جاءت العقوبة الأخيرة التي فرضتها اللجنة التأديبية بالاتحاد الدولي لكرة القدم على مهاجم منتخب الأوروغواي لويس سواريز بإيقافه تسع مباريات مع منتخب بلاده، و4 أشهر مع ناديه ليفربول، ناهيك عن منعه من حضور أي تظاهرة رياضية في تلك المدة، إلى جانب غرامة مالية قدرها 100 ألف فرنك سويسري، وذلك عقاباً له على محاولة »عض« مدافع المنتخب الإيطالي جيورجيو كيليني، خلال لقاء المنتخبين ضمن ختام الدور الأول، والتي انتهت بفوز منتخب أوروغواي بهدف نظيف، قبل أن يخرج من ثمن النهائي بالخسارة أمام منتخب كولومبيا بهدفين نظيفين.
حالة من اللغط بطريقة هزلية تقاذفتها وسائل الإعلام لحادثة »عضة« سواريز، والتي يمكن تبريرها في لحظة الحدث تلك، لكن وجهة النظر الحيادية على السلوك الذي لا يختلف عليه اثنان كونه سلوكاً عنيفاً، حتمت بحث المشهد بكل موضوعية، من أجل طرح أُطر الصواب والخطأ لجمهور المتابعين، والتي هي عرضةٌ للشدّ والجذب، شأن كل المناقشات..
والتي تحتمل كل وجهات النظر، »البيان الرياضي« فضل الخروج من زاوية الظل، وحاول أن يبحث عن تفسير علمي لتلك الحالة ووضع الحروف فوق النقاط،لا العكس، خصوصاً وأن الأحكام التي صدرت في حقّ سواريز، هي بمنأىً عن الاستناد إلى سجلّه الطبي، أو دافع سلوكه اللاأخلاقي، لا سيما وأن رد فعل الفيفا رأته بعض الآراء أنه مجحف، ويخلو من الحلول البناءة، وكان لابد من اللجوء إلى خبراء مختصين يشاركون في إقرار العقوبات التي قد تضمن في الوقت ذاته مصلحة اللاعب، بدلاً من إقرارها فحسب.
تواصل
وفي حوار خاص مع »البيان الرياضي«، أكد الطبيب النفسي عادل الكراني، المدير الطبي للمركز الأميركي النفسي والعصبي في الشارقة، أن حادثة إيقاف اللاعب الأوروغوياني لويس سواريز، على خلفية عضه للاعب الإيطالي جيورجيو كيليني، كانت تحمل بُعداً آخر، غاب عن أذهان المتابعين حينها، لتستقطب تلك اللقطة، أنظار عشاق الكرة، بالإضافة إلى غير المهتمين، الذين أصابهم الذهول من تكرار حادثة غير مألوفة في ملاعب الكرة وتصدر من لاعب شهير، مضيفاً، أن سرعة انتشار الحدث جاءت نتيجةَ زخم التغطية الإعلامية.
تصرفات
وتحدّث الكراني في سياق تقييم سلوك اللاعب، بحسب الأطروحات النفسية والظاهرية، قائلاً: »في البداية نستنكر مثل تلك التصرفات ولا نحض على أي سلوكٍ للعنف على أرض الملاعب وغيرها من الفعاليات، وبعد انتشار صدى الواقعة في الأوساط الكروية والمجتمعية، تطرقت ومجموعة من الزملاء لمناقشة المسألة، التي يمكن تفريعها لاحتمالين بناءً على المعطيات الموجودة، أخذاً بعين الاعتبار غياب السجل الطبي للاعب، إذ ليس بالإمكان تقديم التشخيص الصحيح والدقيق إلا بالتوازي مع تاريخ اللاعب الطبي، ووضعه الذهني والنفسي، منذ النشأة وحتى الآن«.
وسواس
ومسترسلاً في سياق تحليل الحادثة، ذكر الكراني الاحتمال الأول، وهو أن عض الشخص البالغ يمكن إرجاعه عادةً لأفكار قهرية لا يستطيع المرء التحكم بها، ليلجأ من خلالها لتطبيق تلك الأفكار الذهنية، في تصرفٍ يمكن أن يكون قريباً من حالات الوسواس القهري، نظراً لتكرار وإعادة السلوك أكثر من مرة، أما الاحتمال الثاني فهو أن ردود الفعل المحيرة تلك (كالعض أو الطعن، أو حتى اللمس) عبارة عن سلوك بدائي، (أي طفولي).
ولتوضيح المسألة أكثر، فإن سيل الاستهزاء والسخرية الذي صبّه الناس على سواريز أخيراً، يعتبرُ عاصفاً، مقارنةً بنطحة اللاعب الفرنسي زين الدين زيدان في مونديال ألمانيا 2006،غير أن رد فعل اللاعب سواريز كان طفوليا، (بدائيا)، إذ لم يلجأ للضرب أو الركل أو حتى الطعن، شأن أي شخص بالغ، بل هاجم بالعض.
أفكار
ولترجيح كفة الميزان بين الاحتمالين، يرى الكداني، أن سلوك سواريز أقرب ليكون نابعاً من أفكاره التي تجول في ذهنه بشكل دوري، وفقدان سيطرته عليها. مبيناً أنه اللاعب النجم بين أقرانه في المنتخب، لذلك يقع على عاتقه عبءٌ وضغط كبيران لتحقيق الفوز، وصنع الأهداف. لذلك لا يمكننا القول بأن سلوكه متعمد، ولا أيضا تبرير أفعاله على أرض الواقع، لكن الرأي النفسي يحتم علينا قراءة الضغوط النفسية الهائلة الواقعة على اللاعب.
جماهير ليفربول: ما ذنب نادينا
حالة من الغضب انتابت مشجعي نادي ليفربول الانجليزي، بسبب العقوبات التي فرضها الفيفا على مهاجم ناديهم الأول، ووجدوا أن العقوبة كانت ينبغي أن تشمل دور اللاعب في منتخب الأوروغواي فقط، لا أن يتحمل ليفربول ضريبة غيابه لشهرين، طالما أن النادي خارج إطار الواقعة، واللاعب في مهمة لتمثيل منتخبه حينها.
ومن هنا يبزغ تساؤل بشأن المعايير التي يتبعها الفيفا في تحديد العقوبات الانضباطية، فأيهما أشد خطراً ضربةٌ بالكوع على الوجه أو الرأس، أم عضةٌ على الكتف؟ لسنا هنا بصدد الدفاع أو التبرير عن سلوك سواريز غير المقبول، وغير المهني.
إلا أن هنالك قانوناً متبعاً بخصوص العقوبات، وعقوبة سواريز حسب بيان الفيفا ليست بسبب التكرار، ثم إن عقوبات الاتحادين، الإنجليزي والهولندي، كانت في حدود المسابقة، أو البلد على الأقل، لكن أن تشمل العقوبة نادي ليفربول بحرمان سواريز من اللعب معه لمدة 4 أشهر هي بمثابة أمرٍ غير مفهوم، تم تأتي مسألة منع دخوله الملاعب، ليعلق كيليني بشأن تلك المسألة بالتحديد، بإبداء عدم إعجابه بالأمر بتاتاً.
سواريز »هاتريك عض« في الملاعب
لم تكن حادثة عض المدافع الإيطالي جيورجيو كيليني، هي الأولى التي يقوم بها المهاجم الأوروغوياني لويس سواريز في ملاعب الكرة، فقد سبقتها حادثتان بنفس الأسلوب ليمتلك هداف الأوروغواي »هاتريك« عض في مسيرته الكروية حتى الآن، الأولى كانت عند تمثيله فريق أياكس الهولندي ضد أيندهوفن، مستهدفاً يومها اللاعب عثمان بقال في رقبته، وجاءت ردة فعل سواريز بالعض للمرة الثانية لتقتنص برانسلاف ايفانوفيتش الظهير الأيمن لفريق تشيلسي الإنجليزي.
والتي تسببت بإيقاف الأول لعشر مباريات في الموسم الماضي للدوري الإنجليزي »البريميرليغ«. ولم يتوقف السلوك الغريب لسواريز عند هذا الحد، بل استمر أخيرا في مونديال كأس العالم، ضد لاعب منتخب إيطاليا كيليني.
لكل حدث ردة فعل كما يقال، وبالتالي فإن تأثير قرار إيقاف سواريز لن يعود عليه بالضرر هو وحده، بل أيضا سيطال أفردا عائلته، والمقربين من حوله، وحتى أفراد منتخبه، الذين أكدوا بأن عدم مشاركة زميلهم كان أحد العوامل الرئيسية لخروج منتخبهم من الكأس الحالية أمام المنتخب الكولومبي، ومع سيل الإدانات والاتهامات، تلقى سواريز دعم زملائه في الفريق، وحتى دعم رئيس البلاد الذي ذكر أن العقوبة »وصمة عار« لطخت نهائيات كأس العالم. وبالمقابل، أشارت آراء لمتخصصين بأن قرار المنع قد يكون بمثابة »نداء صحوة« للاعب، ليعمل على تقييم سلوكياته، وضبط انفعالاته.
سلوك
وفي تصريح لمدرب الأداء الذهني، آندي بارتون، الذي سبق له العمل مع العديد من المعالجين الرياضيين، قال: »يبدو أن الأمر عبارة عن سلوك تحول إلى عادة، أو ربما أثر يحمله معه منذ مرحلة الطفولة، متمثلاً كآلية دفاعية لحمايته«. مبيناً أن التغييرات تكون بيد الأشخاص..
وسواريز قادرٌ على تحسين سلوكه. فالطبيعة البشرية تستفزها محفزات أو مؤثرات خارجية تؤدي لتصرفات معينة، خلال مواقف محددة، فمثلاً جميعنا شهد حادثة إيقاف الفرنسي زين الدين زيدان الشهيرة، لثلاث مباريات، حينما نطح الايطالي ماتيراتزي في نهائي مونديال ألمانيا 2006، وقد يجادل آخرون بمقارنة الحادثتين أن الفيفا نفسه منح زيدان جائزة الكرة الذهبية عقب ذلك، على الرغم من سلوكه.
وبالعودة للمحفزات، فإنه يمكن تقييم ردود الأفعال تلك، مثل ضربة كوع، أو مشادة كلامية، أو دفعة على الصدر، كنوعٍ من العنف أو الإحباط بين اللاعبين، أو ربما تعبير عن الغضب. وأشار بارتون، إلى أن ما أقدم عليه اللاعب الأوروغوياني هي ردة فعل أخذت منحنىً خاطئاً. وشأن الجميع تساءل بارتون ما إذا كانت العضة فعلاً متراكماً لديه منذ الطفولة، استمر معه حتى اليوم كوسيلة للتعامل مع المواقف المقلقة والحاسمة.
ثلاث ثوان
من جانبه، رصد »البيان الرياضي« عدة آراء عن قرار الفيفا ضد سواريز، كان أبرزها أن العضة التي لم تتجاوز الثلاث ثوان لا يمكن أن تكون مؤثرةً، كضربة على ساق أو قدم لاعب، أو حتى على الوجه. مع الإشارة إلى أن أقصى عقوبة للعض، قد تصل إلى إشهار بطاقة حمراء فقط، أخذا بعين الاعتبار احتمال تعمد اللاعب إيذاء الخصم.
ومن جانبه، انتقد مارادونا على برنامجه »دي زوردا« الذي يقدمه على إحدى المحطات الفنزويلية عقوبة الفيفا القاسية بحق سواريز، ليشير البعض إلى اغتنامه القضية لشن هجومٍ جديد على الاتحاد الدولي، مصوراً معاملة اللاعب كمجرم، بعد اجتهاده طوال العام ليظهر بأداء عالٍ. فيتبختر الفيفا أخيرا، وينهي مشاركته في كأس العالم. وقال دييغو مارادونا في تعقيب له: »هو لم يقتل أحداً، ما رأيكم أن تأخذوه لمعسكر غوانتانامو أيضاً؟«.
وسائل الإعلام : »فيفا« يكيل بمكيالين
لاحظ متابعو المشهد الرياضي، استرسال المدافعون أخيراً في ذكر أمثلة للاعبين ارتكبوا تصرفاتٍ تستحق تنفيذ قرارات تأديبية بحقهم، وهي أخطر بكثير من تأثير عضة ما، وذلك بعد إدانة وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية أخيراً »الفيفا«، واتهامها بالكيل بمكيالين فيما يتعلق بالأحكام المقررة على سلوكيات اللاعبين.
إلا أنه لو كان في رغبة الفيفا حقاً وضع حد لسواريز وأفعاله التي تم وصفها بالطفولية، كانت لتتغاضى عن أي تأثير خارجي، سواءً من قبل وسائل الإعلام، أو من جانب مطالبات الجمهور بردع ذلك السفاح الهائج كما تم نعته. بل كانت لتتأنى وتتوخى الحذر، للنظر في المسألة من جانب طبي مهني منطقي، اعتماداً على آراء خبراء صحيين، ومتخصصين في علم النفس والسلوك، وذلك من منطلق تكرر الحادثة -رغم العقوبات السابقة-. والسيناريو المقبول حينها لرد فعل الفيفا، على الأقل، هو إلحاق اللاعب بمركز تأهيل لتقييم وعلاج وضعه المريب، أو التأكد من سلامته النفسية على الأقل.
وتأتي الخطوة التالية في فرض عقوبةٍ تأديبية لا تضرب بمسيرته الكروية الحافلة عرض الحائط، بل تكون كذلك على أساس تقرير طبي يشمل اللاعب المتضرر، وحجم الضرر. ويمكننا الإشارة إلى أن الاقتراحات السابقة ليست أفكاراً مبتكرة أو جديدة على الفيفا. فقد طالب الفرنسي جيروم فالكة، السكرتير العام للاتحاد الدولي لكرة القدم، من المهاجم الأوروغواني لويس سواريز، مراجعة طبيبٍ نفسي من أجل اتباع علاج خاص للتخلص من مشكلة (إدمانه على عض اللاعبين)، وذلك في تعقيبٍ على الحادثة.
الإيطالي كيليني غير راض عن العقوبة
اقتضى قرار الفيفا بحق سواريز، إيقافه لتسع مباريات مع منتخب بلاده، ولـ 4 أشهر مع ناديه ليفربول، ناهيك عن منعه من حضور أي تظاهرة رياضية في تلك المدة، إلى جانب غرامة مالية قدرها 100 ألف فرنك سويسري. لم تكن تلك العقوبة لترضي ضمير المجني عليه، الإيطالي جيورجيو كيليني، الذي استهدفته العضة..
فبعد بت العقوبة الرسمية على سواريز من قبل اللجنة التأديبية في الاتحاد الدولي لكرة القدم، لم تمنعه الحادثة، ولا خسارة منتخبه أمام خصمه الأوروغواي، من الإدلاء برأيه الصريح، بسرعة كبيرة وبدرجة عالية من الفهم، معرباً عن أنه دائماً ما كان يحترم القرارات التأديبية للهيئات، غير أنه يعتقد بأن القرار مبالغٌ فيه. ليختم حديثه على موقعه الرسمي بأن رد فعل الفيفا على الواقعة مجحف بحق اللاعب ، وأن الحكم بالغ القسوة لذا فقد تعاطف مع سواريز بقوة.
الفوز لا يتحقق إلا عقب »العضة«
لفت بعض المشجعين إلى أن كل مباراة تحمل بين طياتها سلوكاً غريباً للاعب النجم سواريز، تنتهي ولحسن الحظ، بفوز فريقه على الرغم من الجدال الذي يثيره الأول. بيد أن ذلك يحتم البحث في عقوبة سواريز، التي أكد عليها البعض بأنها مهينة للغاية، وأن "فيفا" ارتكب الخطأ الأكبر في تلك القضية، متجاوزاً غلطة سواريز، ليزيد الطين بلة، ويخمد صوت العقل فيها. إذ بين كثيرون بأن العضة ليست تصرفاً متعمداً ومخططاً من جهة اللاعب، بل للأسف هي حالة نفسية، أبدى العديد من الأطباء آراءهم حولها.
وما يعزز ذلك الاعتقاد حصول اللاعب لعقوبة الإيقاف لمدة 7 مباريات كاملة في الدوري الهولندي، ثم تكراره فعلته، ليتم إيقافه لنحو 10 مباريات. حينها هو بالتأكيد لن يخاطر للمرة الثالثة (عمداً)، وفي بطولة بهذا الحجم، وعلى مرأى الملأ، محاطاً بعتاد جيشٍ من الكاميرات التي تطوق مستطيل »أرينا داس دوناس« الأخضر.