من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
طالما أن شعار «وضع الرجل المناسب في المكان المناسب» يؤكد حسن اختيار المسؤولين الأكفاء للاضطلاع بمسؤوليات ومهام العمل وقيادة المؤسسات التي تعهد اليهم، فإن هذا الشعار يتجسد على أرض الواقع في الدكتور المهندس علي محمد الخوري مدير عام هيئة الإمارات للهوية، المؤهل لقيادة دفة العمل في هذه المؤسسة الوطنية العملاقة التي تتولى تنفيذ واحد من أكبر وأهم مشاريع الدولة المتمثل في إصدار بطاقات هوية، وتنفيذ مشروع السجل السكاني في الدولة. يتملك الدكتور الخوري العديد من المزايا التي جعلت منه الرجل المناسب لهذه المؤسسة المهمة.. في جانب الدراسة والعلم فهو متخصص في تقنية المعلومات وحاصل على الدكتوراه في الهندسة الإدارية، ناهيك عن عمله في القيادة العامة لشرطة أبوظبي، وهذه المحطات والخبرات ساهمت في تحول الهيئة لتصبح أحد أنجح مؤسسات الدولة في سنوات تعد على أصابع اليد.
بعيداً عن العمل وما حققه من إنجازات ونجاحات باتت معروفة وملموسة لدى الجميع في هذا المشروع الوطني، نفتح خزانة ذكرياته ونغوص في بعض الجوانب الخفية في حياته، التي شكلته وجعلت منه الدكتور المهندس علي محمد الخوري الشخصية العامة في المجتمع.
الميلاد والنشأة
في البداية يقول الدكتور علي الخوري إنه ولد في أبوظبي، وذكرياته عن النشأة الأولى ضبابية وغير واضحة المعالم. لكن ما يعرفه أن طفولته كانت بريئة وعفوية وبسيطة في كل شيء «المدرسة والبيت والفريج»، ويومه كان ينحصر في دائرة محددة تبدأ من المدرسة إلى المنزل ومن المسجد إلى المنزل، فقد كان يحفظ القرآن الكريم في مسجد جبريل المقابل لمنزله.
ويرى الخوري أن مرحلة الطفولة هي من أهم المراحل في حياته، ففيها كانت البدايات التي رافقته، وكان لها الأثر البارز في تحديد مساراته وكل ما تشربه من معاني وقيم وسلوكيات في تلك المرحلة، كان لها دور بارز في حياته، ويستحضر الخوري هنا المقولة الشهيرة في علم النفس: «إن الأب الحقيقي لأي رجل هو الطفل الذي كان في سنوات عمره الست الأولى».
بيئة بسيطة
ويضيف إن البيئة التي نشأ فيها كانت بسيطة، ومن يعرف أبوظبي في بدايات سبعينات القرن الماضي يُدرك تماماً معنى البساطة الذي يتحدث عن، إذ كان البحر بجماله وروعته حاضراً بقوة في تلك البيئة، والرمال والصحراء وشهور الصيف بحرارتها ونكهتها الخاصة في الوقت ذاته، كانت مكوناً رئيساً من مكونات البيئة، وأثراً بارزاً من جماليات أبوظبي بشكل خاص والإمارات بشكل عام.
حنين إلى الماضي
ويشير الخوري إلى أن الطفولة مرحلة مهمة جداً من حياته، وكان لها الدور الأكبر في تشكيل شخصيته وتهيئته بشكل مناسب لمواجهة المستقبل والتعامل مع الأيام، وكانت علاقات الصداقة الطفولية وممارسة الرياضة لاسيما لعبة كرة القدم، أبرز ملامح تلك المرحلة.
ويقول إنه لن ينسى دور الأسرة في حياته مهما طال به الزمن، والدور الأكبر لوالده رحمه الله، منذ بداية ارتباطه بحفظ القرآن الكريم، وقد كان من الأوائل الذين حفظوا كتاب الله عن ظهر قلب، وكان يحرص على غرس مبادئه وتعاليمه في نفوسنا صغاراً.
البحر و«الفريج»
ويعود إلى منطقة مهمة في حياة كل طفل، متذكراً أماكن اللهو واللعب في تلك الفترة من حياته.. في ساحات المدرسة وشاطئ البحر والفريج، وهي الأماكن التي كانت متاحة في تلك الأيام، والتي عشنا فيها سنوات طفولتنا ومارسنا هواياتنا المحدودة والمتواضعة.
ويتذكر الدكتور علي الخوري الحالة الاقتصادية في تلك الايام قائلاً: كان يغلب عليها البساطة، وكانت الدولة تخطو خطواتها الأولى الواثقة في تشكيل كيانها الاقتصادي الذي ترسخ وأصبح شامخاً حالياً، وكانت التجارة تشكل مصدر الرزق لمعظم العائلات في أبوظبي، وبدأت صناعة النفط تتبلور وتتشكل ملامحها. ومن ثم جاء دور الوظيفة الحكومية لتأخذ مكانتها في حياتنا.
الدراسة والإمكانيات
وعن دراسته يقول إنه تلقى تعليمه في مدارس الرازي والقرطبي والمتنبي في أبوظبي، وكانت الدراسة تقليدية وظل التحدي الأبرز الذي واجهه سابقاً التمكن من متطلبات اللغة الإنجليزية، وقد كانت اللغة عالماً جديداً بالنسبة له، اجتهد وبذل جهوداً كبيرة في تعلم هذه اللغة، وكانت الحياة الأكاديمية بسيطة في تلك الأيام، والفكر لدى طلبة المدارس أكثر بساطة ومنحصراً في قضايا محدودة جداً، بسبب طبيعة الحياة، ولأن الدولة الحديثة كانت في بدايات تشكلها.
ويتابع: كنتُ طالباً عادياً ولم أتعرف على قدراتي طيلة المراحل الدراسية الثلاث الابتدائية والإعدادية والثانوية، ولم أتمكن من تحديد إمكانياتي بشكل جيد، ولا أعرف سبب ذلك حتى الآن، وأستطيع أن أقول بمنتهى الصراحة إنني لم أكن طالباً متميزاً في تلك المراحل الدراسية.
ويعتبر أن التعليم الآن يختلف 180 درجة عن الذي كان متاحاً في أيامنا، والدولة لم تقصر في هذا الجانب، فوفرت ولا تزال كل شيء لإنجاح العملية التعليمية، والآن كل شيء متاح للطلبة، مدارس وفق أرقى المواصفات والمعايير العالمية، وهناك محاولات جادة ومتواصلة في دعم وتطوير مسار التعليم في الدولة.
المدرسة «شيري»
ويؤكد الخوري أن تدرجه في العملية التعليمية كان سلساً.. فاجتاز جميع مراحل الدراسة بنجاح إلى أن كانت النقلة النوعية الأولى في مسار حياته الأكاديمية والعملية كليّات التقنية العليا، وتحديداً في كلية أبوظبي للطلاب عند بداية إنشائها. ففي بداية التحاقي لم يكن الهدف لدي أكثر من تجربة قررتُ خوضها وأنا على مشارف العشرين من العمر دون رؤية محددة.
ومن أهم المواقف التي يتذكرها الخوري في تلك الفترة هي تلك المواقف المرتبطة بمدرسته الكندية في كليات التقنية العليا واسمها شيري، وشخصية هذه المدرسة المتقدمة في العمر كان فيها من «الكاريزما» شيئاً، وقد أسهمت بشكل كبير في مساندته على التعرف إلى قدراته الحقيقية.
كما أيقظت في أعماقه رغبة وإصراراً كبيرين على مواصلة رحلة التعليم العالي والتي بدأت بحصوله على شهادة الدبلوم العالي في تكنولوجيا المعلومات والتجارة بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، والمركز الأول على مستوى الدولة. وواصل الخوري تعليمه وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم، تخصص تكنولوجيا المعلومات والإدارة التجارية من جامعة مانشستر في بريطانيا بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف.
كما حصل على ماجستير العلوم، تخصص إدارة المعلومات من كلية العلوم الإدارية من جامعة «لانكستر» في بريطانيا وبدرجة امتياز. وعلى درجة الدكتوراه في الهندسة الإدارية، تخصص إدارة المشاريع الاستراتيجية في القطاع الحكومي من جامعة «وريك البريطانية»، بتقدير امتياز، ونالت رسالة الدكتوراه عدداً من شهادات التقدير من مؤسسات علمية دولية مختلفة.
دخول السوق
وعن بدايات دخوله سوق العمل يقول الخوري، إن رغبته منذ الطفولة أن يكون عسكرياً في الجيش أو الشرطة، وكانت رغبة والده وإصراره أن يعمل في القطاع الخاص والتجارة الحرة كأجداده، لكنه بدأ حياته العملية في القوات المسلحة، والسبب إعلان في أحد شوارع أبوظبي في بدايات 1990، مكتوب عليه «الدولة تنادي أبناءها»، وكان وقتها غزو الكويت، فحمل جواز سفره وأخذ أوراقه من والده، ودون أن يدري ذهب ليسجل في القوات المسلحة، وعملت هناك حتى انتهاء الغزو ثم قدم استقالته.
وبعد انقطاع عام عن العمل، التحق بالقيادة العامة لشرطة أبوظبي وكان والده حينها أيضاً يلح عليه ويدعوه للعمل في القطاع الخاص، وقد عمل لمدة 14 عاماً بوظيفة مدير التطوير، أشرف خلالها على مشاريع استراتيجية مختلفة منها مشروع الحكومة الإلكترونية، وأنظمة تكنولوجية مختلفة، ومشاريع حيوية وأمنية أخرى.
إخلاص النية
عن فسلفته في العمل، يشير إلى أنها تكمن في ضرورة إخلاص النية في كل أعمالنا لله سبحانه وتعالى، فالإيمان بالله عز وجل هو طريق النجاح والتوكل على المولى عز وجل هو ضمانة الفلاح. والثقة بالله سبحانه وتعالى دائماً هي مفتاح كل صعب.
ويقول: المعادلة التي رسمتها لحياتي هي محاولة الإخلاص ثم الإخلاص ثم الإخلاص للعلم. فبالعلم نخدم وطننا ودولتنا. وبه نقدم شيئاً للإنسانية والبشرية.. شيئاً يُسهل عليهم حياتهم. ويُسهم في إدخال الفرح والسرور والبهجة إلى قلوب البشر.
وأذكّر نفسي دوماً.. وأذكّر إخواني وأخواتي بضرورة حذف كلمة مستحيل من قاموسهم اللغوي وإلى الأبد. ويرى الدكتور علي محمد الخوري أن التطور الذي شهدته الدولة ولا تزال، هو تطوّر هائل في القطاعات كافة، فالدولة تسير بخطى واثقة نحو تحقيق رؤيتها «رؤية الإمارات 2021» وستُصبح الإمارات واحدة من أفضل دول العالم. وإذا أردت أن تعرف درجة التطور الذي شهدته دولتنا فانظر إلى الوراء قليلاً. إلى ما قبل عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن. وقارنه مع ما يجري حولك، ستجد كل شيء مختلفاً.. الإمارات الآن ولله الحمد دولة عصرية وكيان اقتصادي، وأمان من أعلى المستويات، وبيئة عمل جاذبة لكافة جنسيات العالم.
شرف التكليف
حظي الدكتور علي الخوري بشرف التكليف بالعمل في هيئة الإمارات للهوية، منذ تأسيسها كفكرة، وقد كان عضواً في اللجنة التنفيذية لمشروع بطاقة الهوية منذ بدايات تأسيس المشروع في وزارة الداخلية، وانتقل بعدها إلى هيئة الإمارات للهوية بقرار وزاري من الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية نائب رئيس مجلس إدارة هيئة الإمارات للهوية، في وظيفة مدير الإدارة العامة لتقنية المعلومات والاتصالات، ثم عين مساعداً للمدير العام للعمليات المركزية، ومديراً تنفيذياً للتخطيط والجودة، ومن ثم مديراً عاماً لهذه الهيئة الوطنية الرائدة منذ شهر أغسطس من العام 2009.
ورغم مسؤوليات علي الخوري المتعددة إلا أنه لم ينقطع عن البحث العلمي، وهو يرى أن البحوث العلمية بالنسبة له هي «زكاة العلم» الذي أكرمه الله تعالى به وأعانه على مواصلة رحلته الأكاديمية. والمسألة ببساطة أنه اعتاد تنظيم وقته، لاستثماره بشكل فاعل، وهو يستغرب من الذين يشكون من أوقات الفراغ في أيامهم، ويحزن كثيراً حين يرى البعض وهو يتعامل مع الوقت بدرجة عالية من اللامبالاة وغياب المسؤولية.
ويقول إنه نشر أكثر من 60 بحثاً ودراسة علمية في مجال التطوير الإداري، والتحول المؤسسي، والحوكمة الإلكترونية، ودعم الاقتصاد المعرفي والرقمي، بالإضافة إلى العديد من البحوث العلمية المتخصصة في مجالات مختلفة.
الوقت والأبناء
يختتم الدكتور علي الخوري حديثه عن أبنائه، مشيراً إلى أن لديه عشرة أبناء هم: حمدان، ومحمد، وسيف، وعبدالعزيز، وعنود، وشيخة، وروضة، وعائشة، ومريم، وسلامة. منهم من لا يزال في المرحلة الابتدائية.. وآخرين موزعين بين المرحلتين الإعدادية والثانوية والجامعية، أصغرهم سلامة وقريباً تُكمل عامها الثاني.
ويقول: بصراحة أشعر بالتقصير تجاه أسرتي وأطفالي، فمعظم أوقاتي مخصصة للعمل وللبحوث العلمية والمشاركة في المؤتمرات المحلية والإقليمية والعالمية.. أستمتع كثيراً في الوقت الذي أقضيه مع أطفالي، وأبذل قصارى جهدي في تخصيص نهاية الأسبوع لأسرتي فقط. وبالنسبة إلى المنهج الذي أتبعه في تربيتهم وتعليمهم فهو يعتمد على زرع منظومة القيم التي نشأتُ عليها في أعماقهم. وترسيخ مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف في قلوبهم وعقولهم. وحثهم على تجسيده في حياتهم سلوكاً وممارسة.
والمنهج الذي أتبعه مع أطفالي لا يختلف كثيراً عن المنهج الذي اتبعه والدي رحمه الله، في تربيتنا، فالنبع واحد والمصدر واحد والأهداف واحدة لكن رؤيتي تختلف قليلاً وكذلك أساليبي في التربية لاختلاف التجربة الحياتية، وربما بسبب الفترة التي قضيتها طالباً في الغرب.