من ذكريات الزمان نبحر في أعماق الشخصية، ونتلمس مواقف وتجارب ومناسبات لا تنسى.. في «زيارة» نجلس معاً على حافة الماضي، فنتداخل مع ما تجول به ذاكرةٌ كان لها من التجربة نصيب، ومن الخبرة قدر وفير. في «زيارة» نستعيد مع النفس والروح شريط الذكريات المرتسم طوال سنوات، ونتعرف على الشخصية من جوانبها الرسمية والذاتية، ونتطرق إلى أيام وليالٍ عبرت بها حتى يومنا الحالي، ونستظل بحكاياتها الشيقة، ونتشارك في مائدة الزمان الوفيرة بصنوفها المروية والمرئية، بالكلمة والصورة والوصف والتصوير، نلملم خبايا رحلة عمر.. إنها زاوية يومية، نطل منها عليكم طوال أيام الشهر الكريم، عنوانها «زيارة».

قصة نجاح مستمرة منذ سنوات منبعها حب العطاء والرؤية لتطوير مفهوم الصحة لدى الجمهور. واحد من أقدم الأطباء المواطنين في التخرج والتخصص. الطبيب إبراهيم علي القاضي من أوائل الأطباء في الإمارات الذي يتخصص ويلتحق في تخصص نادر والأول على مستوى الساحل الشرقي وبالأخص في مدينته "خورفكان" والذي يعتبر في وقته فريدا من نوعه، وغريبا في مضمونه وغير متوقع في زمانه. حيث تجاوز الطبيب القاضي حدود مهنته كممارس عام/ باطني، بل أنه وخلال مشوار طويل في عالم الطب يصل إلى أكثر من 30 سنة، تمكن من تأسيس قاعدة راسخة له ولآخرين غيره من الأطباء المواطنين يمكنهم الاقتداء به وبتجربته في الطب، وطموحه دعم أبناء المواطنين لدراسة الطب.

يقول الطبيب إبراهيم القاضي حول بدايته: "لم أجد صعوبات غير عادية أثناء مرحلة الدراسة والتخصص، بل على العكس كنت متفوقا جدا ونلت الكثير من جوائز التفوق والتكريم في كل مراحل الدراسة، وقد حصلت على بعثة لإتمام الدراسة الجامعية كأول دفعة في جمهورية مصر العربية في السبعينات ونلت شهادة البكالوريوس من جامعة عين شمس وثم تابعت الماجستير وواصلت حتى تخرجت بشهادة الدكتوراه في تخصص أمراض المناطق الحارة "تروبيكال مدسن" في المملكة المتحدة من جامعة ليفربول. بعد التخرج والعودة إلى الوطن كان في كل مرة العمل متوفراً لي ومتوائماً مع ميولي الذاتية ومهارات تخصصي المهني".

انفتاح وحزم

وفي تفاصيل دراسته التي بدأت في مسقط رأسه مدينة خورفكان، أشار الطبيب إبراهيم علي القاضي إلى دراسة المرحلة الابتدائية أربع سنوات في أول مدرسة أنشئت في خورفكان يطلق عليها "دار المعارف" وكانت تقع بالقرب من البحر (خلف مطعم تاج خورفكان حاليا)، وكانت للأولاد والصفوف مبنية من الأخشاب، وحينها كان مديرها المعروف بأبو المعاطي (الأستاذ محمد سعيد أبو المعاطي). بعدها تم الانتقال إلى أول مدرسة نظامية المهلب بن أبي صفرة ( مدرسة قائمة حاليا) لمدة أربع سنوات في التعليم المتوسط. ومنها التحق مجموعة من الطلبة لاستكمال الدراسة في مدينة الشارقة لعدم وجود مدرسة ثانوية في المنطقة آنذاك. وقسم الطلبة إلى مجموعتين الأولى انضمت إلى معهد المعلمين، فيما مجموعتهم انضمت إلى (ثانوية العروبة) لمدة أربع سنوات كاملة، تضمن فيها سكنا خاصا لبقائهم هناك وراتب 150 ريالا يعينهم على متابعة مشوارهم الدراسي، وهو ما شكل لهم دافعا في مواصلة العلم والتخصص في مجالات كانت غير موجودة إطلاقا.

وبعد انتهاء دراسته الثانوية في مطلع السبعينات رغب في مواصلة التعليم العالي مع اثنين آخرين (أصبحا أساتذين في جامعة الإمارات) وكان الابتعاث الوسيلة الوحيدة لذلك، ومثلت مصر الوجهة الأولى لاستكمال الدراسات الجامعية بالنسبة لأبناء دول الخليج ودول أخرى. وقد حدد حينها عدة تخصصات تمثلت في كليات الهندسة أو العلوم أو الطب، لشغفه الكبير بالمواد العلمية وبالأخص الأحياء. فشاءت الصدفة والأقدار أن يلتحق بكــلية الطب في جامعة عين شمس بالقاهرة.

وقد أنهى دراسته للطب في مرحلة مبكرة، حيث عاد بعد إنهاء دراسته إلى الإمارات ليستقر به الحال في مستشفى راشد كطبيب عام في البداية ولمدة سنتين، إذ لم يكن قد حصل على تخصصه الطبي بعد. والتحق بوزارة الصحة في بداية الثمانينات وتحديدا في عام 1982، ثم انتدب إلى مستشفى صغير تابع لوزارة الصحة في خورفكان (مركز تأهيل المعاقين حاليا)، بدأ عمله كأول طبيب مواطن مارس فيه مهنته كطبيب وتولى الإدارة والإشراف على شؤون المستشفى مدة عامين وهي الفترة التي تزوج واستقر فيها.

قرر السفر عام 1984 لنيل درجة الماجستير في جامعة ليفربول في المملكة المتحدة. وعاد ليعمل في وزارة الصحة مدة خمس سنوات متواصلة كأخصائي باطنية في مستشفى كلباء.

ثم نال الدكتوراه في تخصص أمراض المناطق الحارة من جامعة ليفربول بالمملكة المتحدة في عام 1993، وعندها تغير نوع عمله من أخصائي باطنية إلى استشاري باطني في أمراض المناطق الحارة، ونظرا لعدم وجود شاغر في الطب الوقائي، عين كمدير إدارة مزاولة المهن الطبية الخاصة في وزارة الصحة لمدة 12 سنة. بعد هذه المدة انتقل للعمل كمدير لإدارة الطب الوقائي بالوزارة.

ذكريات البدايات

وقضى فترة الطفولة والصبا والدارسة (الابتدائية والمتوسطة) في خورفكان، حيث كانت الحياة رائعة، وبرنامجه اليومي كان عندما يعود من المدرسة يذهب مع أخوته وأبناء عمه إلى " قهوة القاضي" التي يديرها والده وعمه رحمهما الله -، وكانت تقع في منطقة الشرق. وكانوا يساعدونهما ويلهون هناك ويقومون بالاستذكار وحل الواجبات المدرسية، حتى يحل المساء يعودون إلى المنزل ليناموا ويستيقظوا باكرا للعودة إلى مقاعد الدراسة، وهكذا الحال حتى انتقل إلى دراسة الثانوية في مدينة الشارقة.

ولم تخل الذكريات الجميلة في الدراسة الثانوية عندما كانت هناك (مقهى) قهوة قريبة من سكن الطلاب. حيث كانوا يلتقون ويجتمعون معا لمشاهدة التلفاز الذي يعرض المسلسلات والبرامج والأغاني العربية والخليجية القديمة، وكان يصنع الأكلات الشعبية الرائعة (كالهريس والنخي (ويطلق عليه الدنكو) وخصوصا في رمضان.

مخاطر طريق الشارقة

ومن الذكريات الأخطار التي كانت تواجههم في طريق عودتهم من مدينة الشارقة إلى مقر إقامتهم بالساحل الشرقي، فلم تكن الطرق ممهدة وتنوعت التضاريس بين رمال الصحراء والأودية الجبلية ومنحدرات الجبال العالية مسيرا من الشارقة وحتى إلى المنطقة الشرقية، فالأخطار كانت تحدق بهم من كل صوب وحــدب وفي أي وقت وحتى وسيلة النقل (السيارة ذات الدفع الرباعي) لم يأمنوا شرها في توقفها فجأة أو بشكل غير متوقع. لذا انحـــصرت زياراتهم إلى أهاليهم والمنطقة في المناسبات وفي انتهاء الدارسة حتى بدء العام الدراسي الجديد. لافتا إلى أنهم تاهوا في الطريق إحدى المرات رغم قربهم من المنطقة في "سيح المهب" فأخذوا يدورن بالمركبة حول نفس المكان مرات ومرات وصلت إلى ثلاث ساعات حتى تمكنوا من العثور على المدخل ليصلوا سالمين إلى بيوتهم.

الدراسة الجامعية

وكان للدراسة الجامعية نصيب من تلك الذكريات، مستطردا الطبيب القاضي بقوله: "كنا نسكن في شقة سكنية في منطقة روكسي الفاخرة في مصر الجديدة، وكنا ننظف غرفنا لوحدنا وأيضا نعمل على الطبخ وكي الملابس دون كلل أو ملل أو انتقاص لممارسة مثل هذه الأعمال المنزلية وذلك قبل إحضار مدبرة منزل. ووقتها نتقاضى مبلغ ( 52 جنيها) كمنحة تحفيزية لاستكمال دراستنا، فالمبلغ لا يقدر حينها بثمن في الوقت الحالي ولكنه في وقته بمثابة كنز ثمين، وعندما أحضرنا مدبرة منزل كنا ندفع لها 5 جنيهات كراتب نظير خدماتها وكان راتبا عاليا آنذاك. ولم يقتصر الأمر على ذلك فعشنا أجمل أيام حياتنا في القيام برحلات سياحية إلى مناطق داخلية بمصر وأيضا إلى دول أوروبا ( إيطاليا واسبانيا واليونان وفرنسا)".

طبيب وإداري

أما في العمل فالدمج بين العمل كطبيب ممارس وأيضاً كإداري ساعد في تكوين شخصيته المهنية. يتذكر عندما كان يعمل في مستشفى كلباء، كان الفريق الطبي يتوجه إلى أماكن بعيدة من أجل توصيل الخدمات الطبية إلى أقصى حدودها، ومنها: منطقة وداي الحلو الواقعة بين أحضان الجبال، حيث تستغرق الرحلة ما بين ساعة ونصف ذهابا وإيابا لملاقاة أهلها، ويقول: إن المفرح في الأمر عندما تمارس شيئا تعشقه وتقدمه كخدمات للناس دون مقابل في سبيل علاجهم وإراحتهم من آلامهم وأوجاعهم يعد أمرا في غاية الروعة. ففي ذلك الوقت كان عدد البيوت والناس قليل إذا ما قورن في الوقت الراهن، وكان لبزوغ شمس الاتحاد وتقدم الخدمات الطبية دور في تكوين سمعة جيدة جعلت عددا كبيرا من أولئك السكان يثقون بالخدمات العالية بها ويأتون لتفحصهم ومعالجتهم ومتابعة حالاتهم.

واقع وآفاق

وأشار مدير إدارة الطب الوقائي في وزارة الصحة: " كان واقع الحقل الطبي في ساحل الإمارات الشرقي قبل السبعينات متأخرا لأبعد الحدود ولم تكن الخدمات المقدمة فيه لتواكب الخدمات الطبية في مختلف أنحاء العالم، فعدد السكان قليل والإمكانات محدودة إن لم تكن المسألة مادية بقدر ما كان نقصا في الجانب العلمي والطموح والإدارة الجيدة من قبل عناصر وطنية واعتماد الأهالي على الطب الشعبي في العلاج كان كبيرا جدا. كما كانت هناك بعثات أجنبية تزور وتمارس أعمالها في المنطقة بين فترة وأخرى، غير أنهم في الأغلب أطباء عموميون والاختصاص قليل، أما الخدمات المساعدة فكانت شبة معدومة. وفي الستينات وجد مستوصف صغير في خورفكان يعالج بعض الحالات التي تلجأ إليه للعلاج. وبعد اتحاد الإمارات المتصالحة نقلت الحكومة ممثلة بوزارة الصحة واقع الخدمات الطبية في الدولة آنذاك إلى مستويات كبيرة جدا وذات جودة عالية.

وذكر القاضي، بقوله: "عندما توليت مسؤولية إدارية في الوزارة، دخلت في جدل كبير مع نفسي بين أن أبقى طبيبا أو أتفرغ بصورة كاملة للعمل الإداري، والحقيقة أنني في بدايتي دمجت بين ممارسة عملي كطبيب إلى جانب وظيفتي كمدير لمستشفى خورفكان، في حين تدرجت في وظائف أخرى أثناء ممارستي مهنة الطب. فعملي كطبيب يجعلني قادرا على خدمة الناس وعملي كمسؤول إدارة يجعلني قادرا على خدمتهم أيضا، وأحب أن أوضح بأنه عندما أكون طبيبا سأقوم بعلاج الأفراد وأشعر بهم وبالتطورات في المجال، وإنما بصفتي مسؤولا أو ممارسا للإدارة سأستطيع أن أؤثر في المجتمع من خلال التحسين والتدريب ورفع مستوى الخدمات الصحية بصورة عامة، وقد تدرجت في مهنتي الطـبية من مدير عام إلى إحصائي إلى استشاري وذلك أثناء ممارستي مهنة الطب.

ذكريات رمضان

 

يعتقد الطبيب إبراهيم القاضي ولا يجزم بأن أول عام صامه كان في سن مبكرة في حدود التاسعة، وكان يصوم ويفطر حتى التزم تماما، من خلال التوجيه والتقليد وتحدي الذات مع شدة الحر وانعدام وسائل الراحة. ويذكر ضاحكا بأنهم كانوا يصومون أمام أهلهم، ولكنهم عندما يخرجون بصحبة رفاقهم للعب وقت العصر كانوا يفطرون ويعودون إلى البيت وقت الإفطار وكأنهم صيام ويأكلون بنهم كدليل على صيامهم طوال اليوم. وأكد بأنه ليس من مشاهدي التلفاز والمسلسلات الرمضانية إلا نادراً، لكونهما مضيعة للوقت، فهو يحب ختم القرآن الكريم والتواصل مع الأهل والأقارب وتبادل الزيارات الاجتماعية وتلبية الدعوات قدر الإمكان. ويحاول ولكن باءت محاولاته بالفشل مع الآسف في تقليل تناول الأكلات الرمضانية.

أحلام وطموحات

 

لديه 6 أولاد وبنتان، إلا أنه الطبيب الوحيد في عائلته، لم يدرس أحد من أبنائه الطب. ولكن معظمهم تخصصوا في مجال الهندسة، مشيرا إلى أن حياته الخاصة والاجتماعية، والتزاماته العائلية ومتابعة عمله في الوزارة، تتطلب منه وقتا غير محدود، وهو أمر يحتاج تضحية من عائلته التي يشكرها على تحملهم لساعات عمله الكثيرة.

وأوضح بأن جودة العلاج وجودة الخدمات التي تعطى اليوم في القطاع الطبي في الدولة عموما تغيرت كثيرا في السنوات الأخيرة". وفي نفس السياق، أشار بقوله: " يجب أن يملك الإنسان رؤية وهدفا، أن يثابر ولا ييأس. وأنا ارسم الطريق إلى هدفي بعيدا عن الأهداف الشخصية الصغيرة. ساعدني كثيرا في التقدم علاقتي ومعاملتي مع الناس، المشاركة مع الناس ومع زملاء في العمل ووضع فائدة المجتمع كهدف سام أمامي يتجلى في رفع مستوى الوعي وجودة الصحة لدى السكان.

كما أن الإنسان في هذا الوطن يجب أن يسهم في نموه ولو بجزء بسيط، ومسؤوليتي تجعلني أتابع وأواصل العمل والبحث أكثر لأفي هذه الدولة شيئاً من حقها. خططي المستقبلية في كوني مدير إدارة الطب الوقائي في الوزارة تتعلق في تعزيز وتفعيل البرامج الوقائية على سبيل المثال (برنامج زيادة الوعي الصحي وبرنامج الفحص الدوري وغيرها من البرامج لتساهم في زيادة وعي المواطن الإماراتي وثقافته الصحية في الوقاية بما يحدق به من خطر قبل إصابته أو علاج حالته".

و يتمنى أن يقدم لمسقط رأسه خورفكان كل ما وصل إليه وحققه حاليا لأنها كانت المنارة الأولى لانطلاقته في حدود بعيدة وآفاق واسعة في خدمة الناس ومساعدتهم. معترفا بأنه قد يعتبر أول طبـــيب مواطن في خورفكان، إلا أنه لم يستقر فيها كثيرا لتنقله وسفره للدراسة واستكمال ما بدأه في هذه المهنة. وأيضا يتمنى دعم مشروع تأهيل الأبناء المواطنين للالتحاق في مجال الطب في المراحل التعليمية المتقدمة، ودعم خريجيه والموجودين فعليا بحوافز مغرية ماديا ومعنويا.