يواصل الألماني فرانز بكنباور كتابة مقاله الإسبوعي لـ«البيان الرياضي» والذي يحلل فيه مباريات كأس العالم المقامة حالياً في البرازيل والتي تدخل اليوم دور الثمانية، بعد أن تناول في الأسبوع الماضي بالتحليل منافسات دور المجموعات، ويتناول اليوم مستوى منتخبات دور الـ16، والخطط التدريبية للمدربين، وبالتبعية قراءة تأثير ذلك على دور الثمانية الذي ينطلق اليوم، ومع تفاصيل المقال:
«بعد انتهاء منافسات دور المجموعات ببطولة كأس العالم الحالية بالبرازيل، أشدت بالسرعة الكبيرة وأسلوب اللعب الهجومي الشجاع اللذين شهدتهما مباريات ذلك الدور. ولكنني أيضا توقعت أن تتولى الخطط التدريبية زمام الأمور في دور الـ16.
الخطط التدريبية
وهذا الأمر تحقق بالفعل مع بعض المنتخبات، ولكن ماذا عن باقي المنتخبات الـ16 الأخرى؟ فقد ظلت السرعة الكبيرة سمة مميزة لهذه المنتخبات، وكذلك الخطط الهجومية. والأهم من ذلك، أن العديد من المباريات تحددت نتائجها في الدقائق الأخيرة من عمرها. فيما امتدت خمس مباريات من إجمالي ثماني مباريات بدور الـ16 إلى الشوطين الإضافيين.
وتم الاحتكام إلى ضربات الجزاء الترجيحية في اثنتين من هذه المباريات الخمس. وفي بطولات كأس العالم السابقة، كانت مباريات دور الـ16 ترسم خطوطا واضحة لتفصل بين الفرق وفقا لمستواها. ولكن في البطولة الحالية، نجحت منتخبات مثل كوستاريكا وكولومبيا في الوصول إلى دور الـ16.
استعدادات مكثفة
مازلت أرى أن منتخبات أميركا الجنوبية استعدت بشكل خاص ومكثف لهذه البطولة، بل إن هذه الاستعدادات كانت بالغة التكثيف لدرجة أن البرازيل المعروفة بسيطرتها المعتادة فازت بصعوبة بضربات الجزاء الترجيحية على تشيلي، وعليها الآن أن تأخذ حذرها أثناء استعدادها لمواجهة كولومبيا. فقد ذرف البرازيليون.
ومن بينهم نيمار، دموع الارتياح والانفعال عقب الفوز على تشيلي. وقبل مباراتهم بدور الثمانية أمام كولومبيا، ربما يجب على البرازيل مراجعة أسلوب أدائها من جديد. فمعظم لاعبي الفريق البرازيلي يتمتعون بالمهارات الفردية، ولا تحيا البرازيل على اللعب الجماعي، وإنما على المستوى الرائع للاعبيها الفرديين.
ولكن إذا أردت أن تصبح بطلا، فهنا يكون مستوى الفريق ككل وليس اللاعبين كأفراد هو العنصر الحاسم. ويستطيع البرازيليون اجتياز عقبتهم التالية، بشرط أن يحسنوا من مستواهم بشكل واضح. وبشرط ألا يتمكن النجم الكولومبي جيمس رودريجيز /22 عاما/ من إظهار هذا النوع من السحر الذي استخدمه عندما سجل هدفه في مباراة أوروغواي التي انتهت بفوز كولومبيا 2 / صفر.
ألمانيا وفرنسا
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للمنتخب الألماني، فمباراته في الدور الثاني بالمونديال أمام الجزائر لا يمكن وصفها بالمباراة السهلة على الإطلاق. وعندما تلتقي ألمانيا مع فرنسا في دور الثمانية، لا يمكنها أن تلعب بالطريقة نفسها التي لعبت بها خلال الشوط الأول من مباراة الجزائر من حيث عدم الجري وراء الكرة كثيرا وإضاعة الكرة بكل سهولة. أما في الشوط الثاني فقد أحكمت ألمانيا سيطرتها على المباراة بصورة أفضل إلى حد ما، وأصبح تسجيل ألمانيا لهدفها الأول في اللقاء مسألة وقت وحسب. حتى لو اضطرت للانتظار حتى الوقت الإضافي لتسجيل هذا الهدف.
ووسط كل أنواع الجدل والإشادة بالمنتخب الألماني، يقف حارس مرمى بايرن ميونيخ مانويل نيوير في نقطة المنتصف. فأدائه الرائع حتى خارج منطقة الجزاء ربما يكون أنقذ ألمانيا من أهداف تقدم جزائرية في أكثر من مرة. وذهب بعض الصحافيين إلى وصف نيوير بأنه كان مزيجا في هذه المباراة من سيب ماير، حارسنا العظيم في بايرن ميونيخ ومنتخب ألمانيا الغربية الفائز بلقب كأس العالم عام 1974.
وبيني أنا شخصيا. وما أعنيه هنا هو أنه مع نيوير، ولد مركز الليبرو القديم من جديد، ورغم أن المنتخب الفرنسي قد يبدو أصعب من نظيره الجزائري، أعتقد أن الألمان سيحظون بمواجهة أسهل أمامهم في دور الثمانية. وهذا لأن الألمان يعرفون الفرنسيين جيدا، ولأنه منذ الدقيقة الأولى سيكون تركيز كل لاعب بالفريق أعلى بكثير مما كان في المباريات السابقة.
أذرف الدمع من أجل المكسيك وسويسرا وأميركا
يواصل فرانز بكنباور تحليله حول منتخبات دور الـ16 في مقاله لـ«البيان الرياضي» حيث يقول: ربما يجدر بي أن أذرف بعض الدموع على المنتخب المكسيكي الذي فاجأنا بقوته، والذي أنهى دور المجموعات برصيد نقاط يعادل رصيد البرازيل. لم يكن المنتخب المكسيكي محظوظا في مواجهته مع هولندا التي تمكنت من تحويل سير المباراة بهدفيها في الدقائق الأخيرة من المباراة.
ويستعد الهولنديون الآن لخصم أسهل نسبيا عندما يلتقون مع كوستاريكا في دور الثمانية. وبعكس البطولات السابقة عندما كان الهولنديون يسقطون أنفسهم بأسلوبهم الخاص، يقدم المنتخب البرتقالي في هذه البطولة أداء أكثر هدوءا وواقعية وفاعلية وعقلانية.
دموع سويسرا
وهناك دموع أخرى من أجل المنتخب السويسري. فقد قدم الفريق الذي يدربه الألماني أوتمار هيتزفيلد أداء جيدا وقاوم بشكل مذهل فيما أصبحت آخر مباراة لهذا المدرب العظيم.
واقتربت سويسرا حقا من التغلب على الأرجنتين لعدة أسباب أهمها أنها فرضت رقابة لصيقة على ليونيل ميسي، الذي واجه صعوبة بالغة في دخول أجواء المباراة. كم هو مؤلم أن تهتز شباكك في الدقيقة 118، وبعدها افتقد السويسريون تلك اللحظات القليلة من الحظ عندما لعبوا تسديدة تصدى لها القائم، فعادة ما تحتاج إلى هذا النوع من الحظ في البطولات الكبرى.
لاشك في أن وصول سويسرا إلى دور الثمانية، كان سيصبح مفاجأة كبيرة. ولكنني كنت أتمنى حدوث ذلك من أجل أوتمار، حتى لو كان ذلك يعني تأجيل اعتزاله لمدة أطول قليلا. وآخر دموع هنا ستكون من أجل المنتخب الأميركي.
فقد خاضوا معركة رائعة أمام المنتخب البلجيكي الموهوب فنيا. في النهاية خسرت أميركا 1 / 2 أمام بلجيكا، ولكن المدرب الألماني للفريق يورجن كلينسمان، نجح في إجبار بلد كرة القدم الأميركية وكرة السلة على مشاهدة مباريات كرة القدم، بما في ذلك الرئيس باراك أوباما».
نجاح باهر للمونديال رغم التوقعات المتشائمة
طوال العام الماضي قوبل كل انقطاع للكهرباء، وزحام مروري، وإلغاء لرحلة طيران بالتعليق نفسه: «تخيل الأمر خلال كأس العالم»،
ولم يكن يتخيل أصحاب النظرة المتشائمة مدى نجاح البطولة، لكن الأسابيع الثلاثة الأولى كانت رائعة في ما يتعلق بالأمور اللوجستية، لينتشر جو يعمه البهجة، تماشى تماماً مع الإثارة التي قدمها اللاعبون خلال المباريات.
وبعد أشهر من القلق بشأن المشروعات العامة غير المكتملة والاحتجاجات المشوبة بالعنف والاستادات المكلفة، التي انتهى تجهيزها في اللحظات الأخيرة، تحولت الانطباعات عن البلد صاحبة الضيافة 180 درجة.
وقال الصحافي البريطاني فيصل إسلام على تويتر واصفاً البطولة «كأس عالم رائعة. ينبغي عليهم تنظيمها في البرازيل كل مرة».
وتبقى ثماني مباريات فقط على انتهاء البطولة، ومن شأن حدوث هزيمة مدوية في الأدوار النهائية أن تعكر المزاج العام السعيد.
ولا يزال العديد من البرازيليين يشعرون بالغضب إزاء إنفاق نحو 11 مليار دولار من الأموال العامة على الحدث العالمي، الذي سيخلف أربعة استادات على الأقل، وعدد قليل من مشروعات النقل العام، لكن البطولة ذاتها التي تصل إلى ذروتها في النهائي يوم 13 يوليو الجاري، تشهد نجاحاً كبيراً في أغلب جوانبها.
ورغم الإحباط واسع النطاق إزاء فاتورة الاستعدادات المكلفة فإن البرازيليين استقبلوا أكبر مسابقة لكرة القدم بحماستهم المعهودة، وملأوا الاستادات وأحرجوا أفواج المشجعين الأجانب الزائرين.
وأسهمت الفرق أيضاً في إخراج الصورة الجميلة بمباريات متوازنة شهدت معدلات تسجيل كبيرة وبعض النهايات الدرامية أيضاً.
وقال جيروم فالك الأمين العام للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) «أعتقد أنه أفضل كأس عالم بالنسبة لكرة القدم».
وقال فالكه «واجهنا بعض المشكلات خارج الملاعب. ليست كبيرة. رأينا بعض الأمور التي لم تكتمل ولكن في التقييم النهائي فاقت التوقعات».
وأكبر مصادر الارتياح للمنظمين هي قلة عدد المحتجين البرازيليين في الشوارع. ففي العام الماضي جذبت احتجاجات معارضة للإنفاق الحكومي على كأس العالم أكثر من مليون شخص، لكنها تلاشت تقريباً في الأشهر الأخيرة.
ودائماً ما يعم الهدوء البرازيل المولعة بكرة القدم خلال كأس العالم، وكان تأثير البطولة في المدن المستضيفة للمباريات هذا العام ملحوظاً. رويترز