لم يكن صعود "Duck Duck Go" في الأيام الأخيرة مجرد خبر تقني صغير عن تطبيق زادت تحميلاته. كان، في جوهره، تصويتاً صامتاً من المستخدمين ضد إحساس جديد بدأ يتسلل إلى تجربة البحث: أن الإنترنت لم يعد يُعرض عليهم كما يريدون، بل كما تريد الخوارزميات أن تشرحه لهم.

بعد مؤتمر غوغل 2026، أعلنت الشركة تصوراً أكثر جرأة لمحرك البحث، يقوم على دمج أعمق للذكاء الاصطناعي في النتائج، من الإجابات المولدة إلى المحادثات اللاحقة والبحث الأكثر استباقية. بالنسبة إلى الشركة، هذه هي الخطوة الطبيعية التالية في تاريخ البحث. أما بالنسبة إلى شريحة من المستخدمين، فهي لحظة فقدان للسيطرة.

وفقاً لـ"تيك كرانش"، ارتفعت تثبيتات تطبيق "Duck Duck Go" في الولايات المتحدة بعد إعلان غوغل، إذ زادت بمتوسط 18.1% أسبوعياً بين 20 و25 مايو، وبلغت ذروتها عند 30.5% في 25 مايو. وعلى أجهزة iOS كان الارتفاع أكبر، إذ وصل إلى نحو 69.9% في ذروته. هذه الأرقام لا تعني أن غوغل فقدت عرش البحث، لكنها تكشف أن شيئاً ما انكسر في العلاقة بين المستخدم ومحركه القديم.

المفارقة أن "Duck Duck Go" لا يبيع نفسه اليوم كعدو للذكاء الاصطناعي. الشركة نفسها تقدم أدوات ذكاء اصطناعي اختيارية، لكنها تراهن على كلمة أصبحت نادرة في زمن المنصات الكبرى: الاختيار. فمن خلال محرك البحث، يستطيع المستخدم البحث من دون ميزات الذكاء الاصطناعي، مع إيقاف الإجابات المولدة والمحادثات الذكية وتصفية الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي قدر الإمكان.

وهنا يكمن جوهر القصة. الغضب ليس موجهاً إلى الذكاء الاصطناعي وحده، بل إلى طريقة فرضه. المستخدم لا يرفض أن تساعده الآلة، لكنه يرفض أن تتحول المساعدة إلى وصاية. يريد أن يسأل ويرى الروابط بنفسه، لا أن يتلقى ملخصاً جاهزاً يسبقه إلى النتيجة ويختار له ما يستحق القراءة.

وقالت "Duck Duck Go" إن الزيارات إلى نسختها الخالية من الذكاء الاصطناعي ارتفعت بمتوسط 22.7% في الفترة نفسها. كما ذكرت تقارير لاحقة أن حركة المرور إلى الصفحة تضاعفت ثلاث مرات بعد توسع غوغل في البحث الذكي. هذه ليست ثورة كاملة، لكنها علامة واضحة على أن جزءاً من الجمهور يريد العودة إلى بحث أبسط، أقل تدخلاً، وأكثر شبهاً بالإنترنت كما عرفه.

بالنسبة إلى غوغل، الذكاء الاصطناعي هو مستقبل البحث؛ أسرع، أكثر تلخيصاً، وأكثر قدرة على التعامل مع الأسئلة المركبة. لكن بالنسبة إلى المعترضين، الخطر أن يصبح البحث أقل شفافية. فالروابط الزرقاء القديمة، رغم فوضاها، كانت تمنح المستخدم خريطة. أما الإجابة المولدة فتمنحه طريقاً واحداً يبدو واثقاً، حتى عندما يكون ناقصاً أو منحازاً أو غير دقيق.

لهذا ينجح "Duck Duck Go" الآن في تحويل نفسه من بديل للخصوصية فقط إلى بديل للسيطرة. لم يعد شعاره الضمني: نحن لا نتتبعك فحسب، بل أصبح أيضاً: نحن لا نفرض عليك طريقة واحدة في المعرفة. وهذه النقطة مهمة في زمن تتسابق فيه الشركات الكبرى إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في كل منتج، أحياناً قبل أن يسأل المستخدمون إن كانوا يريدونه أصلاً.

ربما لا يريد المستخدمون العودة إلى إنترنت قديم بالكامل، لكنهم يريدون شيئاً بسيطاً: زر اختيار. أن يقولوا نعم للذكاء الاصطناعي عندما يحتاجونه، ولا عندما يريدون أن يروا العالم بأنفسهم، رابطاً بعد رابط.