من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».

بأسلوب عفوي، ولغة بسيطة، وروح مرحة.. تجاوز الإعلامي عبدالله راشد بن خصيف «بوراشد» الجمود الذي كان ولا يزال يتشبث به بعض مقدمي البرامج في وسائل الإعلام.. فأبو راشد بدأ مسيرته في تلفزيون عجمان منذ عام 1986، وتنقل بين وظائف مختلفة، وخاض تجارب عديدة، فرسى به مشواره الإعلامي ليصبح أحد أبرز مقدمي برامج البث المباشر في الدولة وحتى الوطن العربي.

ولد أبو راشد في عجمان، وعاش طفولته بين عفوية الصغار التي لم تتجاوز بشقاوتها حدود «الفريج» وتوجيهات الكبار الذي كان يلازمهم في المجالس أثناء تنقلات والده، والذي بدوره كان يرافق المغفور له الشيخ راشد بن حميد النعيمي حاكم عجمان بصفته مستشاراً له، فنهل منهم الكثير، واكتسب العديد من المفاهيم التي أنارت حياته، وأثرت مخزونه اللغوي بالعديد من المفردات التي سهلت له التعامل مع الآخرين.

تلقى تعلميه الابتدائي في مدرسة الراشدية بعجمان وهي الوحيدة التي كانت متوفرة حينها، وانتقل بعدها إلى مدرسة خالد بن الوليد العسكرية في الشارقة، وكغيره من الشباب في ذلك الوقت، أنجر إلى رغبته في امتلاك السيارة والحصول على المال، فلم يكمل تعليمه الجامعي وذلك ما جعله يشعر بالندم بعد ذلك.

فرحة الطفولة

يشير أبو راشد إلى أن الطفولة في الماضي والحاضر لها ما يميزها، وتبقى للطفولة القديمة ذكريات لا تنسى، فالمناسبات كانت لها فرحة عارمة، وكان الاستعداد لها منذ وقت مبكر، وعندما يقبل العيد يشعر الأطفال بفرحة الملابس الجديدة التي يرتدونها ليلة العيد وينامون بها حتى الصباح، أما في الوقت الحالي فقد قلت هذه الفرحة إن لم تكن تلاشت نظراً للرفاهية والملابس الجديدة التي يرتديها الأطفال في كل الأوقات. وأضاف إن فراغ الطفولة في السابق كان يُقضى في الألعاب الشعبية في حدود الفريج، وفي الصيف يتجه الأطفال إلى جمع « الخلال» والذي يقصد به ثمار النخل قبيل نضوجه واللوز، والألعاب إذا ما توفرت في يد أحد الأطفال في ذلك الوقت، فإنه يحافظ عليها لعدة سنوات، أما اليوم فلا يتجاوز عمر الألعاب عند أطفالنا أكثر من أيام.

البداية الإعلامية

يقول أبو راشد: بعدما أنهيت الثانوية أخبرني أصدقائي أنهم عازمون على الالتحاق بالعمل في الشرطة، ولم أقوَ على مفارقتهم فتوجهنا إلى أبوظبي، وانضممنا للعمل معاً، ولكن بعد عدة شهور فارق والداي رحمه الله الحياة، فلم أستطع إكمال العمل هناك، لكوني أكبر أفراد العائلة، فتركت الشرطة وعدت إلى عجمان وقضيت فيها شهوراً من دون عمل، وتفرغت لممارسة بعض هوايتي في العمل الإعلامي الذي وجدته في شخصيتي منذ الصغر، إذ كنت أقرأ الأخبار من الجريدة، وأسجلها في مسجلي الخاص لأسمعها بعد ذلك لأصدقائي في الفريج، لكن وعلى الرغم من ذلك لم يخطر على مخيلتي أن ألتحق بالعمل الإعلامي.

ويضيف: في الفترة نفسها افتتحت استوديوهات عجمان، وكنت أذهب لأتجول في جانبها، وشاهدت العديد من المذيعين والممثلين، فازداد شغفي للعمل الإعلامي، ودفعني هذا الشغف لأن أسعى في الحصول على فرصة للعمل، فتقدمت برغبتي إلى مدير الاستوديوهات وحظيت بترحيب كبير من قبله، فانطلقت إلى العمل بسعادة، وكانت البداية في قسم المونتاج والتسجيل، الذي صقلت فيه موهبتي من خلال احتكاكي بالكفاءات العالية التي كان يضمها التلفزيون، وتدرجت في وظائف عدة، وفي عام 1995 بعد الإعلان عن افتتاح قناة عجمان، حصلت على فرصة إخراج بعض البرامج، ومن ضمنها برنامج «خفايا» الذي وافت المنية مقدمه بعد الحلقة الأولى، ولكن البرنامج لاقى قبولاً من المجتمع، وكان لا بد من استمراره، فوقع علي اختيار تقديمه، وتمكنت من إنجازه بالطريقة نفسها التي بدأنا بها وأكملنا مشوار تسجيله، ومن حلقات تسجيليه انتقلت إلى التقديم المباشر حينما قدمت برنامجاً من قرية التراث.

البث المباشر

ويوضح بن خصيف: مكثت على هذا المنوال سنوات عدة، إلى أن افتتحت الإذاعة، وانتقلت إلى تقديم البرامج فيها، وكانت الفكرة عبارة عن برنامج صباحي لمناقشة قضايا المجتمع، وفي أحد الأيام كنت أقدم البرنامج نفسه بشكله الاعتيادي، واتصلت امرأة تطلب المساعدة لحل مشكلة تعاني منها وأخذت في البكاء، فاستقبلت بعد ذلك مكالمات كثيرة من أشخاص تعشاطفوا مع مشكلتها وأبدوا استعدادهم لمساعدتها، كذلك استقبلت اتصالاً من أحد المواطنين واجه مشكلة في الجوزات، ولم تمضِ لحظات حتى وردني اتصالاً من سعيد بليلة مدير إدارة الجنسية والاقامة في دبي حينها، ودخل في نقاش معه انتهى إلى حل المشكلة، ونتيجة لذلك سلك البرنامج طابعاً آخر، فأصبح الجمهور هو من يعد البرنامج ويقترح القضايا ويتناقش فيها.

ويتابع: حدثت النقلة النوعية وأخذ البرنامج طابعه الرسمي بعد الإشادة التي حصلنا عليها من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وذلك عندما التقيت بسموه في إحدى الجلسات الرمضانية عام 2004، حيث قال لي سموه: «أنا أتابع برنامجك الجيد، وهو يخدم الناس، ونحن في دبي نطلب الشفافية وسنضع يدنا في يدكم لتحقيق المزيد»، شكلت هذه الإشادة دعماً معنوياً في البرنامج وبدأنا في استضافة شخصيات مهمة من المجتمع على مستوى الحكام والوزراء والمسؤولين والذي ساهم دعمهم أيضاً في ظهور برنامج البث المباشر وشهرته.

سباق الخير

ويقول الإعلامي عبدالله بن خصيف إن هناك العديد من الأسباب التي أعطت برنامج البث المباشر شهرة، منها سباق أهل الإمارات نحو فعل الخير حكومة وشعباً، إذ يُقدم من خلال الميزانية التي رصدت من تبرعات أهل الخير لبرنامج البث المباشر، العديد من المساعدات العاجلة، بالإضافة إلى الشفافية والردود في ما يتعلق ببعض التحديات التي تواجه بعض أفراد المجتمع، ولكن هناك من يُسخر هذه البرامج في خدمة مصالحه الشخصية، والتشهير في بعض أفراد المجتمع، وهناك الكثير من الحالات التي ضبطت تمتهن ذلك.

وأوضح أن هناك بعض الغموض لدى الناس عن مفهوم البث المباشر، إذ أصبح البعض يستخدمه كأداة لتهديد الأفراد والمؤسسات، وهذا يأتي معاكساً تماماً للأهداف التي يسعى البرنامج إلى تحقيقها، وهي بالدرجة الأولى خدمة جميع شرائح المجتمع.

لا أجيد التمثيل

 

أكد بن خصيف أن من خبرته الطويلة التي اكتسبها في التعامل مع المتصلين في برنامج البث المباشر، أصبح لديه إحساس في بعض الأحيان في مصداقية بعض المتصلين، ويستدل على ذلك بتفاعل الجمهور مع الحالة، إذ أن هناك بعض المتصلين يبكون ويتحدثون بكلام منمق ولكن لا يحدثون أثراً في نفسه أو حتى لدى الجمهور والمستمعين، على خلاف بعض المتصلين الذي تسبقهم مشاعرهم الصادقة قبل حديثهم.

ويختتم أبو راشد حديثه بالقول: هناك من يعتبر عبدالله بن خصيف أنه شخص متقلب المزاج، وتعليقي على ذلك أنني شخص لا أجيد التمثيل لكي أكون مبتسماً في جميع الأحوال، لأني أصادف بعض الموقف التي تعكر صفو مزاجي، فعندما يصادفني رجل يبكي، فإن قلبي يتمزق، وعندما أشاهد طفلة مريضة، أو ألمس موقفاً يثير التعاطف فإن الابتسامة تجافيني، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على تعاملي. ويؤكد أنه لا يحب الجمود عند الظهور الإعلامي، بل يفضل تقديم البرامج بأريحية وبأسلوب قريب يتفاعل مع جميع أفراد المجتمع.

زوجة من الجن

 

من المواقف الطريفة التي تطرق إليها أبو راشد في حديثه عندما أخبره أحد اصدقائه عن شخص متزوج «امرأه من الجن» فأراد أن يقابله ولكن الشخص رفض، وبعد أيام عدة جاء صديقه برقم هاتف هذا الشخص، واتصل به على الهواء مباشرة، وبعد أن سأله عن مدى صحة هذه المعلومة، قال له: نعم أنا متزوج واذا كنت تريد أن تتأكد سأخرجها لك الآن من أسفل الطاولة، فشعر أبو راشد بالخوف، وطلب من المخرج أن يأخذ فاصلاً إعلانياً، وألا يضع فيه الأغاني، بل يختار دعاء أو قرآن أو حتى الأذان.

 

مبادرات وتوصيات

 

قال أبوراشد إن برامج البث المباشر هي قناة تواصل مفتوح بين أفراد مجتمع الإمارات والمسؤولين، لذلك يجب على المذيع أن يكون متزناً في تعاطيه مع الملاحظات والشكاوى التي تطرح عليه بشكل يومي، وأن لا ينجر خلف مشاعره في الحكم على ما يسمعه. وأكد أن حكام الإمارات وقيادتها حفظهم الله، يحثون على إيجاد مساحة كافية للاستماع إلى هموم الناس وملاحظاتهم وإيصالها إلى المسؤولين، وأنهم يستمعون بأنفسهم ويجندون أشخاصاً لمتابعة الملاحظات وتسهيل الحياة على كل من يعيش على أرض الإمارات، وخير دليل على ذلك سرعة مبادراتهم وتواصلهم المباشر مع هذه البرامج، وتوصياتهم الدائمة للإعلاميين في إفساح المجال للناس دائماً.

اتكالية مفرطة

 

قال أبو راشد إنه ومن واقع الخبرة والتجربة، فقد لمس إن بعض الأشخاص بلغت الاتكالية لديهم حداً معيباً، إذ أصبحوا اليوم ينظرون إلى البث المباشر على أنه من الحلول السهلة في حالة وجود ملاحظات أو استفسارات، ويستنكر أبو راشد مثل هذه التصرفات، إذ أن البعض إن أراد أن يستفسر عن بعض الخدمات، أو للتأكد من المعلومات يبادر بإرسال رسالة نصية أو الاتصال، ويطلب التواصل مع المؤسسة المعنية، متسائلاً: ما هي الظروف التي تمنعه من أن يتواصل مع المؤسسة ليحصل على مبتغاه؟، وأكد أن برامج البث المباشر من الواجب اللجوء إليها إن تعثر الشخص في حل مشكلة على الصعيد الشخصي، وإن كانت هذه المشكلة تحل بطرق أخرى يمكن التوصل إليها.