تصدّر تأثير الذكاء الاصطناعي على العالم المادي والخدمات العامة محاور النقاش في اليوم الثاني من فعاليات قمة ومعرض عالم الذكاء الاصطناعي "أبوظبي 2026".
وتحدث المشاركون من الرواد العالميين وقادة الحكومات، وكبار المسؤولين، حول المتطلبات اللازمة لتوظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي يزداد تطورها وقدراتها، بصورة آمنة ومسؤولة، عبر قطاعات حيوية، بدءاً من التصنيع ووصولاً إلى الخدمات الحكومية والتعليم.
واستعرض مارك رايبرت، المدير التنفيذي لمعهد "RAI" ومؤسس "بوسطن ديناميكس"، الشركة الأمريكية الرائدة في مجال الروبوتات، مسار تطور جيل جديد من الروبوتات والدور المتنامي للروبوتات الشبيهة بالبشر في مختلف قطاعات الصناعة والحياة اليومية.
وسلطت النقاشات الضوء على التحول المتسارع نحو تبني الذكاء الاصطناعي المادي، وقدرته الكامنة على إعادة تشكيل أنماط حياة الناس وطرق عملهم، في ظل توقعات بحث عالمي أجراه معهد "بنك أوف أمريكا" بأن تشهد شحنات الروبوتات الشبيهة بالبشر قفزة هائلة من 90 ألف وحدة في عام 2026، إلى 10 ملايين وحدة بحلول عام 2035.
وقال رايبرت: "يمثل الروبوت الشبيه بالبشر تحدياً مذهلاً، حيث يشبه تسلق قمة إيفرست في مجال الروبوتات، إيماني بوجود نهضة كبيرة في مجال "التعلم بالتعزيز" ما يتيح للروبوتات مستوىً مذهلاً من القدرة على الحركة".
وأضاف: "تُشكل البنية المادية للروبوت وتصميمه جزءاً مهماً من مستقبل الروبوتات والذكاء الاصطناعي المادي، فإذا أردتَ تمكين روبوت من التواصل مع إنسان، فإن أسهل طريقة لتحقيق ذلك هي استخدام نموذج لغوي ضخم ليكون وسيطاً بينهما، ونعمل حالياً على استكشاف سبل استخدام النماذج اللغوية الضخمة لتعليم الروبوت ما يجب عليه فعله، آملين في الاستفادة من المستويات المتقدمة للذكاء الاصطناعي".
كما أكدت القمة حقيقة أخرى تزداد وضوحاً، والتي تتمثل في أن بناء قدرات وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي يتطلب من الحكومات تزويد كوادرها البشرية بالمهارات اللازمة لتحويل الطموحات التكنولوجية إلى أثر ملموس على أرض الواقع.
واستعرضت سعادة مريم المشرخ، مدير عام المواهب الحكومية في دائرة التمكين الحكومي - أبوظبي، رؤى وتجارب حول جهود الإمارة لإعداد كوادر مؤهلة وجاهزة للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي.
وقالت سعادة مريم المشرح: "يتجلى هدفنا في أن نصبح أول حكومة قائمة في جوهرها على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027، ولتحقيق ذلك، يتعين علينا التركيز على كوادرنا البشرية أولاً، حيث قمنا بتدريب 30 ألف موظف حكومي في مجال الذكاء الاصطناعي، محققين نسبة إنجاز بلغت 95%، وذلك من خلال الحرص على توضيح فوائد هذه التقنية للموظفين وتصميم برامج تدريبية تتناسب مع أدوارهم وأولوياتهم".
وأضافت: "يمكن للذكاء الاصطناعي تولي المهام المتكررة والإجرائية، ما يتيح للموظفين وقتاً أكبر للتركيز على التفكير النقدي، وإصدار الأحكام، وحل المشكلات، والتفكير الاستراتيجي. وتُعد المعرفة بالذكاء الاصطناعي المهارة الأهم في الوقت الراهن، لذا نحرص على ضمان حصول الجميع على التدريب اللازم".
وتناول سعادة الأستاذ الدكتور إبراهيم الحجري، رئيس جامعة خليفة، ضرورة تطور التعليم في ظل إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للمهارات التي سيتطلبها سوق العمل في المستقبل.
وتركز النقاش حول الدور المتنامي للجامعات في إعداد الطلاب لمستقبل تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع الحرص في الوقت ذاته على بقاء الحكم البشري والإبداع والحكمة ركائز أساسية في عمليتي التعلم والتطوير.
وقال الحجري: "في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي وتوفر المحتوى، لم نعد نرى أن المعلم هو المصدر الوحيد للمعرفة، حيث يتحول دوره إلى مُنظِّم ومُوجِّه للعملية التعليمية داخل الفصل الدراسي، ويساعد الطلاب على تطبيق النظريات والمعارف التي اكتسبوها في مواجهة تحديات العالم الواقعي".
وأضاف: "في جامعة خليفة نصمم مناهجنا الدراسية بما يخدم إعداد الخريج الذي نطمح إليه، إذ يتمتع بالاستقلالية والإبداع والابتكار وروح ريادة الأعمال، وألا يقتصر دوره على البحث عن وظائف فحسب، بل يتعدى ذلك إلى إحداث فرص عمل جديدة، وإلى جانب المهارات التقنية المتعمقة، نؤمن بأهمية التحلي بصفات جوهرية مثل الأخلاقيات، والقيادة، والفضول المعرفي، والتعاطف، والتواضع، والمرونة، ومهارات التواصل، فضلاً عن القدرة على مواصلة التعلم مدى الحياة".
كما استعرضت شركة "ألف للتعليم"، التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها، كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي عبر مختلف مكونات منظومة التعليم لمعالجة تحديات تعليمية واقعية وتحقيق أثر ملموس، بدءاً من تبسيط عمليات التصحيح وتقديم الملاحظات، وصولاً إلى دعم مسارات التعلم المخصصة لكل طالب، بالإضافة إلى تقديم منهج دراسي متخصص في الذكاء الاصطناعي يهدف إلى بناء المعرفة والوعي بهذه التقنية لدى الطلاب باللغتين العربية والإنجليزية.
ويعمل برنامج "مسارات ألف"، الذي أطلقته الشركة، وقدم الدعم لأكثر من 100 ألف طالب، على تكييف المحتوى التعليمي بما يتناسب مع الاحتياجات الفردية للطلاب، مع تزويد المعلمين برؤى فورية حول مستوى التقدم وفجوات المعرفة لديهم.
وقال جيفري ألفونسو، الرئيس التنفيذي في شركة "ألف للتعليم": "مع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم والحياة اليومية، يتعين على الطلاب تجاوز مجرد معرفة كيفية استخدام هذه التقنية؛ وسيحتاجون إلى فهم آليات عملها، وتقييم مخرجاتها بشكل نقدي، وإدراك حدود قدراتها، واتخاذ قرارات مدروسة بشأن توقيت وكيفية استخدامها".
وقدمت شركة مشاريع جامعة خليفة مجموعة من المشاريع والمبادرات القائمة على الذكاء الاصطناعي، والتي تهدف إلى تقديم حلول لتحديات واقعية في قطاعات متعددة تشمل الرعاية الصحية، والعمل الحكومي، والصناعة، والاستدامة، وقطاع الأعمال، في إطار الربط بين الأبحاث الجامعية والتطبيق التجاري.