من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
لم يتخصص في مجال البيئة، بل في نظم المعلومات، لكنه نشأ وترعرع وكبر مهتماً بالبيئة وما يدور في فلكها، وعلى الرغم من أنه لم يجد من يوجهه إلى الدراسات البيئية في الجامعة، إلا أنه لم يصرف النظر عن المجال البيئي، وقد لجأ إليه هاوياً، فكبر وكبرت معه هوايته، واكتسب الكثير من الخبرة في مجال البيئة، وبذلك تميز أحمد آل علي من إمارة الشارقة، حتى بات الإماراتي الوحيد الذي يخوض في مجال علم الطيور، بجهود مضاعفة، ودراسة ذاتية.
يقول آل علي: عندما تعمقت في هذا المجال شعرت بأن ذلك ليس مجرد هواية، بل هو علم يجب أن يدرس، إذ إن علم الطيور يبنى عليه بالعديد من العلوم الأخرى المتعلقة بالبيئة، وهو من العلوم المهمة التي تتطلب من الدولة اهتماماً أكثر.. غير ذلك ما نتطرق إليه في الحوار التالي:
لماذا تهتم بالطيور فقط؟
انا لم أكن أهتم بالطيور بحد ذاتها، وقد كان اهتمامي بالحياة البيئية بشكل عام، أحب الاستكشاف والقراءة باستمرار عن هذه الأنواع الجميلة التي تعيش داخل الدولة أو خارجها، بالإضافة إلى كوني مهتماً بأنواع النباتات التي توجد داخل الدولة، وبالإجابة عن الكثير من الأسئلة التي كانت تدور في رأسي التي كانت الدافع الرئيسي للاستمرار في هذا المجال، لذا فكرت بالبدء بالاهتمام بهذا المجال... فكانت البداية بالتصوير الفوتوغرافي، إذ جذبني تصوير الطيور بشكل خاص، فكان الباب الذي أوصلني إلى علم الطيور، وتعمقت في هذا العلم وما زلت أتعمق أكثر.
هل درست أنواع الطيور؟
بالتأكيد بدأت دراسة شخصية لهذا العلم من خلال قراءة الكتب العلمية الخاصة في هذا المجال، والاطلاع على المراجع العالمية، ناهيك عن الاندماج مع الأجانب المقيمين في الدولة، الذين كانوا يعملون في العديد من اللجان البيئية، إذ إن الأجانب كانوا يتناولون هذا الأمر من جهتين، الأولى علمية والثانية من باب الهواية، فقد كانوا يراقبون الطيور جيداً، وبدأ هؤلاء الأجانب بتأسيس لجنة بيئية للطيور اسمها «لجنة الإمارات لتسجيل الطيور» أسسها البريطاني سايمون اسبنل (توفي العام الماضي) وقد ألف العديد من الكتب والمراجع عن هذا العلم في الإمارات وشبه الجزيرة العربية، وبفعل اندماجي مع هؤلاء الأجانب، فقد اكتسبت المزيد من الخبرة، وخلال الخمس سنوات التي عملت بها في هذا المجال، تحولت الهواية لدي إلى احتراف.. وهذا إنجاز كبير بالنسبة لي، خصوصاً وأن دراستي الأكاديمية ليست في هذا المجال البيئي، لذا فأنا فخور بهذا الإنجاز الذي حققته.
ما أنواع الطيور المتواجدة في الإمارات؟
حسب لجنة الإمارات لتسجيل الطيور، وأنا الإماراتي الوحيد العضو فيها، تنقسم الطيور إلى نوعين، طائر مقيم أو طائر مهاجر، وأيضاً الطيور المهاجرة تنقسم إلى نوعين، إما مهاجر زائر أو مهاجر عابر، أما الطيور المقيمة بالدولة فهي الطيور التي تطير في مساحة ضيقة داخل الدولة، ولا تتعدى الحدود. كما أن الطير المهاجر هو الذي يهاجر خارج الدولة في مواسم معينة، وهي الخريف أو الربيع، بينما الطير المهاجر الزائر هو الذي يهاجر من البلد الأم ويستقر في الإمارات كزائر لمدة غير قصيرة، إما الشتاء بطوله أو الربيع بطوله، أما الطير المهاجر العابر الذي يمر في سماء الإمارات مروراً فقط، إذ إن بلد الوصول ليس الإمارات، فيمر على الامارات «ترانزيت» يأكل ويشرب ويستريح، ويكمل مسيرته إلى وجهته.
ماذا عن أسماء بعض الطيور سواء المقيمة أو المهاجرة؟
الإمارات تعتبر منطقة ساخنة لمراقبة الطيور، لأنها تجذب الطيور من شمال وشرق آسيا وأوروبا، وأحيانا من أفريقيا، كما أن الإمارات لديها أنواع من الطيور التي تتميز فيها كثيراً مثل: الرفراف المطوق والذي يعيش في مدينة كلباء وهو فصيلة فرعية ويتعايش فقط في خور كلباء، ولا يوجد في أي مكان آخر في العالم، ولا يهاجر إلى أي مكان، لكن للأسف فهو يواجه الكثير من الإزعاج والتلوث، ما أدى إلى تدني تكاثره، وقد أجرينا بعض الدراسات في عام 1995 وعام 2011.
وأوضحت الدراسة الأخيرة أن تكاثر هذا الطائر بدأ بالانخفاض وبنسبة 45% وهذه النسبة تعتبر كبيرة جدا، لذا رفعنا تقارير عن هذه الحالة إلى المسؤولين في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، وبتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، تحولت هذه المنطقة في خور كلباء الى محمية طبيعية وعلى أحدث الطرز العالمية، وهنا طير آخر تشتهر به الامارات وهو (آكل سرطان البحر) أو (الوكيري) مع العلم أن الاسماء تختلف من منطقة الى اخرى، إذ تعتبر الامارات من اكثر الدول تكاثرا فيه، وخاصة الجزر الاماراتية، بالإضافة الى طير الهدهد الذي لا تتميز فيه الامارات، وهناك طيور اخرى، ولكن هذه اشهر انواع الطيور التي تمتاز بها علميا دولة الامارات العربية المتحدة.
وماذا عن الغراب؟
الغراب ظل يعتبر من الطيور التي لم تتواجد في الامارات، بل انها دخلت الدولة بطريقة أو بأخرى، وحافظت على نسبتها في التكاثر، فأجواء الامارات تعتبر مناسبة لها، وبعد هذه السنوات الطويلة اعتبر الغراب من طيور الامارات، لأن نسبة تكاثرها في تزايد دائماً ودون تدخل بشري.
هل الغراب «يجلب الخراب والشؤم» كما يردد؟
هذا يعتمد على الثقافة والعادات والتقاليد، ليس هناك شيء علمي أو ربما ديني يثبت ذلك، لكن «البومة» عندنا في الإمارات وفي بعض الدول العربية تجلب الخراب، ومثلاً في بريطانيا تعتبر البومة رمزاً للحكمة، حيث تجد صورة البومة في جميع المكتبات البريطانية، وهذا يعتمد على الثقافة والبيئة التي يعيشها الإنسان.
حصلت على العديد من الجوائز.. ماذا عنها؟
حصلت على العديد من الجوائز المحلية في مجال تصوير الطيور، وترشحت إلى جوائز عالمية، لكني لم أحصل عليها، لأنني اعتبر نفسي مازلت مبتدئاً في هذا المجال، وبالرغم من ذلك، فإن المستوى الذي وصلت اليه دفعني إلى الحصول على الجوائز المحلية والإقليمية، وبالرغم من ذلك حصلت على جائزة عالمية واحدة وهي جائزة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم للتصوير الفوتوغرافي، وقد حصلت على المركز الثاني، كما كانت لي مشاركات تصويرية في متحف التاريخ الطبيعي في لندن ووصلت لنصف النهائي ثلاث مرات، وتلك المشاركات محط أنظار العديد من المصورين المحترفين عالمياً.
هل حبك للطيور جعلك متخصصاً في تصويرها؟
لا.. ولكن حبي لتصوير الطيور جعلني متخصصاً في الطيور، لأنني بدأت كمصور طيور، فالحياة البرية دائماً ما تجذبني، وأنا أهتم بالجانب العلمي للطيور، مما يجعلني أقلل من تصوير الطيور.. لأنني بدأت البحث والتعمق في هذا العلم بفعل اكتساب الخبرات من الأجانب.
هل هذه الدراسات ساعدتك على الحفاظ على البيئة؟
بالتأكيد فالدراسات والأبحاث في علم الطيور ساعدتني على أن أحافظ باستمرار على البيئة البرية عامة، إذ إن الإنسان طالما ظل بعيدا عن البيئة فإن اهتمامه بها يقل ويفتر، وقد زاد اهتمامي بالبيئة عندما انخرطت في المجال البيئي وارتبطت به كثيرا، ودائما أنظر إلى الطيور وهي في السماء وأقول إن هذا الشيء لم يُخلق عبثا، لذا فإننا نحاول ان نحض الشباب على معايشة البيئة والمحافظة عليها، أملاً بالمستقبل.
هل تحظى لجنة الإمارات لتسجيل الطيور بالاعتراف داخل وخارج الدولة؟
جميع أعضاء اللجنة متطوعون، وهي لجنة غير معترف بها في الامارات، لكن معترف بها كلجنة لدى الجهات الاخرى المسؤولة والمعنية في هذا المجال، وبالرغم من كل ذلك، فنحن اللجنة الوحيدة في الامارات المعترف بها لدى جمعية علم الطيور في الشرق الأوسط وشمال آسيا والقوقاز، وما زلنا نسعى إلى أن نصبح لجنة معتمدة في الإمارات.
ماذا عن التعاون بين اللجنة وهيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة؟
هناك تعاون كبير في العديد من المجالات، وعلى سبيل المثال تم توقيع اتفاقية بين اللجنة وهيئتي أبوظبي والشارقة، إذ تقضي هذه الاتفاقية بأن تكون تسجيلات الطيور مجاناً، كما تتولى هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة مهمة تسهيل كافة الإجراءات لدخول المحميات المتواجدة في الإمارة لإعداد دراسات، بالإضافة الى دعوتنا في جميع المناسبات.
أشعر من كلامك بأنك تملك طيوراً كثيرة؟
بالعكس أنا لا أملك أي طائر في منزلي، وهذا مثار استغراب من الجميع، لأنني أحب أن أرى الطير وأتعايش مع هيئته في الطبيعة أكثر مما يكون في البيت، ولكن لدي في المنزل شجرة غاف كبيرة يتجمع عليها العديد من أنواع الطيور.. وأستمتع كثيراً بمشاهدتها. كلمة أخيرة
قال أحمد آل علي: جميع الأعمال التي نقوم بها هي من باب الخدمة المجتمعية، وهي في المجمل تطوعية، وأنا شخصياً مهتم بتوفير وتنظيم محاضرات متخصصة عن الطيور، سواء كانت في المدارس أو الجامعات أو في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة، لذا أرجو من جميع الجهات المعنية أن تقدر هذا الأمر، لأنه في النهاية خدمة للوطن وللمجتمع.
ويوضح آل علي أن ثقافة التصوير بدأت الآن تتجلى بشكل قوي، وقد أقيم العديد من المسابقات في التصوير، وبدأت هذه الثقافة تنتشر، حتى تحولت من ثقافة إلى فن. وهناك العديد من المصورين الفنانين في هذا المجال. وهناك تنافس قوي بين المصورين المحليين. أما مجال تصوير الطيور فهو نادر نسبياً لأنه الأصعب، ولا بد من أن تكون لدى المصور معلومات عن الطيور التي سيصورها، بالإضافة الى ان معدات تصوير الطيور غالية الثمن، ناهيك عن قلة المردود المادي والمعنوي لمصور الطيور.
ويؤكد أحمد آل علي أنه بدأ الآن يبيع بعض صور الطيور التي التقطها والتي تستخدم في الكتب لأغراض علمية، كما أن له أعمالاً كثيرة نشرت ضمن كتب علمية في بريطانيا منها سلسلة «حياة الطيور»، وأيضاً جمعية علم الطيور في الشرق الاوسط، والتي تصدر كتباً عن الطيور، وهي تستعين أحيانا ببعض الصور، وهذه الجهات يمنحها أحمد الصور مجاناً، بقصد الترويج لدولة الامارات العربية المتحدة عالمياً، فهو يطمح إلى رفع اسم دولة الإمارات في المحافل العلمية والعالمية في هذا المجال بالتحديد.