من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات.
ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».
طموحه لم يعرف المستحيل، وأحلامه فاقت التوقعات، حينما اجتاز الصعاب بخطواته الواثقة والثابتة، فهو لم يسلم لليأس يوماً رغم أن واقعه المهني لم يأتِ منسجماً مع حلم الطفولة، وقد تشبث بما أخفاه له القدر، فشمر عن ساعديه باحثاً متفحصاً عن ثغرات القانون وحقائق الواقع، ليكشف بحنكته أقنعة مزيفة اعتاد أن يرتديها المحتالون، فترسخ اسمه في مناصب عديدة، وارتبط بعدد كبير من البرامج القانونية والاستشارية.. إنه الدكتور يوسف عبدالغفار الشريف المحامي والمستشار القانوني، نتلمس معه بعض محطات حياته لنروي في «زيارة» تفاصيل ومواقف وذكريات عديدة.
ولد الشريف في مدينة الشارقة وتربى في كنف والديه، وفي طفولته انتقل مع عائلته إلى الكويت بحكم ارتباط والده بالتجارة، فتفتحت مداركه على التمدن والتطور، وتنقل بين مدارس الكويت إلى أن أكمل الثالث الإعدادي، وبعد ذلك أجبره الحنين وعائلته إلى العودة إلى أرض الوطن، ليكمل مشواره الدراسي في مدارس الشارقة.
واستطاع أن ينسجم مع الجو الدراسي الجديد في الشارقة، بفعل تكوين الصدقات مع الطلبة والمعلمين، وفي تلك الأثناء تجلى حبه للظهور في الإذاعة المدرسية، واستطاع أن يُعرف المجتمع المدرسي بشخصيته المتميزة، وذلك عن طريق مشاركاته المتواصلة في تلاوة القرآن وتقديم البرنامج الإذاعي اليومي في المدرسة.
رخصة القيادة
يقول الشريف: ساهم ظهوري في الإذاعة المدرسية في تكوين علاقات حميمة مع المعلمين، الذين تغاضوا عن تقصيري في المنهج الدراسي الذي كان دسماً مقارنة مع المنهج الذي كنت أدرسه في مدارس الكويت، وتمكنت في عامي الأول من أن أثبت جدارتي في الأنشطة المدرسية وحصلت على إحدى عشرة جائزة شاطرني فيها الاختصاصي الاجتماعي، وفي الثاني ثانوي اخترت القسم الأدبي.
وقد وجدت ميولي فيه وبالفعل حصلت على المركز الأول على مستوى المدرسة، لكن تفوقي تراجع منذ حصولي على رخصة قيادة، وبدأ إهمالي للدراسة بسبب فرحتي بالرخصة وقيادة السيارة، التي أخذت من راحتي الكثير، وذلك لخروجي المستمر وجولاتي المتكررة على بحيرة الشارقة حتى أوقات متأخرة من الليل، لذلك أنصح أولياء الأمور والطلبة ألا يقعون في المطب الذي وقعت فيه، لأن سنوات الدراسة هي سنوات تحديد المستقبل، والطالب إذا حصل على السيارة فإن تركيزه سينصب على قيادتها، فتصبح دراسته في خطر.
ولادة المحاماة
ويضيف: أنهيت مرحلة الثانوية بتحصيل دون الذي كنت أطمح إليه، وكانت رغبتي حينها كما باقي زملائي بأن التحق في السلك العسكري، لكن رغبة والداي رحمهما الله كانت أقوى، ورغم طلبي من والدي أن يتوسط لتسهيل إجراءات قبولي في العسكرية لكنه فعل العكس، وكان الخيار المتاح أمامي أن التحق بجامعة الإمارات، واخترت تخصص القانون، ووضعت نصب عيني أن أصبح وكيل نيابة، لذلك بدأت التدريب في المحاماة منذ العام الأول لدخولي الجامعة.
مرافعة مبكرة
وخلال المرحلة الجامعية، التزم الدكتور يوسف الشريف بالحضور الدائم في المحاكم، واطلع على العديد من محاضر الجلسات والقضايا، وساعده في ذلك عمل شقيقه عبدالرحمن في المحاماة، ومن المواقف التي لا تفارق مخيلته كما يقول: كنت في الأيام الأولى في التدريب وترافعت عن إحدى القضايا دون أن يشعر القاضي أنني متدرب، وشعرت بالخوف والارتباك خشية أن يكشف أمري.
وتجاوزت هذا الموقف من دون عثرات، وأثناء تدريبي في المحكمة تعرفت على أحد القضاة والذي غرس لدي حب التعمق في دراسة القانون، فبدأ يقدم لي مجموعة من القضايا ويطلب أن أفصل بالحكم فيها، وبعد أن اطلع على الحكم الذي أقرره، ينهال علي بجمل المديح والتشجيع والثناء لأن قراراتي كانت سليمة.
وذلك بدوره ساهم في تعزيز رغبتي نحو دراسة القانون، وبالإضافة إلى التدريب في المحكمة، فقد شاركت في العديد من الأنشطة في الجامعة حتى أصبحت رئيساً لجمعية الشريعة والقانون، كما أنجزت مقراً خاصاً لممارسة أنشطة الجمعية.
سلبيات التدريب
تخرج المحامي والمستشار القانوني يوسف الشريف من الجامعة في عام 1993، وتقدم بطلب الحصول على وظيفة في النيابة العامة ولم يجد قبولاً، وحينها ظل شقيقه يلح عليه باستمرار أن يعمل في المحاماة، وعلى الرغم من أنه تدرب في هذا الحقل إلا أنه لم يفكر أن يمتهن المحاماة.
ولكنها كانت الخيار المتاح أمامه، فبدأ التدريب لأن من شروط الالتحاق بالمحاماة حينها التدريب مدة عامين، والتي يعتبرها فترة قاتلة للتفكير، لأن المتدرب لا يكتسب مهارات جديدة من جلوسه صامتاً، فالمحامي بحاجة إلى الممارسة وليس إلى الجانب النظري.
صلاة الاستخارة
ويضيف: بما أنني لم أفكر بالعمل في المحاماة قبيل شروعي في التدريب، مكثت أصلي صلاة الاستخارة مدة ثمانية شهور متواصلة، حتى تحولت الاستخارة بعد ذلك نحو الزواج، وتزوجت وحصلت على شهادة الماجستير في الفترة نفسها، وأنهيت فترة التدريب التي كانت أجواؤها محبطة وقاتلة لطموحي، ولكن لم يثنِ ذلك من عزيمتي فقررت أن أستقل بذاتي، وأشق لي اسماً بين عمالقة المحامين.
ويرجع الفضل في ذلك إلى رغبة شقيقي الواضحة، والذي كان يجبرني على تعلم أصول المحاماة، فتمكنت من إنشاء أول مكتب في العام 1995، وبدأت أصقل فيه قدراتي الشخصية، وكنت أتردد على قاعات المحاكم بشكل مستمر، وتمكنت من خلق شبكة علاقات قوية مع القضاة والموظفين، ساهمت في تسليحي بالعديد من الأساسيات التي مكنتني من الانخراط بشكل أكبر في المحاماة.
العلاقة الأسرية
ويقول الشريف: رغم أعمالي الكثيرة، إلا أنني أظل قريباً من أسرتي وأبنائي وأحرص على التحدث معهم والاستماع إليهم، وأنصح أولياء الأمور بتنظيم أعمالهم وتوفير الوقت الكافي للجلوس مع الأبناء، واحتضانهم بفرحهم وهمهم خصوصاً عند عودتهم من المدارس.
ومناقشة توجهاتهم ورغباتهم حتى لا يفتقدوا ذلك في المنزل. كما أن مهنة المحاماة من المهن التي تمتزج فيها المشاعر الفردية مع مشاعر الآخرين فهي محاولة إزاحة الهموم والمشاكل عن الآخرين، ولكن قد تسيطر هذه الهموم بأثقالها على شخص المحامي، مما يخلق لديه حالة من الاكتئاب الذي قد يؤثر على حياته الأسرية، لذلك يتوجب عليه أن يترك شؤون العمل خارج المنزل، بحيث لا تؤثر على واقعه الأسري.
أول قضية
قال يوسف الشريف إن أول قضية صقلت شخصيته في المحاماة حصلت عندما كان متدرباً، وطلب منه شقيقه أن يرفع بلاغاً ضد شخص أصدر «شيك» بمبلغ كبير وتهرب من تسديده، إذ دعاه الشريف إلى المكتب حتى يتفاوض معه وفي الوقت نفسه أبلغ عن مكان وجوده وألقي القبض عليه.
وفي الأثناء بدأ المتهم يتوسل ويخبره أنه بريء، مما أثار الحزن في نفسه، وشعر بأنه ظلمه، ومن شدة التفكير لم يعرف طعم النوم لأيام، حتى جاء يوم النظر في القضية، فاكتشفت أنه إلى جانب قضية الشيك، فقد زور المتهم بعض المستندات التي تثبت براءته، فأيقن حينها أن لا ينجر خلف الأقنعة التي يرتديها المخالفون للقانون.
الدخول من النافذة
أوضح الشريف أن المحاماة تتعلق بحقوق أشخاص والأرواح، لذلك يجب على المحامي ألا يزور الحقيقة في سبيل الوصول إلى الهدف الذي يسعى إليه، كما أنه من المهم أن يتعامل مع الموكل بمصداقية، وفي حالة ثبوت أنه صاحب حق، يتبع المحامي سياسية الدخول من النافذة من خلال استغلال الثغرات التي تثبت الحق. وأشار إلى أن الإصلاح في الأسرة هو الأساس، وأنه رفض الكثير من القضايا التي ربما تؤدي إلى هدم أركان الأسرة.
كما أنه يفضل أن يقضي الساعات والأيام في أن يصلح بين زوجين، خوفاً من هدم أسرة بسبب ساعة غضب، وفي الإطار نفسه أكد أنه لا يتعامل مع جميع القضايا، ويتجنب تلك التي تختص بالقتل والترويج للمخدرات، كما أنه لا يشترط البراءة في موكله، ولكن من خلال مهارته في المحاماة يشعر في كثير من الأحيان بمدى مصداقية من يوكله في بعض القضايا.
الزوجة الأطول
من المواقف الطريفة التي تطرق إليها المحامي والمستشار القانوني يوسف الشريف، أنه كان حاضراً لإحدى الجلسات في المحكمة، وكان القاضي ينظر الفصل في خلاف بين رجل وزوجته، وبعد النظر في القضية والخروج من القاعة، أمسكت المرأة زوجها والتي تطوله بعدة سنتيمترات من «كندورته» وانهالت عليه بالضرب.
وبعد أن أوسعته من اللكمات في جسده، عاد الزوج إلى القاضي ليخبره بما فعلت به زوجته، فقال له القاضي: «أنت وشأنك؛ من الذي فرض عليك أن تتزوج بامرأة أطول منك».
ديكور مكتب المحاماة
في عام 2000 حدثت نقلة أخرى في حياة الشريف المهنية، وذلك حينما زاره أحد المخرجين من تلفزيون الشارقة، فأعجب بديكور مكتبه، واختاره لتصوير بعض اللقطات، فرحب الشريف بالفكرة وتم التصوير، ثم طلب منه أن يقدم برنامجاً في التلفزيون، ولم يعارض الفكرة لأن الإذاعة المدرسية صقلت فيه موهبة الظهور الإعلامي.
وبعد اجتياز اختبارات الصوت والتصوير، شرح الشريف فكرته أمام مدير التلفزيون، وكانت عبارة عن برنامج قانوني اسمه «روح القانون»، يستضيف خلاله قضاة ومحامين لمناقشة القضايا والأحكام المتعلقة بشؤون المجتمع، والذي بدوره أيد الفكرة.
بدأ الشريف العمل في البرنامج التلفزيوني، الذي لاقى استحسان العديد من الناس، لكنه لم يمكث طويلاً، فتوقف في شهر رمضان وبعد غياب شهور عدة، قدم برنامجاً آخر اسمه «العدالة» واستمر نحو عام ونصف، وحقق نجاحاً كبيراً، ونتيجة نقص الخبرة الإعلامية، فقد عمل على تغير فكرة البرنامج حباً في التجديد.
ولم يدرك سلبيات التغير إلا بعد مدة من الزمن، ومن التلفزيون انتقل إلى تقديم برنامج إذاعي، والذي وجد أصداءً كبيرة حينها، ومكث فيه قرابة ثلاثة أعوام، ولم يكن خلف ظهوره في وسائل الإعلام قصد الشهرة، وإنما نقل رسالة ظل يعتبرها واجباً تجاه المجتمع.