ظفرت به الحياة هوناً، فأبى الموت إلّا أن يكون له من المجد نصيب.. نيلسون مانديلا أعظم حكايا التاريخ عن نضالات القرن العشرين، أدخل في قاموس الأسفار فقه «دفن الكواكب».. غار في الثري وما زالت مآثره تعانق عنان السماء.

وبين مسيرة الموت والحياة، طفل غازل الضوء ناظريه في العام 1918، اسمه دوليهلاهلا، التصق به اسم نيلسون، عبر إحدى معلماته في إحدى القرى في منطقة ترانسكي، تدعى مفيزو، والده زعيم قبيلة لم تدم سيادته طويلاً، إذ وقع ضحيّة حكم ظالم لسيّد أبيض أفقده الثروة ومرموق المكانة.. رحل الأب إلى الأبد، والطفل الغض لم يتجاوز التاسعة من العمر بعد، ليتولى أمره وصي.

 أول تمرد

تدرّج نيلسون مانديلا في مراحل التعليم، فحاز شهادة متوسطة وركب قطار الجامعة، بيد أنّه ترجّل قبل الأوان، نتيجة التمسّك بالمواقف، والصدام مع رئيسها، إذ لم يكن أكثر من «مستبد أبيض» في ناظري مانديلا.

«جنتلمان إنجليزي» أقصى أماني مانديلا والنظام البرلماني الغربي «قمّة الديمقراطية» في عينيه، فلم تكن أفكاره قد تبلورت بعد. عاش حينها منبهراً بنمط الحياة الإنجليزي، إلى أن هرب من مقاطعته إلى جوهانسبرغ وصخبها، لتلافي مصير حاول وصيه إيقاعه فيه بتزويجه من فتاة اختارها له، فكان التمرّد أول «لا» قالها مانديلا، ربما مهّدت لبروز شخصية عنيدة.

حياة شقاء وبؤس يحياها كثير من ملوّنين أفارقة وهنود، فتح مانديلا عينيه عليها، وسياسة تمييز عنصري بغيض، أشرعت الأبواب أمام المحرّمات: أن تدخل من باب البيض، أن تركب حافلة البيض، أن تستعمل صنبور البيض، أن تسير على شاطئ البيض، أن توجد في الشارع بعد الحادية عشرة مساء، وألّا تحمل دفتر تصاريح، وأن يكون هناك توقيع خطأ في الدفتر، وأن تكون عاطلاً، وأن تصل في المكان الخطأ، وأن تسكن في المكان الخطأ، وألا يكون لك سكن وغيرها كثر.

النضال والتضحية

لم يجد مانديلا في المدينة أكثر من منجم للعمل، فعاش أياماً صعبة أذاقته المرارات، مثل الآلاف من بني جلدته، تخرّج في الجامعة وفي يديه إجازة الحقوق، فصار محامي الفقراء والمدافع الأول عن السود. ولج باب السياسة، عبر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، فأصبح أحد أبرز رموزه، تنقّل بين مناطق بلاده، ولج في صراعات مع السلطات، لا سيّما بعد دعوات الإضراب والعصيان المدني.

أضحى نيلسون أحد وجوه النضال، ضد نظام التمييز العنصري «الآبار تيد»، ما حوّله إلى مطلوب من قبل السلطات. يروي عن نفسه: «صرت مخلوقاً ليلياً لا أخرج لعملي إلا في الظلام، وفي الأساس كنت أعمل في جوهانسبرغ، لكنني كنت أسافر إذا استدعى الأمر. كنت أقيم في شقق خالية، وفي منازل الآخرين، وفي أي مكان يمكن أن أكون فيه وحيداً وغير مرئي....

وعندما كنت أعيش مختبئاً كنت لا أسير طويلاً معتدل القامة، وكنت أتكلم بصوت خفيض من دون وضوح أو تميز، وكنت لا أسأل عن أي شيء، بل كنت أترك الآخرين يخبرونني عما أعمل، وكنت غالباً ما أتخفى كسائق أو طباخ أو بستاني، وكنت أرتدي الزي الأزرق، أو زي لعمال الزراعة».

رأى مانديلا في الأفريقية حلّاً لأزمات العنصرية، ليس في جنوب أفريقيا فقط، بل وفي القارة بأكملها، بعد أن كان يهيم في حب النهج الغربي؛ الحضارة والثقافة، باعتباره طوق النجاة. هرب من بلاده والتقى زعماء دول تناضل للتحرّر والنهوض، زار السودان وإثيوبيا، وتعرّف إلى تجارب المقاومة في الجزائر، ورأى نضالات المغرب من ثوارها، وتنقّل بين البلدان، وصولاً إلى مصر بحضاراتها ومشروع الراحل جمال عبد الناصر.

جذوة الكفاح

سنوات طوال من التخفّي ودخول البلاد والخروج منها سرّاً ومطاردة المخابرات، وقع بعدها في قبضة السلطات، زي قبيلته، الذي دخل به إحدى جلسات المحاكمة، استفزّ السلطات فصادرته واستمرت الجلسات فترة طويلة، حكم على مانديلا بعدها بالسـجن مدى الحياة. بعدها بلغت سيرة مانديلا الآفاق، فلم تترك بقعة إلّا ووصلتها، نقلت صحف عدة دفاعه عن النفس..

ومهاجمة النظام العنصري، وتسبّبه في مآسي الشعب، نقلت عنه التوضيح بأنّ القضية ليست في كره البيض، إنّما العمل على خلق وطن ديمقراطي يعيش فيه الجميع معاً في سلام وعلى قدم المساواة. بقيت قناعاته على حالها، ما أدى بـ«المؤتمر الوطني» لاتباع وسائل مقاومة عنيفة.

كأفضل العظماء، وقف مانديلا في وجه مصادرة الحرّية، ولم تنل من عزيمته الممارسات القمعية، فأعلن الاستعداد لمواجهة الموت في سبيل التحرّر، ومن غياهب السجن وظلمته، ظلّت جذوة الكفاح مشتعلة.

متمرّد حتى داخل المعتقل.. لم تسقط الراية.. رفض الزي الموزّع على السود من السجناء، كالشورتات القصيرة، التي تظهرهم كصبيان فاقدي الأهلية، لم تقبل إدارة السجن تذمر مانديلا، فزجّت به في الحبس الانفرادي، لم ينل ذلك من عزمه أيضاً، فمضى رافضاً استبداد السجانين، عبر العمل على تحسين أحوال السجناء، مرة مع الطعام، وأخرى مع تخفيف العمل، وثالثة في توفير ظروف تليق بالإنسانية.

ضاق الخناق على مانديلا ورفاقه عبر السلطات، بفرض أعمال بالغة الصعوبة أهونها تفتيت الصخر والعمل في المحاجر والنوم في غرف رطبة والطعام السيئ، والعزل عن العالم، ومنع الزيارات وتمزيق رسائل الأهل، ومضايقات أخرى، اتبعها السجانون لإجباره على التخلّي عن القضيّة، ونسيان ما يدور في جنوب أفريقيا أكبر سجون العنصرية.

هي ليست فترة عابرة.. 27 عاماً قضاها مانديلا، أشهر رموز الكفاح ضد العنصرية في السجن. لم ينس رد المعروف لأهله، ولم يتنكّر حتى لبعض فضائل السجّانين على قلتها، فلم يتردّد في ذكر تعاطف أحدهم بتخفيف وطأة المحبس، بتمرير صحف أو أوراق أو بعض طعام أو ملابس.

السجين الرمز

ولأن في نهاية كل نفق مظلم بقعة ضوء، حملت نهاية الثمانينيات تصاعد الاحتجاجات خارج السجن في ساحات البلاد، وتعالت أصوات الزعماء والقادة المطالبين بإطلاق سراح مانديلا، وهو ما أجبر رئيس جنوب أفريقيا على التفاوض مع السجين الرمز، مشترطاً التخلّي عن النهج القديم والإدانة لما يقوم به مناصرو «المؤتمر الوطني»، رفض الزعيم المناضل، مجبراً السلطات على الجلوس والتفاوض من دون تنازلات من جانبه.

عام 1990 تحوّل الحلم إلى حقيقة ماثلة تراها الأعين، خرج الزعيم الملهم نيلسون مانديلا من السجن، واستقبل كما الأبطال، علا صوته في المنابر مخاطباً الشعب في كل المدن والأرياف، ذُهل السجانون من رجل لا تلين له قناة، بعد أن ظنّوا أن السجن أوهن عزيمته. فاجأ مانديلا الجميع بإعلانه استمرار نهج المقاومة إلى حين القضاء التام على نظام التمييز العنصري..

لينعم الكل بالمساواة والكرامة الإنسانيتين، معلناً الاستعداد للذهاب مرّة أخرى إلى السجن، من أجل تحقيق الحلم الأكبر، باستكمال مسار الحرّية، التي أفنى من أجلها زهرة الشباب. وداعاً نظام الفصل العنصري «الآبار تيد»، نعم كانت شمس جنوب أفريقيا مختلفة في ذلك الصباح، اعترفت السلطات مرغمة غير مختارة بالمؤتمر الوطني، وفكّ الحظر عن أعضائه، والإفراج عن المسجونين السياسيين.