من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
تشعبت اهتماماتها فشغلت البيئة حيزاً كبيراً من حياتها. منذ أن كانت طفلة وهي تحاكي الطبيعة، وتعتني بالطيور وتراقب موعد فقس بيضها، وتسرد مع هذه العناصر جميعها حواراً شفافاً، حتى تقلدت منصبها الموازي لشغفها وتطلعاتها نحو الطبيعة.
الدكتورة مريم الشناصي وكيل المساعد بقطاع الشؤون الفنية في وزارة البيئة والمياه، حصدت العديد من الجوائز العلمية والفنية، ولها 47 بحثاً ومقالاً علمياً، وحصلت على دكتوراه العلوم من بريطانيا، وهي كاتبة أيضاً وقد نشرت مؤخراً كتاب «مذكرات فارسة عربية»، وهي تؤكد أنها عايشت تجارب مهنية حافلة بالمتغيرات منها الصحافة.
في حوارها هذا، ابتعدت عن التصنع، وتركت جلباب الدبلوماسية، لتروي لنا مذكراتها، بكل رحابة صدر، إذ تقول: تزامنت ولادتي مع الإرهاصات الأولى لقيام الاتحاد، ونهلت تعليمي في مدرسة رابعة العدوية بالشارقة، ومن ثم انتقلت إلى مدرسة الغبيبة لاستكمال المرحلة الأخيرة.
وفي تلك الحقبة، لا تبرح ذاكرتي بعض الصور والمشاهد التي لا أزال اختزلها إلى الآن، فشجرة الرولة في الإمارة أحد رموز ارتباطي الوثيق بالمكان، وما تميزت به هذه الأرض الطيبة من نباتات وأشجار وعناصر من الطبيعة عنت لي دائماً الكثير. ولا أنسى هنا البيئة البحرية، التي استهوتني أيضاً منذ الصغر، فكانت زياراتي إلى البحر لا تحصى، وأذكر كيف كان يلفظ البحر أصداف اللؤلؤ فتنعكس أشعة الشمس عليها لتشكل لوحة رائعة معبرة عن جمال الطبيعة. وأنغام طيور النورس التي تغرد في المساء.. هذه المؤثرات الصوتية الطبيعية، والمشاهد المتواضعة مازالت راسخة في ذهني، ومع هذه الذكريات فلا عجب أن أتخصص في الدراسات البيئية بعد عشقي لها.
شقاوة في المدرسة
وتتابع: مرحلة الدراسة كانت مفعمة بالمرح، وحظيت بالتعلم على يد كوكبة من المعلمات المواطنات في المرحلة الابتدائية، وهن خريجات الدفعة الأولى لمدارس الانتساب، وأخريات تخرجن من الكويت، وفي خضم تبلور الاتحاد عززن قيم الانتماء للأرض من خلال الطابور الصباحي والدروس الوطنية.
وفي أواخر السبعينات لا أكاد أنسى حلقة الأمن والأمان المحيطة بنا، المعلمة وعاملة النظافة من «الفريج» نفسه، وكذلك سائق الحافلة من الحي أو المنطقة نفسها، فقد كانوا مثالاً للإخلاص، وجميعهم تمتعوا بمناقب أخلاقية حميدة على نقيض سلوكيات بعض الأفراد المستهجنة والمرفوضة في المجتمع.
وتضيف: كنت شقية في الخفاء وأمام الطالبات، ولا أظهر هذه السمة أمام المعلمات، وحينما ألاحظ اختفاء المعلمة أرشق السبورة بالماء، وأحياناً أخفي الطباشير عن المعلمات بداعي التملص من الدرس. وفي أثناء الاستراحة، كانت المدرسة تعج بصخب الطالبات، ونتناول حينها أكلات شعبية بسيطة منها «النخي»، ونعرج أحياناً على البقالة أثناء خروجنا من المنزل لجلب بعض الحلويات والسكاكر، علاوة على ما نتناوله في المدرسة.
وتؤكد الشناصي أنها تأثرت كثيراً بعالم البيولوجيا الفرنسي لويس باستر، فقرأت له الكثير من اكتشافاته، التي نقلتها إلى الاهتمام بالبيئة والميول نحو قراءة هذه الشخصية عن كثب، ومن ثم دراسة التخصص في جامعة الإمارات، لإشباع رغبتها في اكتشاف البيئة وفق منهاج أكاديمي دقيق. فشاركت في الكثير من الأنشطة الطلابية آنذاك، وهي تعتز بقولها إن جامعة الإمارات واحدة من أقوى الجامعات في تدريس علوم الحياة على مستوى العالم. وما يدعو للإشادة بمناهجها المتميزة، وتناولها لجوانب واسعة في حقول المعرفة، وتعمقها في علوم البحار ودراسة فسيولوجيا الحيوان والنبات، ومعرفة أسرار الحيوانات الفقارية واللافقارية، وجميع ما سلف اقترنت دراسته بأعمال ميدانية شرعت فيها الجامعة.
خيارات مقلصة
بعدما تخرجت الشناصي من الجامعة، كانت خيارات التوظيف مقلصة على خلاف ما الواقع الآن، وقد تقدمت إلى مؤسسات كثيرة للعمل دون جدوى. فلم تحبط، وتقدمت إلى ثلاث صحف من بينها صحيفة «البيان»، التي أجابت بالرد عليها في غضون دقائق قليلة من إرسال السيرة الذاتية على الفاكس، وقد هاتفها ظاعن شاهين المدير التنفيذي رئيس تحرير صحيفة البيان، وأعاد لها الأمل المفقود كما تقول، إذ خضعت لاختبار قياس مهارة الكتابة واجتازته بنجاح.
وعندما حصلت على إشارة الانطلاق في الصحافة، سلطت الضوء على الكفاءات الوطنية لإبرازها والأخذ بيدها، ومن أجمل ما كتبت كما تضيف: «مواهب تشكيلية على الطريق» وتحقيق عن المفرقعات أجرته مع شرطة الشارقة، وكان لها حوار كل أسبوع مع أصحاب الحس الفني، وقد حصلت على بطاقة مراسل حر لمباشرة العمل، وهكذا عملت مع صحيفة البيان، وظل ارتباطها مستمراً حتى بعد أن سافرت للدراسة في الخارج.
وتقول: عملت أيضاً في العام 1997 بمتحف الشارقة للفنون بنظام المناوبات، وكنت أتقاضى مرتباً شهرياً قدره 2500 درهم، كما قدمت برنامجاً أسبوعياً عن التغذية، كان يبث على تلفزيون الشارقة، إضافة إلى التحاقي بعمل مؤقت في مختبرات الأغذية بمستشفى القاسمي والمستشفى الكويتي، وكنت أتقاضى أجري بنظام المكافأة.
التشويق والصرامة
لم تكتفِ الدكتورة مريم الشناصي بدراسة البكالوريوس، وبلغ طموحها ذروته في العلم وسافرت إلى بريطانيا، وحصلت على شهادة الدكتوراه في العلوم، وعادت بعدها إلى الديار. وتضيف: حصلت على فرصة للتدريس في جامعة الشارقة، وأعطتني هذه الفترة دفقاً جديداً وتجربة فريدة، ولاشك أن الطالبة تتفوق على نظيرها الطالب في الجوانب العلمية، أما حالات الغش بين الطالبات فهي نادرة وقليلة قياساً مع الطلاب، وقد كان التحدي أمامي صعباً، وهو يتحدد في تغيير مستوى المنتسبين الذكور ليرتقوا ويحققوا الامتياز في تعليمهم بالاعتماد على النفس.
وتوضح: كان أسلوبي في التعليم ممزوجاً بعنصري الصرامة والتشويق معاً، فلم تظهر حالات الغياب مطلقاً، وأنا على يقين بأن الطلبة جميعهم كانوا على قناعة بأهمية المحاضرات، ولم يكن مبدأ الثواب والعقاب هو العصا التي أجبرتهم بها على الحضور، بل شكل الدافع عنصر التفكير والإثارة العلمية لديهم، وهذا ما يحتاجه طلبتنا. منوهة إلى أهمية قراءة وجوه الطلبة واستدراك فسيولوجيا كل منهم، فالمحاضرة والمقابلة الأولى بين الطالب والمعلم هي الفيصل الذي يتحدد من خلاله مستوى إقبال الأول على التعليم، وفي بادئ الأمر واجهت نفوراً من بعض الطلاب كوني امرأة تدرسهم، وهذا النفور واجهته بحنكة وذكاء حتى كسبت تأييد الغالبية وصوبت مفاهيمهم الخاطئة نحو العنصر النسائي.
شديدة وصارمة
وبعد الجامعة التحقت مريم الشناصي بالعمل في وزارة البيئة والمياه، وأنيطت لها مهام عدة، أبرزها لجنة استقطاب الكفاءات الوطنية لا الكوادر، لأن الوزارة بحاجة إلى أصحاب الاختصاص والخبرات التي توائم توجهاتها، فما الفائدة من خريج تخصصه لا يمت بصلة إلى الوزارة ومهامها، إذ إن الدولة تخطو بتوجهاتها نحو برنامج الطاقة النووية، ومن الضروري أن تتناسب تخصصات الموظفين مع أدوارهم الوظيفية. وتقول: يتداول البعض فكرة أني شديدة وصارمة في العمل ومع الموظفين، وأنا فعلاً كذلك مع كل من لا يبالي وغير مهتم في العمل، فمن يتقاعس سيجدني حازمة وأتعامل معه حسب لائحة قوانين الوزارة، خاصة أولئك الذين يتذرعون بالإجازات المرضية بين الفينة والأخرى، أما أصحاب العقول المبدعة والنيرة والحريصون على مصلحة العمل فسيكافأ كل منهم بالتقدير والاحترام حتى وإن أخطأ.
ومن الجائر أن يتساوى العاملون في الوزارة، فالمؤهلات بطبيعة الحال تختلف من موظف إلى آخر، والشهادة عامل مهم في تقدير حجم العمل، فكلما امتلك الفرد شهادة أعلى أنيطت إليه مهام وأعمال أثقل نسبياً. «رحلة ألف»
عمل مريم الشناصي الراهن يحتم عليها كما تقول اللجوء إلى الجولات الميدانية، وهي ترى أنه من غير اللائق التدخل في شؤون مدير أي إدارة، إلا في حال وجدت شكوى ضد هذا المسؤول أو غيره. وتعمدت الظهور في جولات ميدانية مفاجئة وبعضها منتظمة، إذ استحدثنا برنامجا بعنوان «رحلة ألف» وهو عبارة عن مفاجأة الموظف في مكانه وتقديم الشكر والثناء له على جهوده، ويسري هذا البرنامج حتى على صغائر المهن، ولا يقترن هذا التكريم بعدد السنوات التي قضاها الموظف في العمل، وإنما بما تميز به.
وساهمت الشناصي منذ انخراطها في الوزارة في تدشين شعبة التثقيف والتوعية، كونها مؤثرة في تهذيب سلوك الأفراد مع الطبيعة وتوجيهها، وقد مهد عملها السابق في المجال الأكاديمي إلى سد الثغرات ووضع البنود المتعلقة بآلية العمل.
جفاف التربة وإنتاج النخيل
قالت الدكتورة مريم الشناصي إنها تابعت وضع المياه في الدولة منذ أن كانت طالبة، وفي الثمانينات ظهرت ملامح جفاف التربة، وهي تجزم أن أبرز العوامل التي ساهمت في ظهور وتفاقم هذه المشكلة هي الممارسات الخاطئة في عمليات الزراعة، إلى جانب الطفرة التي شهدتها الإمارات في كافة مناحي الحياة لاسيما العمرانية والسكانية.
وأضافت: دعونا نتفق على حقيقة لا يمكن إغفالها، وهي أن الإمارات دولة غير زراعية إذ لا يغطي إنتاج النخيل فيها 3% من احتياجاتنا، لذا لا حاجة لإطلاق مسمى وزارة «الزراعة والثروة السمكية»، وكان القرار صائباً حينما استبدل هذا المسمى بوزارة «البيئة والمياه»، لأن الأخير يشمل اختصاصات ومهام متشعبة منها الزراعة. أما الشق الآخر وهو المياه، فقد حرصت الوزارة على إنشاء السدود مع مراعاة المناطق التي في حاجة لها.
وفي ما يخص احتياجات الوزارة، فهي محصورة لافتقارها إلى كفاءات وخبرات وطنية على دراية بالبيئة، فإذا امتزجت الكفاءات بالحس الوطني حصدنا ثماراً تنعكس إيجاباً على البيئة. وأنا لا أرى عزوفاً عن دراسة البيئة وتخصصاتها كما يزعم البعض، والفرص متاحة أمام الجميع، وقد حققت الوزارة مؤخراً رقماً قياسياً في التوطين بنسبة 70%، وأذكر حين التحقت للعمل في الوزارة كان بعض إداراتها خالياً من المواطنين تماماً، وشهدت في السنوات الأخيرة تغيراً ملحوظاً في إحلال المواطنين.