من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير.
في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
يرفض الشيف الإماراتي علي البدواوي فكرة أن الشيف العربي مظلوم، وأن الأفضلية تكون دائماً للشيف الأوروبي، ودليله على ذلك يفهم مما وصل إليه البدواوي وهو الآن الشيف التنفيذي لمطعم «مزلاي» في فندق قصر الإمارات، الذي توصل إلى 108 أكلات إماراتية أصيلة يقدم منها نحو 15 طبقاً ويغيّر قائمة الطعام كل 4 شهور، وذلك في أول مطعم فاخر يقدم الأكلات الإماراتية.
بدأ الشيف علي مشواره مع الطبخ كهواية العام 1992، وباشر عمله طباخاً خلف الكواليس، في فترة كان فيها من المعيب أن يمارس رجل هذه المهنة.
عام 2005 توجه إلى مكتب التوطين في دبي، وحصل على وظيفة في أبراج الإمارات ـ جميرا، وتدرب في أكاديمية الإمارات، وكانت مرحلة صعبة لأنه كان الإماراتي الوحيد.
النظرة السائدة للإماراتي في مجال الطبخ، كانت أنه شخص مدلل ولا يريد العمل لساعات طويلة، وكان الرهان أنه سيترك العمل بعد شهرين لكن الشهرين صارت 6 شهور، وبقي 3 سنوات في عمله، بعدها انتقل إلى مطعم ليوا (عربي بنكهة فرنسية) في فندق برج العرب، وعمل لمدة سنة فيه، إلا أن الفضل في ما وصل إليه بحسب الشيف علي يعود إلى كل من الشيف لويجي غروستا الشيف التنفيذي لمجموعة «ميارمار» في هونغ كونغ حالياً، ولزميله الشيف الإماراتي بسام العيسمي القادم من خلفية لافتة في المطبخ العربي نتيجة عمله لفترة طويلة في لبنان، وهو ما قدمه عن طيب خاطر للشيف علي.
رحلة الطفولة
رحلة التعرف على أول شيف إماراتي تبدأ منذ الطفولة، إذ ترعرع علي البدواوي في منطقة حتا التي كان جده لأمه والياً عليها أيام الشيخ سعيد بن مكتوم، رحمه الله. وقد ولد علي في الأول من يوليو 1974 من عائلة بسيطة ومحافظة.
في المرحلة الابتدائية درس في مدرسة راشد للبنين وكان طالباً كثير الحركة، لا يهدأ، وقليل النوم، ومغامراً. كان الولد البكر والمدلل في العائلة.
وعندما تسأله عن ذكريات الطفولة، يضحك بصوت عالٍ كأنه يعيش تلك اللحظة، ويخبرك مبتسماً إنه كان طفلاً شقياً جداً، ويذكر مقلباً من شقاوة الطفولة، أنه في إحدى المرات عندما كان يذهب مع أصدقائه إلى المزارع القريبة لقطاف ثمر «الهامبا» ترك أصحابه يعتلون الأشجار، وذهب لإخبار الناطور عن الأولاد الأشقياء أصدقائه.
ويذكر أيضاً أن جائزة لعب الكرة في «الفريج» كان المشروب الشهير سابقاً «ديكسي»، ويعرج على أيام لعبهم حفاةً فوق الحصى.
أما الهواية المفضلة فكانت الرحلات وتقليد الكبار في الرحلات التي يقومون بها، وكثيراً ما كانوا يتفق مع أصدقائه على إحضار الزوادة من المنزل كل وحصته، للخروج في مسير يستمر لأربع أو خمس كيلومترات سيراً على الأقدام إلى منطقة الحصاتين القريبة.
وحتى الآن لا يزال المكان بشكله الساحر ماثلاً أمامه، وهو يصف المكان كأنه أمامه وعن الحصاتين التي تبلغ حجم الواحدة منهما حجم جبل، برغم وقوع كليهما من جبل قريب وتموضعها بطريقة جذابة جداً لعشاق الطبيعة، خصوصاً مع بركة المياه التي تقع تحتهما مباشرة.
ويذكر البدواوي أن حر الصيف لم يكن كحر هذه الأيام، وفي أيام «القيظ» يسرد أحد المواقف، عندما خرج مع أصدقائه إلى مزرعة لأقاربه غير بعيدة عن منطقة «الشريعة»، حيث الماء والخضرة والأجواء المنعشة، فالمياه كانت باردة صيفاً إلى درجة أن عليك النزول تدريجياً حتى لا تصاب بصدمة البرودة من شدتها، إلا أن أحد أصحابه أصاب بيت نحل قريب وصودف أن علياً كان خارجاً من الماء وقرصته نحلة، فخاف وركض إلى المنزل دون توقف، وهناك عالج نفسه بـ «البيف باف»، إلا أن قرصة النحلة زادت وتورمت أكثر حتى نقله الأهل إلى المستشفى للعلاج.
من دون رخصة
هذه الشقاوة لم تفارق علي في الاعدادية والثانوية في مدرسة حتا الثانوية، وفي العام 1986 قاد أول سيارة من دون رخصة التي قدمها له خال هدية، وهي من نوع «رانج روفر» لونها أصفر، وكان واحداً من أربعة يملكون سيارات في المدرسة وهم يوسف سالم وعلي بن سرور وعبيد محمد خلفان.
وقد اشترك مع يوسف وعبيد بنوع السيارة «رانج» بينما كان عند زميلهم علي مرسيدس بيج. الأمر الذي سهل عملية الهروب من المدرسة، لكن في اليوم الذي جاء فيه إلى المنزل، وكانت علامة الرياضيات منخفضة أو «كيكة» وهي الدائرة الحمراء.
فقد بلغ غضب الوالدة منه حداً كبيراً وأصابته بعظمة كانت في يدها ما استلزم إجراء جراحة. وهذه الشقاوة ترافقت مع نضج ووعي ناتج عن مرافقة الكبار في زياراتهم ومجالسهم، واختار الدخول إلى الجيش قبل إنهاء الدراسة في العام 1986، وفي العام 1992 موّل مع صديقه عدنان من الشارقة، تصميم سيارة هيكلها الأساسي كان لسيارة هوندا أكورد، وجسمها من الأعلى لسيارة فيراري، والمحرك لسيارة كورولا. وقتها كلفته السيارة 4 آلاف درهم، وكان ذلك معاشه لشهر كامل.
ذكريات رمضان
يتفق الشيف علي مع كثيرين بأن رمضان في الأيام الماضية كان مختلفاً ويستقبله الناس بحب وبـ «القرقعان»، وينتظره الأطفال حتى تتغير الحياة، لكن الآن صار رمضان مثل الأيام العادية يملؤه الطرب والأغاني، فيما رمضان شهر للعبادة والروحانيات والابتعاد عن الماديات.
ويحن الشيف علي لأيام كان السحور فيها بسيطاً ومكوناً من لبن وتمر أو ديك مذبوح وخبز رقاق، فقد كان السحور من «الخفايف» وليس كما الآن، أما الفطور فكان عبارة عن لبن وتمر وشامي (منتج من الحليب وهو يأتي جافاً يُصنع في المنزل)، وكانت الأكلات تدور على البيوت في طقس احتفالي يُفتقد هذه الأيام.
أما رمضان بالنسبة للأطفال، فقد كانوا بعد صلاة التراويح يشترون 6 حبات من الليف بدرهم، ويشعلونها مستعيضين بها عن المفرقعات التي كانت تُشترى في زيارة خاصة من دبي أو الساحل كما كانوا يسمونها، وكان الرحلة تستدعي بالضرورة الذهاب مع خاله الذي كان يعمل في الشرطة في دبي، ويصحبهم معه.
أما الآن فيشتاق الشيف علي إلى رمضان العائلة القديمة، ويتذكر أنه منذ 12 عاماً وحتى اليوم، لم يمضِ سوى بضعة ليالٍ رمضانية قليلة مع عائلته، لكنه أخذ قراراً بأن يمضي في رمضان الحالي وقتاً أطول، وهو يخطط لإجازة طويلة تمتد إلى ما بعد العيد مع الأهل.
مانشستر سيتي
في جعبة الشيف علي البدواوي الكثير من الجوائز والتكريمات، كان منها «بيست أرابيك شيف 2007 بوورلد تراد سنتر»، وقد حصل على ميداليتين ذهبيتين و4 فضيات وبرونزيتين في مسابقات طهي عالمية متعددة.
وبين عامي 2008/2009 أضاف إلى بوفيه برج العرب أول طعام فرنسي بنكهة عربية، ومن الأصناف التي قدمها «فواغرا بالكبدة»، كما حصل على أفضل «سوبر ستار شيف» عام 2010، وفي العام 2011 توج كأفضل شيف إقليمي من قبل «غورميه» أبوظبي، كما قدم لنادي مانشستر سيتي في المباراة ما قبل النهائية لدوري أبطال أوروبا 2010 الطعام الإماراتي، وقدم في جامعة زايد تدريبات للشيفات والطلبة، وفي العام 2009 افتتح مطعم «مزلاي» في فندق قصر الإمارات.
«مزلاي».. المطعم الحلم في قصر الإمارات
لا بد من التطرق إلى المحطة الأهم في مشوار الشيف الإماراتي علي البدواوي، وهي مطعم «مزلاي»، المطعم الذي كان علي يحلم به دوماً.
فعند الباب تستقبلك رائحة البخور. من الديكورات الخشبية والجلسات العربية الحميمة التي توحي بدفء المكان. ويعد مطعم مزلاي، أحد أبرز الخيارات في فندق قصر الإمارات.
وللوهلة الأولى يخطر في بالك أنك تعلم كثيراً عن الأكلات الإماراتية التقليدية، وكذا أصدقاؤك، لكن ما إن تفتح قائمة المأكولات الأنيقة ستطرد فوراً هذه الفكرة، وتبدأ التعرف بفضول المرة الأولى على مطبخ علي أول شيف إماراتي.
في المطعم قدم الشيف علي إضافاته، ففي السابق، كان الأرز واللحمة في طبق المدفون تقدم في طبق واحد، لكنه فرق بينهما ووضع خيارات إضافية كالبطاطا، والبطاطا المهروسة، والخضار المسلوقة، ليترك الخيار إلى الزبون، ثم أضاف الفليفلة والباذنجان إلى المطبخ الإماراتي التي يفتقدها.
سر الشيف في البهارات التي يضيفها، وهي خلطة متميزة لا يخبر أحداً عنها، إذ يضيف إليها نوعاً من النباتات الموجودة بكثافة، لكن لا يعرف طعمته كثيرون، ومن أهم أسراره نباتات «الشحس والزام والشوع».