خطوة غير مسبوقة، خصصت ميتا 70% من إجمالي نفقات قطاع الأجهزة والملبوسات لعام 2026 لصالح النظارات الذكية وحدها. هذا التحول جاء مدفوعاً بـ "صدمة رقمية" داخل ميزانية عام 2025، حيث تخطت مبيعات النظارات الذكية حاجز 2.15 مليار دولار، لتتفوق لأول مرة في تاريخ الشركة على مبيعات خوذ الواقع الافتراضي "كويست" التي تراجعت مبيعاتها إلى 660 مليون دولار فقط.

في سياق متصل، أكدت مجموعة "إسيلور لوكسوتيكا" في تقريرها المالي الرسمي المجمع للربع الأول من عام 2026 الصادر في أبريل، أن إيراداتها الإجمالية قفزت لتصل إلى 7,127 مليون يورو بنمو قدره 10.8%، مدفوعة بشكل أساسي بالطلب المتفجر والنجاح التجاري المستمر لخطوط إنتاج نظارات الذكاء الاصطناعي الملبوسة في أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا.

إغراق السوق

لم تكن الـ 7 ملايين نظارة التي بيعت سوى مجرد البداية لمعركة فرض السيطرة. إذ تشير وثائق الإنتاج المحدثة إلى أن "ميتا" تخوض حالياً مفاوضات لرفع طاقة التصنيع لتصل إلى ما بين 20 إلى 30 مليون نظارة سنوياً بحلول نهاية عام 2026، متجاوزة بكثير هدفها الأولي السابق الذي كان يقف عند 10 ملايين وحدة. هذه الشراهة الإنتاجية تعكس رغبة "مارك زوكربرغ" في إغراق السوق وتثبيت أقدام شركته كقائد مطلق للموضة الذكية.

حتن سياسة التسعير جاءت هندستها لتخدم هذا التحول الاستهلاكي. فتبدأ نظارات "ميتا" من 299 دولارًا، وتأتي في تشكيلة تجارية هجومية متنوعة من الإطارات والعدسات والألوان، تقول للمستهلك: اختاروا مستقبلكم كما تختارون شكل الإطار. أما نسخة كايلي جينر الحصرية، فتصل إلى نحو 399 دولارًا، وفيها ما يتجاوز المواصفات التقنية الجافة: تصميم بيضاوي نحيف، علبة شحن مدمج بها مرآة رتوش، وصوت كايلي المبرمج داخل المساعد الذكي لتأكيد الانتماء لنمط حياة مخملي.

ترقية مرعبة

واللافت أن هذه النظارات لا تحتاج إلى شاشة صغيرة أو عدسات مجسمة أمام العين كي تبدو "مستقبلية". هي تعتمد ببساطة على كاميرا دقيقة بدقة 12 ميغابكسل، وقدرة على تصوير فيديو فائقة تصل إلى 3K في الطرازات الأحدث، ومكبرات صوت مفتوحة المدى، ومساعد ذكاء اصطناعي يستطيع أن يجيب ويتفاعل فورياً مع ما يراه المستخدم أو يسمعه. لكنها تفعل كل هذا المعقد من داخل شكل مألوف جداً يزن 49 غراماً فقط، وبمعالج "سنابدراغون إيه آر 1 الجيل الأول" (Snapdragon AR1 Gen 1) المتطور.

لتسريع احتلال منصات الموضة، قامت "ميتا" بترقية العتاد الداخلي للنظارة بشكل جذري ليناسب الاستهلاك اليومي المستمر للجمهور؛ حيث ضاعفت عمر البطارية ليصل إلى 8 ساعات متواصلة من الاستخدام العادي (مقارنة بـ 4 ساعات فقط في الطراز الأول)، وهو ما جعلها صالحة للارتداء طوال اليوم كأي نظارة تقليدية دون قلق. كما طورت "ميتا" طرازها الأحدث الفاخر "ميتا راي بان ديسبلاي" (Meta Ray-Ban Display) الذي يدمج لأول مرة شاشة عرض كاملة الألوان داخل عدسة النظارة اليمنى، ورغم تسعيرها المرتفع الذي يصل إلى 800 دولار، إلا أنها واجهت طلبًا غير مسبوق ونفاذاً كاملاً للمخزون في الأسواق.

فخ الخصوصية

لكن حين تصبح الكاميرا موضة يومية، تظهر بالضرورة أسئلة حقوقية جديدة. ماذا يحدث للخصوصية البشرية حين تصبح أداة التسجيل مثبتة على الوجه وموجهة للعين؟ ماذا يحدث للمكان العام المشترك حين لا نعرف إن كانت النظارة العابرة أمامنا تنظر فقط أم تحفظ وتحلل كل ما تراه؟

تقول الشركات التقنية طمأنةً للمجتمعات إن هناك ضوءاً ليد (LED) مرئياً يشتعل تلقائياً عند التسجيل، وهناك أنظمة أمان تمنع العبث به، لكن القلق الإنساني لن يختفي بسهولة.. لأن غواية الموضة والجمال تجعل الأشياء دائماً مقبولة اجتماعيًا ومرحب بها في البيوت وعلى الوجوه، قبل أن نفهم أثرها وجمرها كاملاً.