من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف إلى الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».تعودنا على سماع الأخبار من حنجرته الذهبية.

وعندما تلتقط آذاننا نبرة صوته الجادة، نعي أن هناك قصصا وأخبارا يسردها مذيعنا المخضرم عبر شاشة دبي، وثمة ظواهر وقضايا تلتوي على المجتمع فيسدل الستار عنها في تعليق مفعم بالإثارة والشغف لمتابعة الحدث. ولا ننسى هنا مدى تعلقه بالمناخ وتقلباته، فيعد لنا تقارير إعلامية تتعلق بأمطار الخير أو ما يُطلق عليها "الروائح" عندما تهطل على أراضي دولتنا الحبيبة. الإعلامي والمذيع حمد ناصر السويدي في حواري معه يروي قصته مع الإعلام ويقرأ لنا سيرة حياته في الأسطر التالية.

يختصر السويدي طفولته الدافئة في سلسلة من الذكريات والأحداث، فيقول: ولدت في دبي عام 1960 وترعرعت وعشت في منطقة "فريج المنيرة"بالقرب من متحف دبي الحالي، وانا الابن الثالث في شجرة الأسرة، ولي شقيقان احمد ومحمد، ويصغرني شقيق آخر هو خالد. تأرجح تعليمي بين الإمارات وقطر، فدرست الابتدائية في مدرسة الريان القطرية، وأكملت بعدها تعليمي في مدرسة جمال عبدالناصر في دبي، ومن ثم مدرسة أبوالعلاء المعري والمهلب الثانوية مساءً. ولم تشبع المدرسة رغبتي في التعليم، فقررت الالتحاق بجامعة الإمارات في مدينة العين عام 1985، والولوج إلى تخصص الإعلام تالياً.

ذكريات ومواقف

كانت أيام الدراسة حافلة بالذكريات، ولا تبرحها مواقف واجهتني أثناء الدراسة كثيرة ومتعددة منها الطريفة والغريبة، ومن المفارقات التي قلما تحدث، كنا في الفصل في حصة عن الإغماء، وكان المدرس يشرح لنا كيف يحدث الاغماء وما هي الطرق المثلى لإسعاف الشخص المغمى عليه. وفجأة ونحن نتابع الطرق العلاجية للشخص المصاب بالإغماء، حدثت حالة إغماء اثناء الشرح وسقط أحد الطلبة مغمياً عليه فانقلب الدرس النظري إلى درس عملي فكان درسا عملياً مفيداً رغم تعاطفنا مع الطالب واضطرابنا من هول الحدث.

ومن الطرائف الراسخة إلى الآن، كنت متأخراً عن الامتحان فهرعت مسرعاً إلى المدرسة، وما أن دخلت من الباب انقطعت الحبال التي أشد بها فردة الحذاء، وحاولت إصلاحه سريعاً بلا فائدة، فاستشطت غضباً ورميته بقوة ما أملك، ودخلت قاعة الامتحان وأنا غير مبالي بأنني حافي القدمين، وستر الموقف ارتدائي "كندورة" طويلة، ولكن بعد أن أنهيت امتحاني كُشف أمري، وتصاعدت ضحكات الأصدقاء من حولي مقهقهين على المشهد.

دراسة الاعلام

بعد سنوات من التعليم والتنقل بين المدارس، انتسبت إلى جامعة الإمارات، واستهوتني دراسة الإعلام، وبدأت تجتاحني أفكار في ما سأجنيه من هذا التخصص، وفعلاً درست الإعلام وأدركت أنه مناسب لما كنت أصبو إليه، فتخرجت في عام 1985. وكانت هذه السنوات الجامعية كفيلة بأن تصقل موهبتي الإعلامية التي برزت ملامحها في تلك الأثناء، ومهدت لي الدخول إلى سوق العمل بسهولة ويسر، والأمل يحدوني إلى حصد المزيد.

كانت الدراسة تستنزف جل وقتي، والتدريبات محصورة زمنياً على بعض آلات التصوير، وقد أفادتني هذه التجارب في حياتي الدراسية والعملية رغم شح الامكانيات.

وما ساهم في تشكيل ذائقتي الإعلامية، استماعي المكثف لإذاعة البي بي سي العربية وصوت القاهرة، ولا تخلو رحلاتي من حمل الراديو" الترانزيستور" لكني لا أتابع قنوات محددة وإنما يتشعب هاجسي في متابعة البرامج الهادفة والثقافية دائماً، وكنت أميل لها من تلقاء نفسي، ولا أعير أسماء المذيعين اهتماماً بل أضع في نصب عيني المحتوى.

ترك العمل

لي قناعة بأن بيئة العمل المتكاملة لا داعي لفقدانها، ومنذ وقوفي أمام شاشة التلفاز إلى الآن، وأنا أعمل في سرب مؤسسة دبي للإعلام وتحديداً تلفزيون دبي، ولم أفكر يوماً في الانتقال أو الخروج للعمل في مؤسسة إعلامية أخرى، فالعمل أداء رسالة قبل أي شيء واستقرار ثانياً. ويحدك الانتماء إلى بيئة العمل كما أسلفت من عروض القنوات الأخرى التي تأتيك من هنا وهناك، لاسيما وأني كرست سنوات من العمل في المؤسسة، وأشعر بأنها عائلتي الثانية لا قوة لي بتركها.

عند ظهوري أمام عدسة الكاميرا للوهلة الأولى، اجتاحتني موجات من الخوف والرهبة، وهذا في اعتقادي حال أي مذيع خاصة وأننا لم نتعود على هذه المواقف، وكانت تجاربنا شحيحة جداً في التدريب بحيث أننا تدربنا مرتين على الشاشة فقط حتى بدأنا كمذيعين للأخبار المحلية ومدتها لا تتجاوز 5 دقائق لكن مع مرور الأيام انحسرت تلك الرهبة وتبددت، وقادتنا الثقة إلى الاحتراف، واستفدنا كثيراً من أخطائنا الأولية، ولا نكاد نصدق عندما نتذكر مواقع الزلل والأخطاء الأولية.

لعل من أهم الصعوبات التي واجهتنا في بداية الطريق، شح الإمكانيات وتواضعها على خلاف ما تنضح بها المؤسسات الإعلامية من كوادر وأجهزة متطورة، لهذا تطلب العمل جهداً مضاعفاً والوقت بالكاد يسعفنا لإنجاز العمل وإخراجه على نحو أمثل.

هوايات أخرى

إلى جانب الإعلام، كنت أهوى دراسة الكون والظواهر الطبيعية كالأمطار والرياح والفلك وعادة ما أشتري كتباً تكشف فلسفة وعادات الشعوب وتقاليدها الغريبة وزرت عدة بلدان كما أحب المغامرة في سفرياتي إلى الدول، وأبحث عن المجهول والشيق منها. إضافة إلى هوايات أخرى تمثلت في كتابة الخط العربي بأنواعه ولعب الشطرنج والسباحة، والاهتمام بالحياة الفطرية وتدوين المصطلحات والمسميات القديمة.

أما هواية مطاردة الامطار هي قديمة جداً، فقد تعودت منذ الصغر أن أراقب الكون وأتابع تحركات السحب، وتمردت هذه الهواية في نفسي فأصبحت أطارد السحب وخاصة سحب "الروايح" التي عادة ما تنشط في فترة الصيف فهي تغزر في المناطق الجبلية والسهول المحاذية، لان طبيعة المناطق الجبلية تكون جاذبة لهذه النوعية من السحب وقد كنت أحمل كاميرتي الخاصة وأصور لقطات هطول الامطار وأحياناً أقوم بالتعليق أثناء نزول المطر كمعلقي سباقات الهجن أو مباريات كرة القدم.

وقد جمعتني تلك الاماكن بمجموعة من الشباب كنا في البداية معدودين على الاصابع فاكتشفت في ما بعد أنني لست وحيدا بممارسة هذه الهواية بل هناك آلاف الاشخاص ينجذبون لمطاردة الامطار ثم جاءت فكرة انشاء منتدى الكتروني اطلق عليه مركز العاصفة ويعتبر بمثابة البيت الثاني لمحبي الامطار ومن خلاله تم التعارف والالتقاء بمجموعة كبيرة من الشباب هواة الامطار واصبحنا اخوة متحابين ونتبادل الرسائل وعلوم الطقس والاتصال الهاتفي حيث تنشط اللقاءات في موسم الامطار ونجتمع احيانا في جلسات مرحة ونتبادل الاحاديث والطرائف.

وقد حدثت لي شخصياً عدة مواقف طريفة ومؤلمة في آن واحد اثناء المطاردات، مرة كنت منهمكا في تصوير سيل وادي ضخم، وأنا في وسط مجرى الوادي في السيارة وأثناء تأملي في جريان الوادي تفاجأت أن الطريق مسدودة أمامي ولا يوجد طريق سالك بحيث ان الوادي سيحصرني بين أنيابه ولكن تمالكت نفسي وصعدت جبلاً باستخدام الدفع الرباعي للسيارة وكنت على وشك السقوط من السيارة وأنال حتفي لولا عناية الله حيث أن زاوية الصعود كانت حادة للغاية.

برامج وأخبار

أدركت أن العقبات ستحوم ببيرقها، وظلت قناعة راسخة بأنه لا سبيل في التراجع عن الإعلام، فقدمت البرامج السياسية في الاذاعة والتلفزيون أحداث الاسبوع وما وراء الاخبار وبرنامج البيئة والمجتمع وطرائف وأمسيات شعرية وسلسلة من البرامج الحية في فترة العصر. لكن علاقتي بالأخبار هي علاقة شبه أزلية، فأنا لا أرى نفسي سوى عبر منصة الأخبار، ولا أخفيكم سراً أن هذا المجال له من الوقع الشيء الكبير، خاصة وأن عملية الأخبار دورية ويتغذى من خلالها فكري بكل ما هو جديد، وتباين الأخبار فيها بين ثقافي سياسي واجتماعي.

واستطرد: في تتبعي لواقعنا المحلي، نستشعر الرضا والسعادة بما حققته الإمارات من قفزات كبيرة في ساحة الاعلام، فأصبحت قنواتنا المحلية تنافس القنوات العالمية في تقنياتها وكوادرها المحترفة، لكننا في حاجة إلى معاهد اعلامية لتدريب وصقل المهارات، إذ لاحظت من خلال مشاركتي في لجنة أعضاء التحكيم بجائزة الشيخ ماجد بن محمد للإعلام أنه ثمة مواهب كثيرة تحتاج إلى تدريب ومتابعة لشحذ طاقات الشباب وتشجيعها للمثول أمام هذا الصيت الإعلامي.

ذاكرة

ثمة شخصيات رافقت حمد ناصر السويدي في تعليمه المدرسي، وتلك الأيام يقول إنها تبقى خالدة، ولعل أهم الشخصيات التي لا ينساها في تلك الحقبة، الشيخ سعيد بن محمد بن حشر آل مكتوم، والشيخ أحمد بن محمد بن حشر آل مكتوم، والشيخ سعيد بن جمعة آل مكتوم، ومطر محمد الطاير المدير التنفيذي لهيئة الطرق والمواصلات بدبي حالياً، وغيث الغيث مدير طيران "فلاي دبي" حاليا ، والدكتور منصور عقيل العور وخالد إبراهيم القاسم "دائرة التنمية الاقتصادية" وطارش عيد " شرطة دبي".

ويؤكد السويدي أن بعض الأسماء محفورة في الذاكرة، لها الفضل في دفعه وتشجيعه منذ بداية مسيرته الاعلامية يكن لهم كل مشاعر المحبة والتقدير ومنهم صلاح عويس والاستاذة سهير الحارثي.

 

 

ذكريات الفريج

 

عندما نتساءل عن أجمل أيام حياتنا، تتبادر في الذهن أيام الطفولة وعناصرها البسيطة، وهذا ما يتفق عليه السويدي فيقول: لسان حالي هو لسان حال أي فرد مارس الألعاب الشعبية القديمة، فرغم البساطة التي تميزت بها إلا أنها كانت تقوي العلاقات في ما بيننا، ونتوق شوقاً لملاقاة بعضنا البعض في الساحة، تلك الساعات حملت دفقاً مختلفاً وعلاقات حميمة. ولعل من أهم الألعاب التي مارستها، المسطاع والحويم والصقلة والتيلة والحِل وعظيم لواح واليوريد، أما سعف النخيل فكنا نصنع منها "مراوح". هذه الألعاب بدأت بالتنصل منها بعد أن بلغت في العمر، واستهوتني الرماية فحرصت على ممارستها باستمرار ولله الحمد ما زلت أمارسها إلى الآن رغم زحام الحياة بالعمل.