من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية.
ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
لا حدود للطموحات، والمرأة الإماراتية قادرة على صنع المستحيل، ومؤهلة للمشاركة بفعالية في صياغة مستقبل وطنها.. شعارات آمنت بها الدكتورة سلامة المهيري مديرة إدارة المختبرات في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية، فأنارت طريقها نحو التميز.
وسعت من خلالها إلى التفرد في حياتها العلمية والعملية، فحصدت لقب أول مواطنة تتخصص في مجال علم الجينات من خلال دراستها بجامعة «كاردف» ببريطانيا، وحصولها على درجتي الماجستير والدكتوراه.
أمام هذا الواقع، لا تجد المهيري بداً من خدمة الوطن ورد الدين، وذلك واجب وطني عندها، فبعد أن نهلت من بحر العلم والتحقت بالعديد من الجامعات العالمية، وحصلت على أعلى الدرجات العلمية، عادت إلى أرض وطنها مسلحة بالمعارف والمهارات اللازمة التي مكنتها من تحقيق التميز والتفرد في موقع عملها.
وتولت العديد من المشاريع التي أسهمت في توفير أرقى معايير الأمن الغذائي في أبوظبي، منها على سبيل المثال وليس الحصر تولي مهمة تأسيس مختبر البيولوجيا الجزيئية لفحص الحمض النووي في الأغذية (DNA) الذي يعد الأول من نوعه على مستوى الدولة.
مسيرة الدكتورة سلامة المهيري كانت حافلة بالعديد من النجاحات التي بدأت منذ الصغر مع أولى خطوات مشوارها التعليمي، إذ كانت دوماً في الصفوف الأمامية مع زمرة الطلبة المتفوقين طوال المراحل الدراسية المختلفة، متسلحة بذلك بتنشئة أسرية نموذجية، فالأب استمدت منه مبادئ العسكرية بحكم طبيعة عمله، وقد كان أحد مؤسسي شرطة أبوظبي، فتعلمت منه كيف تقهر المستحيل وأن لا حدود للتميز، أما الأم فكانت النبراس الذي اهتدت به إلى سبيل النجاحات.
البداية
تقول الدكتورة سلامة: وُلدت في مدينة العين وتلقيت تعليمي بمراحله المختلفة في مدارس مدينة العين، وكنت من الطالبات المتميزات والمتفوقات، وحصلت على المركز الأول في جميع مراحل الدراسة، ونلت العديد من شهادات التقدير على تفوقي طوال مراحل دراستي إلى حين حصولي على الثانوية العامة بتفوق.
وتضيف: بعد أن أنهيت مشواري في التعليم العام بتفوق، واستطعت بفضل الله وباهتمام قيادة الدولة الرشيدة تقديم نموذج متميز للطالبة الإماراتية، التحقت بجامعة «كاردف» في مقاطعة ويلز البريطانية لدراسة البكالوريوس في علم الجينات، فكنت أول إماراتية تتخصص في هذا المجال.
تحول كبير
وتشير الدكتورة سلامة إلى أن هذه الخطوة شكلت تحولاً كبيراً في حياتها كفتاة تبتعد للمرة الأولى عن أهلها وبلدها، وتنتقل إلى بلد مختلف في كثير من النواحي، فكانت هذه البداية في تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس في كل شيء.
وبعد رحلة دراسية متميزة استمرت ثلاث سنوات تخرجت بدرجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف، وتمكنت بفضل الله من ترك انطباع متميز عن الطلبة الإماراتيين الدارسين في الخارج الذين لا يسعون سوى إلى التميز في دراستهم الجامعية.
طموح وإصرار
وتستطرد: لم أقف عند هذا الحد، فقد كان لدي طموح وإصرار للحصول على أعلى الدرجات العلمية من أرقى الجامعات البريطانية لأنقل حصيلة هذا العلم إلى الوطن الغالي، فأكملت دراستي في جامعة «ساسكس» البريطانية للحصول على درجة الماجستير في علم الجينات والبيولوجيا الجزيئية.
وهنا لاحظت الدكتورة المشرفة على رسالة الماجستير مثابرتي في إجراء التجارب العلمية فعرضت علي استكمال درجة الدكتوراه، وفي هذه المرحلة التحقت بالطاقم التدريسي لجامعة الإمارات، لأصبح معيدة فيها مع استمراري في مواصلة الدراسة في جامعة «ساسكس».
المختبرات
وتقول الدكتورة سلامة: بعد حصولي على درجة الدكتوراه عدت إلى الدولة وأنا أحمل طموحات كبيرة لخدمة وطني وأهلي، فالتحقت بالعمل كأستاذ مساعد في جامعة الإمارات العربية المتحدة، و بعد مرور فترة بسيطة على عملي في الجامعة تزوجت وانتقلت إلى أبوظبي حيث يعمل زوجي.
والتحقت للعمل في هيئة البيئة في مجال المختبرات، وقد تقرر بعد ذلك دمج المختبرات مع جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية كمرحلة أولى استعداداً لتكوين المختبرات المركزية على مستوى الإمارة، وهنا أصبحت المختبرات تحت إدارة جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية.
وتضيف: مع التحاقي بالعمل في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية كُلفت بمهمة تأسيس مختبر للبيولوجيا الجزيئية لفحص الحمض النووي في الأغذية (DNA)، فحرصت على نقل أفضل الممارسات العالمية من خلال عمل المقارنات المعيارية للمختبرات العالمية في هذا المجال، وقد نجحت ولله الحمد في تأسيسه، وتوج هذا الإنجاز بعد ذلك بأن حصل المختبر على الاعتماد الدولي من هيئة الاعتماد البريطانية.
صفات القائد
وتقول: توليت بعد ذلك إدارة مختبرات الأغذية في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية تحت مسمى مديرة إدارة المختبرات، ولإيماني بأن من صفات القائد الإصرار والإرادة والحزم والتنظيم والقدرة على اكتساب الثقة والمحبة والتفاهم المتبادل بين فريق العمل.
فقد حققت مع فريق العمل في المختبرات نجاحات كثيرة في فترة وجيزة أذكر منها على سبيل المثال استحداث تحاليل جديدة لأول مرة في مختبرات الأغذية على مستوى الدولة للكشف عن غش العسل بخلطه بالدبس أو السكر أو تغذية النحل على سكر.
بالإضافة إلى استحداث تحاليل للكشف عن الحمض النووي في الأغذية باستخدام تقنية DNA Chip والتي تستخدم للمرة الأولى على مستوى مختبرات الأغذية في الدولة، إلى جانب فك الشيفرة الوراثية للحمض النووي واستحداث طريقة لتحليل سموم «الإندوفايت» الفطرية في الأعلاف، وقد اعتبرت مختبرات الأغذية بالجهاز، مختبرات مرجعية في الدولة لهذا التحليل.
الأمومة
وتؤكد المهيري: وسط مشاغل العمل لا أنسى دوري كأم وزوجة، فلدي ولدان وبنت أحرص دائماً على قضاء وقت عائلي معهم، والخروج معاً في رحلات عائلية، وتربيتهم تربية نفسية وبدنية وعقلية، وإيمانية وأخلاقية سليمة، وتنمية قدراتهم حتى يستطيعوا النجاح في حياتهم.
وعن دور الأسرة تقول: أشعر بفخر كبير لما فعله أبي وأمي من أجلي فقد ربياني وعلماني وأحسنا تربيتي وتعليمي، حتى أصبحت أقوى على مجابهة كل أمر بروح من الإيمان والعقلانية والثبات الذي لا يقهره المستحيل، فقد كان والدي، حفظه الله، عسكرياً، بدأ جندياً ثم قائد سرية في قوة ساحل عمان، وهو من مؤسسي شرطة أبوظبي، إذ تدرج في مناصبه العسكرية فكان مدير شرطة العاصمة ثم مدير عام وزارة الداخلية، وأخيراً مفتش عام وزارة الداخلية.
القدوة
تعلمت من والدي الانضباط والدقة في العمل كما تعلمت منه الصبر والصمود والسير قدماً لتحقيق الأهداف دون وجل أو خوف، فقد كان مشهود لوالدي حرصه الدائم على إتقان عمله والتفاني فيه والتضحية في سبيل الوطن، ولم تمنعه كثرة مشاغله عن المتابعة والإشراف على تربيتنا أنا وأخوتي.
وكذلك متابعة تحصيلنا الدراسي، وقد كان لتربيته العسكرية أثرها علينا، فأصبح قدوة لنا في الانضباط والتفاني في العمل وإتقانه وحب الوطن ورموزه، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وقوة الشخصية، والتطلع دائماً للأفضل في الوصول إلى أعلى المراتب بالجهد والعرق والعمل الجاد.
وتستطرد سلامة المهيري: لقد حرص الوالد على غرس حب القراءة في نفوسنا منذ الصغر، فكانت هناك مكتبة كبيرة في البيت يزودها دائماً بالكتب الثقافية والعلمية المتنوعة، والتي كان يجلبها معه من جميع الدول التي يزورها، ولا تزال هذه المكتبة موجودة في بيت العائلة، أما والدتي فقد تعلمت منها التفاعل مع المجتمع.
وحب الوطن والإخلاص لترابه ولقيادته التاريخية، ممثله في شخص القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وفي أنجاله البررة وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
رسالة إلى الشباب
قالت الدكتورة سلامة المهيري مدير إدارة المختبرات في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية، إن الأسرة هي اللبنة الأساسية التي تقوم عليها حياة الأبناء، وعلى الآباء ألا يتدخلوا في اختيار مجال دراسة أبنائهم، وأن يكون الاختيار قائماً على أساس تفهمهم لمستوياتهم الدراسية واستعداداتهم وميولهم.
ووجهت الدكتورة سلامة المهيري رسالة إلى شباب الوطن قائلة: عليكم النهل من منابع المعرفة بحب وشغف، فمتى أحببتم دراستكم فإنكم ستنجحون فيها بتفوق، ومتى تفوقتم ستكونون ركيزة مجتمعكم الذي يعول عليكم في الرقي به إلى أعلى المستويات. وابتعدوا عن التواكل وأحبوا أعمالكم، واجتهدوا فيها.
بين العبادة والأكل
أوضحت الدكتورة سلامة المهيري أن شهر رمضان المبارك، لا بد وأن يُخص باستعداد فريد، ولا يقصد هنا الاستعداد بالطعام والشراب، فشهر رمضان شهر روحاني تزداد فيه العبادات، وتكثر فيه الصدقات وتتصافى فيه القلوب والنفوس.
وقد اعتاد الناس خلال هذا الشهر الكريم على سلوكيات تميز هذا الشهر وتجعله مختلفاً عن سواه من الشهور، سواء كانت هذه السلوكيات دينية واجتماعية، أو حتى في إهداء وتبادل بعض الأطباق مثل: الهريس والعصيد والفرني والساقو، إلى بعضهم البعض قبل الإفطار، والتزاور في بينهم للمباركة بحلول الشهر الفضيل، وهذه الطقوس تربينا عليه منذ الصغر، ونحاول أن نغرسها في نفوس أبنائنا في كل وقت وحين.