قبل سنوات قليلة، كان السؤال الذي يشغل شركات التكنولوجيا: من يملك أفضل نموذج ذكاء اصطناعي قادر على الإجابة عن أسئلتك؟ في خريف 2026 تغير السؤال جذرياً، فلم تعد المعركة حول من يجيب بصورة أفضل، بل من يستطيع أن يعمل بدلاً منك، وربما من دون أن تطلب منه في كل مرة.
خلال ثلاثة أسابيع فقط، أطلقت «ميتا» وكيلها الشخصي «ميوز» في 8 سبتمبر، ثم أطلقت «أوبن إيه آي» «دوتس» في 29 سبتمبر؛ جيل جديد من وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكنه متابعة هدف لساعات أو أيام، واستخدام المواقع والتطبيقات وقراءة البريد ومتابعة المشروعات، ثم العودة إلى المستخدم عند الحاجة إلى قرار.
«شات جي بي تي» و«ميتا إيه آي» وجيل روبوتات المحادثة الأول كانت في الأساس واجهات للمعلومات، أما ميوز ودوتس فيحاولان أن يصبحا واجهتين للحياة الرقمية نفسها.
من السؤال إلى التنفيذ
عندما تطلب من روبوت محادثة تقليدي التخطيط لرحلة، يقدم لك اقتراحات للفنادق والرحلات والبرنامج. الوكيل الجديد يفترض أن يبحث ويقارن ويفتح المواقع ويرتب المواعيد ويتابع المهمة، ولا يعود إليك إلا عندما يحتاج إلى موافقتك.
«ميتا» تصف ميوز بأنه وكيل شخصي يتولى المهام والمشروعات ويواصل العمل في الخلفية، داخل كمبيوتر افتراضي سحابي مخصص للمستخدم.
ودوتس يعتمد الفكرة نفسها تقريباً، إذ يمتلك كل «دوت» كمبيوتر ومتصفحاً سحابياً، ويمكنه إدارة مشروعات عدة بالتوازي. وتقول أوبن إيه آي إن منظومة الإضافات تتيح له الاتصال بأكثر من 4 آلاف تطبيق.
بمعنى آخر، بدلاً من أن ينتقل المستخدم بين البريد والمتصفح والتقويم والتطبيقات، يحدد هو الهدف، بينما يتحرك الوكيل بين هذه الخدمات نيابة عنه.
ميوز.. قوة تبدأ من المستخدم العادي
أكبر أسلحة ميوز قد لا يكون النموذج الذي يشغله، بل المكان الذي تبدأ منه «ميتا».
فميوز صُمم ليشبه المحادثة مع شخص آخر، ويمكن الوصول إليه عبر تطبيقه أو «واتساب»، فيما تربطه «ميتا» تدريجياً بفيسبوك وإنستغرام وخدمات التسوق والنظارات الذكية.
وهذه ميزة مهمة، لأن المنتج التكنولوجي لا ينتصر دائماً لأنه الأكثر ذكاءً، بل لأنه الأقرب إلى المستخدم.
وقدرت «سنسر تاور» تنزيلات ميوز بنحو 2.8 مليون مرة خلال أول أسبوعين، وفقاً لـ«رويترز»، قبل أن تتجاوز التقديرات 3.4 ملايين تنزيل بحلول 25 سبتمبر.
في المقابل، تتجه «أوبن إيه آي» من بوابة مختلفة.
فدوتس لا يركز فقط على شراء منتج أو حجز رحلة، وإنما على نقل مشروعات برمجية، وتحليل بيانات، وتعديل مقترحات العمل، ومتابعة أخطاء البرامج وإنتاج المواد المرتبطة بالمشروعات.
كما يتصل بـ«شات جي بي تي» و«سلاك» و«تيمز»، فيما تعمل أوبن إيه آي مع «مايكروسوفت» على دمج الوكلاء المتخصصين داخل أنظمة المؤسسات.
وهنا يظهر الفرق بوضوح: ميوز يبدأ من الإنسان ويتحرك نحو العمل، فيما يبدأ دوتس من العمل ويتوسع نحو الإنسان.
حتى نموذج الإطلاق يعكس ذلك؛ ميوز متاح مجاناً، بينما بدأ دوتس مع الخطط الاحترافية وخطط الأعمال والمؤسسات.
من الأقوى تقنياً؟
دوتس يعمل بنموذج «جي بي تي-6 أسترا»، بينما يعتمد ميوز على «ميوز سبارك 1.3»، وتشير اختبارات «أرتيفيشال أناليسس» إلى أفضلية عامة لأسترا في المؤشر الإجمالي وبعض اختبارات الأتمتة؛ إذ سجل 53 نقطة مقابل 48 لميوز سبارك.
لكن النتيجة ليست حاسمة، إذ تقدم ميوز في بعض اختبارات المهام المهنية والعلوم والسياق الطويل.
والأهم أن قياس النموذج لا يساوي بالضرورة قياس الوكيل الكامل، لأن الأداء يعتمد أيضاً على المتصفح والذاكرة والصلاحيات والأدوات وسرعة التنفيذ والقدرة على التعافي من الأخطاء.
ميوز يعرف عالمك
إذا كان دوتس يمتلك منظومة واسعة من أدوات العمل، فإن ميوز يمتلك ميزة يصعب تكرارها: منظومة «ميتا» نفسها.
إنستغرام يعرف ما تشاهده، وفيسبوك يمتلك شبكتك الاجتماعية، وواتساب جزء أساسي من اتصالات ملايين المستخدمين.
ومع ذاكرة طويلة المدى تحفظ التفضيلات والالتزامات، يمكن للوكيل تخصيص أفعاله بصورة أكبر.
لكن هذه الميزة تحمل الخطر نفسه: كلما عرف الوكيل عنك أكثر أصبح أكثر فائدة، وفي الوقت نفسه أصبحت تكلفة الخطأ أكبر.
«ميتا» وضعت ميوز داخل آلة افتراضية منفصلة مع طبقة أمنية تتحكم في وصوله إلى الإنترنت والخدمات، لكن الواقع قدم تحذيرات مبكرة.
ففي 25 سبتمبر، أفادت «رويترز» بأن باحثاً أمنياً اكتشف ثغرة كان يمكن أن تسمح بالوصول إلى الجهاز الافتراضي للمستخدم وما يحتويه من بريد وملفات قبل معالجة المشكلة.
كما ظهرت واقعة أعطى فيها ميوز عنوان منزل مستخدم إلى مشترٍ عبر «فيسبوك ماركت بليس» بعد حصوله على صلاحية إدارة المحادثات.
القضية هنا أعمق من الاختراقات التقليدية: متى تتحول الصلاحية العامة التي يمنحها المستخدم إلى إذن بفعل لم يكن يتوقعه؟
وهل دوتس أكثر أماناً؟
دوتس يمتلك أيضاً كمبيوتر سحابياً منفصلاً، ويمكن للمستخدم تحديد التطبيقات التي يصل إليها ووضع قواعد للأفعال المسموح بها، بينما تبقى عمليات حساسة مثل تغيير كلمات المرور بيد المستخدم.
لكن اختبارات أوبن إيه آي نفسها أظهرت أن المشكلة لم تحسم؛ إذ رصدت مخالفات متوسطة لحدود الصلاحيات وصلت في بعض السيناريوهات إلى 19.7% مع زيادة تعقيد المهام.
وهنا يظهر تحدي الوكلاء الحقيقي: ليس المطلوب أن يعرف النظام ما يستطيع فعله فقط، بل ما يحق له فعله.
الإنترنت قد يقاوم الوكلاء
التحدي الآخر أن المواقع نفسها ليست ملزمة بالسماح للوكلاء باستخدام خدماتها، وظهرت علامة مبكرة عندما منعت «أمازون» ميوز من استخدام متجرها، معتبرة أن الوصول الآلي يخالف شروط الاستخدام.
وهنا تتحول القضية إلى صراع اقتصادي، إذا قلت للوكيل: «اشتر لي أفضل تلفزيون بهذا السعر»، فمن يتحكم في قرار الشراء؟ أمازون؟ محرك البحث؟ الشركة المصنعة؟ أم الوكيل الذي يختار ما يعرضه عليك؟
الوكيل قد يصبح بوابة جديدة بين الشركات والمستهلك، وربما يقلل أهمية الإعلانات ونتائج البحث التقليدية.
من يملك «طبقة القرار»؟
محرك البحث أصبح وسيطاً بين المستخدم والموقع، والسوشيال ميديا جعلت الخوارزمية وسيطاً بين الجمهور والمحتوى.
الوكلاء قد يذهبون خطوة أبعد: اتخاذ خطوات نيابة عن المستخدم قبل أن يرى الخيارات أصلاً.
إذا طلبت من ميوز أو دوتس ترتيب رحلة بميزانية معينة، فقد يبحث الوكيل في عشرات المواقع ويعرض عليك خيارين فقط.
وهنا تنتقل القوة من الشركة التي تحتل نتيجة البحث الأولى إلى الشركة التي يستطيع الوكيل الوصول إليها والثقة في بياناتها واختيارها.
الصحافة في قلب المعركة
الأثر على الإعلام قد يتجاوز استخدام الصحفي للذكاء الاصطناعي في الكتابة والتلخيص، ومعهد رويترز لدراسة الصحافة وجد أن 75% من القيادات الإعلامية التي شملتها دراسة توقعوا تأثيراً كبيراً أو كبيراً جداً للتطبيقات الوكيلة في قطاع الأخبار، فيما تتوقع المؤسسات المشاركة انخفاض زيارات محركات البحث بنحو 43% خلال ثلاث سنوات.
السبب واضح، قد تقول لدوتس صباحاً: راجع ما حدث في التكنولوجيا خلال الليل، اقرأ المصادر، وقارن بينها، .وأعطني أهم خمس قصص
الوكيل قد يقرأ عشرات المواقع، لكن المستخدم نفسه لا يفتح أياً منها، وبذلك تدفع الصحيفة تكلفة إنتاج المعلومة والتحرير والتحقيق، بينما يصل الناتج النهائي إلى القارئ عبر وسيط جديد.
ولهذا بدأت مؤسسات الإعلام بالفعل في الاستعداد. فقد أطلقت «رويترز» خادماً يعتمد «موديل كونتكست بروتوكول»، يسمح للوكلاء المعتمدين بالبحث داخل محتواها واستخدامه داخل سير العمل الآلي.
وقد يظهر هنا مفهوم جديد بجانب تحسين محركات البحث: تحسين المحتوى للوكلاء، فكيف تجعل الوكيل يعتبر مؤسستك المصدر الأكثر موثوقية؟ وكيف تضمن الإسناد؟ وكيف تحصل المؤسسات على مقابل عندما يكون «القارئ» برنامجاً يعمل نيابة عن الإنسان؟
من الأقوى الآن؟
المقارنة تعتمد على معيار القوة.
في الانتشار والوصول إلى المستخدم العادي، يمتلك ميوز ميزة واضحة بفضل واتساب وإنستغرام وفيسبوك ومنظومة ميتا.
وفي العمل الاحترافي وربط أدوات الشركات، يدخل دوتس بمنظومة أوسع من التطبيقات والتكامل مع أدوات المؤسسات.
أما في ذكاء النموذج الخام، فتميل الاختبارات المتاحة إلى أسترا إجمالاً، لكن الفروق تختلف بين المهام.
وفي الأمان، لا يوجد حسم حتى الآن؛ كلا النظامين يملك طبقات حماية متقدمة، وكلاهما يواجه مشكلة تحديد حدود التفويض عندما تصبح المهام أطول وأكثر تعقيداً.
المستقبل.. نهاية «افتح التطبيق»؟
قد يتجه ميوز إلى أن يصبح وكيل الحياة الشخصية: المشتريات والمواعيد والسفر والتواصل والمحتوى، بينما يمكن لدوتس أن يصبح وكيل العمل والمعرفة: المستندات والبرمجة والبيانات والاجتماعات والمشروعات.
لكن كلاً منهما يتحرك بالفعل نحو منطقة الآخر، والتحول الأكبر قد يكون نهاية فكرة أن المستخدم يحتاج إلى فتح تطبيق لكل مهمة.
بدلاً من فتح البريد والتقويم والمتصفح والمستندات وتطبيق المراسلة، قد تقول فقط: جهز الموضوع - تابع القصة أو خطط للرحلة، ثم تعمل التطبيقات والمواقع والنماذج خلف الستار.
وعندها لن تكون معركة ميوز ودوتس حول من يقدم أفضل إجابة، بل حول سؤال أكبر: أي نظام ستثق فيه بما يكفي لتسمح له بأن يتصرف نيابة عنك؟ وبالنسبة إلى الصحافة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما يصبح أهم قارئ للمقال.. ليس إنساناً، بل وكيل الإنسان؟