من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف إلى الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».

من عايش القوم ثلاثين يوماً صار منهم فما بالكم بمن عايش القوم والأرض اكثر من 47 عاما، سامي عبد الرحمن صقر مدير عام دائرة المالية في رأس الخيمة عاش فيها منذ 1964م ليساهم في بنائها وليسجل للتاريخ كلمة شاهد عيان على ما كان وما أصبح ، ليؤكد قدرة الإنسان أن يتحدى ظروفه ويقرر مصيره ويكلل نجاحه باقتدار مادامت الغاية هي الخير لكل الناس .

يؤكد سامي صقر في لقاء معه أن رأس الخيمة بنيت بسواعد رجال عرفوا قيمة العمل واعتبروه عبادة، بفكر قيادي واع للمغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم الإمارة، وكانت رغبته بمدها بكل الإمكانيات والكفاءات البشرية العربية لتطويرها سببا في تواجد سامي صقر هناك قادما من فلسطين بعد تخرجه من إحدى جامعات مصر.

حصن القواسم

يذكر صقر بداية تعرفه على مدينة رأس الخيمة القديمة حيث كان حصن القواسم العتيد هو مقر الحكم، وفي الدور الأول كان يوجد مكتب الشيخ صقر وملحقاته كذلك المجلس الرئيسي الذي كان يستقبل فيه الحاكم زواره الرسميين والبعثات الهامة القادمة للإمارة لمهام العمل سواء للتعليم والصحة كرؤساء وممثلين لبعثات دولة الكويت وقطر أو مبعوثين ودبلوماسيين أو ممثلين لشركات أو لمستشارين من أجل تنفيذ المشاريع الحيوية للبنية الأساسية كالماء والكهرباء والهاتف والميناء والمطار والطرق، وكان الشيخ صقر يشرف بنفسه على كل الأمور الأساسية والمهمة ويصدر بخصوصها القرارات والأوامر والمراسيم وكان يقف على كافة الاتفاقيات والمعاهدات والعقود لكل ما يتعلق بالإمارة من أمور أساسية واقتصادية وإدارية ومحلية، إضافة إلى الشيكات والكتب الموجهة للبنوك.

أما عن قوة الأمن فيبين أنها كانت موجودة حتى قبل تواجده في الإمارة وكانت تسمى "مطارزية" وهم مجموعة من الحرس الخاص المدرب المعروف بالولاء والإخلاص للحاكم وكانوا جميعهم من أبناء قبائل رأس الخيمة بإشراف الخبير كولونيل بيفن مبعوثا من قبل بريطانيا، وكل من محمد عبد الرحمن القاضي "أبوالقصيدة" وعلي اسماعيل سويد، وكل منهما برتبة ضابط شرطة حديث التخرج، وكأن ذلك في سنة 1965، بجانب ذلك كان يوجد قوة عسكرية تسمى ساحل عمان- القوات المتحركة- وكان يرأسها الشيخ احمد بن حميد القاسمي برتبة ضابط ومفتاح الخاطري برتبة ضابط، وفي شهر يوليو عام 1966 انتقل مقر الحاكم إلى مبنى الديوان الأميري في المعمورة الذي بني ليكون مقرا للحكومة والدوائر في تلك الفترة.

نشأة الدوائر

ويشير سامي صقر أنه عاصر نشأة معظم الدوائر في رأس الخيمة وواكب أهم التطورات التي حصلت على القديم منها، فدائرة الأشغال كان يرأسها الشيخ عبد الله محمد سالم القاسمي، وكانت تنفذ المشاريع الجديدة مثل مشروع الماء في منطقة البريرات والكهرباء في منطقة الجزعة ومشاريع الطرق وتطوير خور رأس الخيمة من جهة النخيل، وهي التي بتوفر العمالة والآليات والمعدات واللوازم المختلفة لتلك المشاريع "الدعم اللوجستي كما يسمى اليوم" وكان المهندس ويغمور والمهندس اوفلي هما القائمان بالأعمال الفنية وشركة هالكرو الإستشاري لكل المشروعات، وكان عمل الدائرة مهماً لمكتب الحاكم في هذا المجال.

أما دائرة الجمارك فقد كانت وما زالت من أهم الدوائر الحكومية في الإمارة وكانت تدعى جمرك رأس الخيمة ومديرها عبد السلام محمد سعيد، وتسلم ادارتها يوسف غريب وطورها حسب متطلبات المرحلة حيث تعتبر رافدا مهما من مصادر الدخل.

وعن دائرة المعارف فقد تأسست عام 1965 برئاسة الشيخ عبد الله بن محمد القاسمي ثم الشيخ عبد الملك بن كايد القاسمي وتولى رئاستها الشيخ عبد الله حميد القاسمي وإدارة عبد القادر هليل، وفتحت عدة مدارس في القرى النائية في مسافي والمنيعي والحويلات وجيزة طنب والخران وشعم، أما المناطق القريبة من رأس الخيمة فتولت بعثتا الكويت وقطر مسؤولية التعليم فيها بعد الاتحاد إنضمت الدائرة مع مدارس البعثات لوزارة التربية والتعليم.

تكليفات العمل

يقول مدير دائرة المالية إنه عندما قدم للإمارة عمل في البداية بناء على توجيهات المغفور له الشيخ صقر في شركة رأس الخيمة للاستيراد والتصدير، ومن ثم تم تكليفه بإدارة البلدية بتاريخ 1 يناير لعام 1965م حتى تاريخ 30 ابريل عام 1966م، خلفا للشيخ صقر بن راشد القاسمي، وخلال هذه الفترة طلب من الشيخ صقر أن يمنحنه رسالة يخاطب بها البلديات المعروفات في تلك الفترة داخل وخارج الدولة بهدف الحصول على أفكار تساعده على تطوير عمل بلدية رأس الخيمة، وكانت رغبة الشيخ صقر في التطوير دافعا له للاجتهاد وتحقيق انجازات رغم قلة مدة ادارته للبلدية، حيث تم تأسيس أول مجلس بلدي في الإمارة ممثلا بمعظم مناطق رأس الخيمة للإشراف والمساهمة في الشؤون الصحية والبيئية وملكية الأراضي وتوزيع المنح وتحديد أبعاد المساحات للأراضي المملوكة سابقا وتثبيت ملكيتها وفق القانون.

ويضيف انه تم تحديث سجل الدائرة وقسم المحفوظات وطباعة نماذج جاهزة لكل أنواع الوثائق الخاصة بالمنح أو إثبات الملكية أو نقل الملكية وكان الشيخ ناصر بن ابراهيم القاسمي مساعدا لمدير البلدية ومسؤولا عن قسم الملكية وكان احمد سالم فارس مسؤولا عن قسم المساحة وتحديد الأراضي وراشد الياحد مسؤولا عن نظافة المدينة القديمة القسم الهندسي الذي تم إنشاؤه خلال إدارتي، وعين مسؤولا فنيا المهندس الشيرواني، وكان احمد علي شكر مسؤولا عن مراقبة السوق وتحصيل الرسوم من التجار والمواطنين ، وخلفان عبد الله مسؤولا عن فحص السواقين واصدار الرخص لهم قبل أن ينتقل هذا القسم للمرور التابعة للشرطة التي تأسست عام 1965، وقد تمكنت من مضاعفة دخل البلدية خلال عام واحد من 25 ألف روبية إلى 600 ألف روبية إضافة لبناء مكان العبرة الحالي ووضع نظام للوحات السيارات وتقسيمها إلى خاص وأجرة ونقل وخدمات.

دائرة الحسابات

أما عن تأسيس دائرة الحسابات في 1 مايو عام 1966م فقد كانت نتيجة الطفرة التنموية الأولى التي شهدتها الإمارة بتعدد مرافقها ومشاريعها وزيادة دخلها، فكان ضرورة إنشاء دائرة مالية تقوم بكافة الأمور المالية والمحاسبية للحكومة وتعمل على اساس مركزي تحقق الرقابة المالية على مصادر الدخل والعمل على تنميتها وتقديم تقارير مالية عن الإيرادات والموارد والمصروفات وفتح الاعتمادات ومتابعة الدفعات للمشاريع، وقد باشرت الدائرة مهام عملها في الديوأن الأميري في غرفتين ثم انتقلت لبناية في منطقة الدفان ثم استقرت في موقعها الحالي في الدور الرابع لمبنى الحكومة الذي يشمل دائرة التنمية الاقتصادية، وبعد قيام الاتحاد إزداد حجم العمل وتنوعت المسؤوليات وازدادت الدوائر وبتاريخ 9 من شهر سبتمبر لعام 2003 أصدر مرسوم أميري تم بموجبه ضم دائرة المراقبة المالية لدائرة الحسابات العامة وتم تغيير اسمها لدائرة المالية ويرأسها حاليا الشيخ فيصل بن صقر القاسمي.

ذكريات رمضانية

على مدى السنوات التي عاشها سامي صقر في رأس الخيمة لم يشعر بالغربة في دفئ المشاعر التي احتضنته مع عائلته في أرض رأس الخيمة وفي كنف حاكمها المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي ومن بعده صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي ، بل وكل أبناء رأس الخيمة، مؤكدا أن العلاقة ما بينه وبين الشيخ صقر امتدت لتصل للأهل الذين كانوا ومازالوا يبهجون مائدة رمضأن منذ أكثر من أربعين عاما وإلى الآن بأصناف الأكل الإماراتي من هريس وثريد ولقيمات وغيرها من المأكولات التي أصبحت المفضلة لديه.

مجلس الحاكم

كان سامي يؤدي صلاة التراويح دائما برفقة الشيخ صقر الحريص على كل الصلوات، ومن ثم يتوجهون لمجلسه الرمضاني الذي كان الشيخ صقر يفتحه لمن يرغب بالحضور، حيث تدور الأحاديث العامة والنصائح الهادفة كل بحسب عمره، حيث كان المغفور له محبا للناس ناصحا دائما للشباب بأهمية التحلي بالأخلاق والتدين والتمسك بالعلم والتعليم منذ بداياته وقد كانت حكمته وإصراره في هذا الأمر سببا في أن يتبوأ المواطن في رأس الخيمة المراكز والوظائف المختلفة في مؤسسات الاتحاد عندما أعلن عنه حيث كانت وفود الخريجين الذين حرص على زرعهم الشيخ صقر في مقاعد الدراسة بالترهيب والترغيب تعطي ثمارها وتنشر أريجها في كل أنحاء الدولة الحديثة ومؤسساتها ومازالت.

 

إذاعة رأس الخيمة

 

كانت رغبة الشيخ صقر بأن يُسمع صوت رأس الخيمة لمناطق الخليج العربي والدول العربية كأن سببا لإنشاء إذاعة رأس الخيمة قبل الاتحاد، وأسسها أحمد سعيد شعث الإذاعي المخضرم ، وكأن يرأسها الشيخ عبد العزيز بن حميد القاسمي الذي سعى جاهدا لتطوير وبناء استديوهات وسعى للحصول على الأجهزة الحديثة الخاصة بالبث وأنشأ مكتبة اذاعية شاملة، أما عن دائرة البريد فقد عين مديرا لها موظف قدم من الأردن يدعى "ابوجهاد" وعين مساعدا لها ومديرا فيما بعد عبد الله شكر الذي كان يتولى مهام توزيع ونقل البريد من صندوق يحمل رقم "450" في مدينة دبي مقابل نصف روبية أو روبية واحدة فقط.