يعتزم المعارضون لاستضافة البرازيل للمونديال، تنظيم تظاهرات كبيرة وحاشدة خلال الأيام المقبلة، حسب ما ذكر لنا متحدثون برازيليون في ساو باولو وريو دي جانيرو، وذلك على إثر زيارة ميدانية استمرت 10 ساعات قام بها البيان الرياضي لأحد الأحياء الفقيرة في البرازيل.
وكشف لنا أحد الشباب أن الحكومة نجحت حتى الآن في إخماد ثورة الفقراء والكادحين، وأخفت الوجه السيئ للبرازيل عن العالم، بعدما خلت الأيام الأولى لكأس العالم من أية مظاهرات، لكنها على حد قوله ستتكبد ضربة قوية، إذ تخطط أحياء كثيرة في عدد كبير من المدن إلى الخروج في مظاهرات حاشدة أيام المباريات، وستكون على وجه الخصوص متزامنة مع الأدوار المتقدمة، حيث يسلط عليها الإعلام الضوء أكثر. وبالتالي يمكن للطبقة الضعيفة أن توصل صوتها الى العالم وتعبر عن معاناتها من الظروف القاسية.
الأحياء الفقيرة
وتعاني أحياء واسعة في ساو باولو وريو دي جانيرو من الفقر، حيث قادتنا إحدى الجولات ونحن في الطريق الى ملعب ارينا كورينثيانس الى اكتشاف مظاهر البؤس والفقر. آلاف العاطلين عن العمل يسكنون في بيوت أشبه بالأكواخ مهددة بالسقوط. ففي الأحياء المحاذية لملعب الافتتاح أو في فلامينغو ترى مشاهد تدمع العين وتدمي القلوب، والشوارع حبلى بالمتسولين وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يفترشون الأرض وغطاؤهم السماء، ينتظرون العطف من صاحب قلب رؤوف يمدهم بأي حسنة.
والدخول إلى الأحياء الشعبية في البرازيل يبدو مغامرة محفوفة المخاطر، لكننا صادفنا سائق تاكسي يتكلم قليلا اللغة الانجليزية، ويستعين أحيانا بالترجمة على غوغل بهاتفه المحمول، شجعنا على خوض المغامرة. وقد لمست أن سائق التاكسي متحمس لكشف الوجه الآخر للمونديال، ويرغب في إطلاعي على مظاهر الفقر والتهميش.
انعطف يميناً في الطريق المؤدية الى ملعب ساو باولو، فوجدت نفسي في أزقة ضيقة، علقت على طرفيها الأوساخ واكتظت بحركة الأطفال والنساء.
مظاهر البؤس كانت واضحة من خلال الوجوه البائسة والملابس الرثة والبيوت المتهالكة.
توقفنا عند مقهى صغير جلس أمامه عدد قليل من الكهول، وقد لبسوا قميص المنتخب البرازيلي. بادر سائق التاكسي الجالسين بالتحية باللغة البرتغالية، وفهمت من رد فعلهم أنه أخبرهم بأني صحافي يريد الاطلاع على ظروف الأحياء الفقيرة الثائرة ضد المونديال، فقاموا جميعا من كراسيهم واقتربوا مني يخاطبونني من نافذة السيارة، لم أفهم من كلامهم إلا القليل من الكلمات القريبة من الفرنسية.
ولكن مرافقي شرح لي معاناتهم وتعبيرهم عن شعورهم بالقهر، حيث يعيشون هم مع عائلاتهم على هامش الحياة، بينما تصرف الحكومة المليارات من أجل تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم.
واصلنا الرحلة في اتجاه آخر، حيث كانت كل المحلات تمتهن اختصاصا واحدا هو بقالة صغيرة تشرف عيلها سيدة، يبدو أنه المشروع الناجح في مثل هذه الأحياء لتوفير لقمة العيش.
وعلى الرغم من رفض سكان أحياء ساو باولو المجاورة لملعب الافتتاح أو ضاحية فلامينغو في ريو دي جانيرو، لتنظيم المونديال، فإنهم يعشقون السيليساو ويرتدون ألوانه بصفة مميزة. فعندما تتأمل في المارة بالشارع لا ترى غير اللونين الأخضر والأصفر.
كانت الساعة العاشرة صباحا والحي يستيقظ على وقع مباراة افتتاح المونديال، فالحركة به نشيطة والشباب يتجمهرون في كل مكان، بينما استغل آخرون الحدث ونصبوا خيما صغيرة يبيعون بها الأعلام والشعارات والقبعات، وجميع مستلزمات التشجيع حسب الطقوس البرازيلية.
منتخب السامبا ينسي الملايين معاناة البؤس
من ساو باولو إلى منطقة فلامينغو الشهيرة، يتغير المكان، غير أن الظروف القاسية ذاتها لا تتغير. الفقر المدقع يضرب الأحياء ويعذب الأطفال والشيوخ. الشوارع تحفل بالمتسولين والمتشردين. الحياة تبدو مزرية وصعبة جدا على ملايين من البشر يسكنون في أحياء منحصرة بين الجبل والبحر.
تتزين الشوارع بأعلام البرازيل في دلالة على عشقهم لبلدهم، لكنهم يشعرون بالظلم والتهميش. فقد حدثنا أحد العاملين بمطعم في منطقة فلامينغو عن حياة الناس بألم شديد قائلا: مثلما ترى ظروف الناس صعبة والحكومة لا تبالي بمعاناتهم وتتجاهلهم لعقود من الزمن، حيث لم تحسن مستوى حياتهم بل وتحدت الملايين من الفقراء وأهدرت أموالا طائلة في بناء الملاعب لاحتضان الحدث. وتابع بحماس: ماذا تفعل الشعوب المسحوقة بالملاعب هل ستنام بها؟ نحن نريد حياة أفضل.
لذلك لا أخفيك سرا فإن كأس الغضب فاضت لدى الكثيرين في فلامينغو وينتظرون وصول المونديال الى ريو دي جانيرو لينظموا مظاهرات حاشدة يغزون بها ملعب ماراكانا.
معالم حضارية
تجولنا في شوارع المدينة ووقفنا عند ما تزخر به من معالم حضارية وتاريخية رائعة فالتماثيل والكنائس والمتاحف تتواجد في كل مكان. والطبيعة زادت المكان روعة وربما هي العامل الوحيد الذي يخفف من هم سكان فلامينغو.
فالأحياء تمتد في شكل شريط بين الشاطئ وجبل شاهق تسلقته مباني الباحثين عن الاستمتاع بالطبيعة.
تنتشر في فلامينغو المتاجر الصغيرة المتخصصة في بيع المأكولات الخفيفة والملابس وخصوصا ما يتعلق بالمونديال من أقمصة المنتخب البرازيلي وأعلام جميع الفرق المشاركة الى جانب الشعارات والوشاحات. بينما اختص البعض الآخر في تجارة اللوازم القديمة والمستعملة وهو ما يعكس حقيقة الوضع المادي الصعب في فلامينغو.
لمسنا من خلال من استطاعوا التواصل معنا باللغة الانجليزية أنهم معارضون لتنظيم بلادهم للمونديال، لكن ذلك لا يمس أبدا حبهم لمنتخب السامبا. إنهم يضعون جدارا فاصلا بين قضيتهم الاجتماعية وحب منتخب بلادهم.
فالسيليساو لا ذنب له على حد تعبيرهم في معاناتهم، بل قال لنا أحد الشباب عبارة ظلت عالقة بذهني: لاعبو منتخبنا هم أبناء هذه الأحياء البائسة .. ولدوا في الفقر وكافحوا من أجل تحسين حياتهم، ونجحوا في تحقيق هدفهم، لذلك علينا أن نشجعهم ونساندهم.
واستطرد قائلا: خلافنا مع توجه الحكومة. نريد نظاما يهتم بنا وينتشلنا من الضياع ولا يستعرض عضلاته أمام العالم وبيته الداخلي خراب. هذا ما يؤلمنا.
مشاهد الفقر
توغلنا كثيرا في الحي ومشاهد الفقر تزداد بشاعة، فثمة بيوت كثيرة دون أبواب وإن وجدت فهي غير مثبتة في الحوائط، الأطفال يلعبون في الشارع بالكرة حفاة عراة غير مبالين ببرودة الطقس، ربما هم تعودوا على هذه الحياة البائسة، وهمهم الوحيد لعب الكرة وأن يصبحوا نجوما يحترفون في أوروبا ويحملون قميص المنتخب البرازيلي. حلم آلاف من قبلهم من البرازيليين..
وحولوه إلى حقيقة وأولهم الأسطورة والجوهرة السمراء بيليه، لذلك يحسب للبرازيليين قوة العزيمة والطموح الكبير، ويتخلصون من الفقر، ولن يبقى مستقبلهم رهينة الحكومة، ولن يهتموا يوما آخر بسياستها، ولن يعترضوا عليها ويشاركوا في مظاهرات معارضة للمونديال الذي تتمناه دول أخرى وتحارب على استضافته قطر وبريطانيا واستراليا، وقد يطيح بجوزيف بلاتر من رئاسة فيفا.