كيف تكون مقدمة هذا الحوار وبأي أوصاف أستهل الحديث عن الشيخة هند بنت صقر بن سلطان القاسمي؟ هل هي الشيخة التي نشأت في بيت علم وأدب وأيضاً سياسة، أم أنها المربية المهمومة والمهتمة بقضايا التربية والتعليم، أم هي الشاعرة المتمكنة التي تصر على الشعر العمودي، في زمان الحداثة وتكسير الأوزان؟

هذه الأسئلة الثلاثة، ظلت تراودني ومازالت قبل كتابة هذا الحوار، فكل المقدمات ممكنة وصالحة، ولكنها على اقترابها من الشخصية، لا تعبر عنها تعبيراً تاماً، فهي الشيخة التي نشأت في بيت علم والشاعرة والتربوية ذات الخبرة الواسعة، ولكن أهم من كل هذا وذاك هي امرأة منضبطة كساعة سويسرية، عيناها حادتان ولماحتان، وآراؤها لا تعرف منطقة البين بين.

حينما طلبت من سموها حواراً، لم توافق على الفور، ولم ترفض على الفور، ولما أبلغتني بموافقتها، ضربت موعداً في الصباح الباكر، فسألتها أن تؤجل التوقيت مراعاةً لظروف الصيام ثم وافقت على تأخير اللقاء، مع تأكيدي لها التزامي فطرياً بالمواعيد، فاستحسنت الأمر بقولها: لو أن أمتنا تعرف قيمة الوقت، لكانت ذات شأن آخر.

وفي الموعد تماماً، كنت أقرع الباب، فوجدتها مستعدة في قمة نشاطها، ولا تبدو على محياها آثار النوم، مما دفعني لسؤالها: متى تستيقظين عادةً من النوم؟ ومن هذه النقطة بدأ الحوار.

تقول الشيخة هند: منذ طفولتي المبكرة، اعتدت أن أبدأ يومي بصلاة الفجر، لكن في رمضان أصحو قبل الفجر بنحو ساعة، فأتناول وجبة خفيفة، ثم أقرأ في كتاب الله بعض الوقت، وحينما يرفع الأذان، أصلي وأعود لقراءة القرآن، ثم الصحف اليومية.

هذه عادة لم أتخل عنها يوماً، منذ كنت أقيم في كلباء، في بيت جدي لأمي، الشيخة نورة بنت سعيد بن حمد القاسمي، وقد كان البيت في وسط الفريج بين بيوت المواطنين .

لا شيء أجمل من أن يستقبل الإنسان خيوط الشمس الأولى، وهي تحتضن صفحة الخليج، ولا شيء أجمل من أن يكون المرء نشيطاً لا كسولاً خاملاً.

ومن ذكريات الطفولة الجميلة، أن هذا البيت الذي كان بيت حكم، قد كان شعلة نشاط، يحتضن جميع أهالي المنطقة، ويبقى مزدحماً طوال الوقت، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن الأمر يزعجني، وإنما ساهم في أن أكون شخصية اجتماعية، تحب التواصل مع الناس، كبرت وكبرت معي هذه العادة.

مادام الحديث عن مرحلة الطفولة، فهلا ألقيت لنا الضوء على ذكرياتك المتعلقة بالتعليم.

كانت كلباء بلدة صغيرة، ولم تعرف التعليم النظامي، حتى أمر والدي يرحمه الله ببناء مدرستين، هما: مدرسة جميلة بوحيرد للبنات، ومدرسة سيف اليعربي، وقبل المدرسة كنت كغيري من الأطفال نتردد على المطاوعة لحفظ القرآن الكريم، لكني امتنعت عن هذا الأمر، بعدما تعرضت للضرب من قبل الأولاد.

هل هذا لأنك كنت طفلة مشاكسة؟

على الإطلاق، فقد كنت طفلة شديدة الهدوء، أميل إلى التأمل والصمت، غير أن تفوقي في حفظ القرآن قد كان يشعل غضبهم، وخصوصاً حينما كان المطوع يعاقب الجميع باستثنائي، ولم يكن استثنائي من العقاب يرجع لمكانة والدي الاجتماعية، أو لأني ابنة حاكم، وإنما لأني كنت ملتزمة أو بعبارة أدق: أحب الالتزام وتأدية واجباتي أولاً بأول.

في مرحلة لاحقة، ذهبت برفقة شقيقتي الشيخة فاطمة بنت صقر بن سلطان القاسمي، للتعليم في مدارس الشارقة، وعلى الرغم من حبي للمدرسة، إلا أني كنت أتألم ألماً مريراً لاشتياقي إلى كلباء مسقط رأسي.

وقد أقمت في منطقة الحصن بالشارقة، مدة خمسة أشهر، هي مدة النصف الأول من السنة الدراسية، حتى بشرني الوالد يرحمه الله، باقتراب موعد افتتاح أول مدرسة في كلباء، فعادت لي روحي بعودتي إلى المكان الذي أنتمي إليه.

وفي هذه الفترة بشرني الوالد أيضاً، بقدوم أول شقيق لنا، وهو الشيخ سعيد، فأصبحت الفرحة فرحتين.

وعندما عدت إلى كلباء، والتحقت بالدراسة بمدرسة جميلة بو حيرد، التي شاء القدر أن أتولى فيما بعد إدارتها، شعرت بأن روحي قد رُدت إليّ، وقد يقول قائل: هذه مبالغة، على اعتبار أني كنت طفلة، ولكن هكذا كان شعوري، ومازلت حتى الآن، أشعر لدى مغادرة كلباء، بأن جذوري تخرج من تربتها.

وكيف كانت علاقاتك بالمدرسات والمدرسين؟

كانت رائعة في المجمل، وإن كانت تشوبها بعض الاضطرابات في بعض الأحوال، فهي علاقة إنسانية تتعرض للمد والجزر، شأنها شأن أي علاقة.

ومازلت حتى هذه اللحظة، أتذكر المعلمين الذين تعلمت على أياديهم، ومنهم مدرس فلسطيني قدم هو وزوجته واسماهما: فايز وفايزة، وكانت تربطني علاقات وثيقة بشكل دائم بمدرسات اللغة العربية، فمنذ طفولتي وأنا أحب الشعر وأحفظه وأمتلك قدرة على تذوقه، ويبدو أن للأمر علاقة بالجينات الوراثية، فوالدي كان شاعراً وله عدد من الدواوين الجميلة، وقد ورثت الموهبة عنه، ولي ديوانا شعر هما: وهج اللهيب ، ونفوس شامخة.

وهل لك ذكريات مميزة مع مدرسات المرحلة الثانوية؟

نعم، ولاأزال أذكر مدرسة لغة عربية قاسية اسمها اعتماد كنت أشعر بأنها لا تحبني بدون أي أسباب، واقترحت ذات مرة على الطالبات أن يرشحن طالبة غيري حتى تكون رائدة الفصل لأنها تريد تخفيف الضغط علي لأنني مشاركة في العديد من الأنشطة، ولم أقل شيئا وقتها لكني في قرارة نفسي كنت غاضبة ومقهورة منها ولأنها مدرستي أولا وأخيرا وعلي احترامها، ولكن الطالبات رفضن بالإجماع، لأنهن من رشحنني وصوتن لأن أكون رائدة الفصل.

وذات مرة سألت الطالبات عن كيفية قضائهن فترة ما بعد الظهر في المنزل، وعندما وصل دوري أخبرتها بأنني أستمع إلى أم كلثوم لأنها تطربني، فما كان منها إلا أن قالت لي بفرحة: برافو عليكِ.. برافو، وأنا أسمعها أيضا، وهكذا أزالت أم كلثوم الجليد بيني وبين هذه المدرسة.

بالعودة إلى الشعر، فمن خلال قراءة أشعارك، يتضح أنك تنتمين إلى المدرسة الكلاسيكية، فهل تتخذين موقفا ضد شعر الحداثة؟

لست مع ولا ضد، ولكني أجد قلمي يفيض بالشعر العمودي، ولكي أكون منصفة، فإنني لا أصادر تجارب الآخرين، ولا أحب إطلاق الأحكام الكلية، ومن ثم لا يمكنني أن أقول: الشعر الحداثي سيئ أو جيد، ولكني أستطيع بلا شك أن أقول: إني أميل وأفضل الوزن والقافية.

أتذوق بعض الشعر الحديث، وأحب قصيدة التفعيلة أيضاً، ولي تجارب قليلة على منوالها، وهذا لا ينتقص ولا يصادر على تجارب أحد، أو يرفض ذوق الآخرين.

تحيلني ألفاظك وتعابيرك إلى صورة البيئة البدوية بشكل دائم، فهل هذه قراءة صحيحة؟

صحيحة بالكامل، فأشعاري بنت بيئتي، ونتاج تجربتي وثقافتي، وأحسب أن حفظي أشعار الجاهلية، وخصوصاً أشعار عنترة بن شداد، قد ساهم في أن تكتسي كلماتي صبغة الفروسية والبداوة.

وقد كانت والدتي تشجعني على الكتابة وطباعة دواوين شعري، كذلك خالتي الشيخة لطيفة يرحمها الله.

وأذكر أن أول ما جهرت به هو الشعارات الخاصة بالمظاهرات المطالبة بالجزر الثلاث عام 1971، وأذكر أننا كنا نردد يا الله أهل الشارقة ثوروا ثوروا على الطغيان.

آنذاك أطلق علي مدرس فلسطيني لقب العنقاء وعندما سألته عن السبب، أكد لي إعجابه بصلابتي وقدرتي على التشبث بما أؤمن به من قيم.

ماذا يعني لك الشعر؟

الشعر مغراف ما في القلب، وبما أنني لم أدرس السياسة فجميع أشعاري سياسية، وهو بوح النفس للنفس وللآخرين بدون تصنع أو تكلف.

بالعودة إلى مرحلة الطفولة، هل ثمة ذكريات أخرى مازالت تختزنها ذاكرتك؟

هناك الكثير من الذكريات، فأنا أتمتع بذاكرة قوية ولله الحمد، ومن أبرز ذكرياتي، أنه بعد تأسيس مدرسة البنات، كان بعضهم يتحفظ على إرسال بناته للمدرسة، غير أن والدي كان يهتم بأن يقنع الاهالي بأن المستقبل للتعليم حتى أصبح عددنا في الفصل 48 تلميذة ، وكان الأهالي يطلقون على المدرسة وبعضهم مازال للآن، اسم مدرسة المحطة، نسبةً إلى المنطقة التي تقع فيها.

والتي كانت تضم أقدم مطار حربي في الخليج العربي، وخلال الحرب العالمية الأولى وفيما كان الاستعمار البريطاني يحكم قبضته على الأرض، تحكم الإنجليز في المطار لأهميته الاستراتيجية، وحتى تصل طياراتهم إلى الهند، ولكن والدي حافظ على مخزن وقود الطائرات.

ومن ذكرياتي أيضاً، أن المدرسة كانت بعيدة نسبياً عن البيت، وبعد انتهاء العام الدراسي الاول، انتقلت الأسرة للعيش في بيت مجاور للمدرسة يطل على البحر ، فتركت بيت العائلة، وهو الأمر الذي آلم نفسي إيلاماً شديداً. فالانتقال كان يعني الابتعاد عن الفريج والرفاق، وقد شعرت بالوحدة في البيت الجديد، لأنه لم يكن لدينا جيران، باستثناء المدرسين الذين كانت بيوتهم حول المدرسة، وهكذا كابدت الحنين إلى رؤية الناس واللعب مع أولاد وبنات فريج بيت العائلة.

وكيف تأقلمت مع تلك الحياة؟

بعد انتهاء دوام المدرسة كنت أدعو صديقاتي لتناول وجبة الغداء في منزلنا، ثم نبقى سويا حتى فترة العصر لنلعب في أرجاء الفريج الجديد، وهذا ساعدني على التقاط أنفاسي.

إن الوحدة أقسى المشاعر وأكثرها إيلاماً للنفس، وهي تنزل على القلب فتصيبه بحزن عميق، لذلك فأنا أسعى دائماً لأن أكون وسط الناس.

تسبب الاستعمار بإبعاد الشيخ صقر يرحمه الله - عنكم، فكيف كانت حياتكم خلال فترة غيابه؟

والدتي امرأة حكيمة وقوية، وقد تحملت مسؤولية تربية سبعة أطفال، بكل كفاءة وتولت دوري الأم والأب معاً.

وقد هيأ الله لنا خالة كانت خير عون في الظرف الحرج، هي الشيخة لطيفة يرحمها الله - المشرفة الثقافية في بيتنا، تحرص على تحفيظنا وتدريسنا القرآن الكريم خلال الصيف، وتوجهنا إلى القراءات التي تنمي عقولنا وأذهاننا.

كانت امرأة تفيض عطاءً وحناناً، حازمة حينما يقتضي الأمر، وكانت تحفظنا القرآن يومياً، بعد صلاة العصر، وأذكر أنه ذات مرة كان أطفال الفريج يلعبون في الخارج بينما كنت أجلس مع خالتي لحفظ القرآن، فطلبت منها عدة مرات أن تسمح لي بالخروج للعب معهم، ولكنها رفضت ولما حاولت التملص، أحكمت الإمساك بي، من كندورتي حتى أبقى، ولم يشفع بكائي لي، ولم تجد توسلاتي.

وهذا لم يكن موقفاً قاسياً، بقدر ما كان درساً يتلخص في أنه ثمة وقت للجد وآخر للعب واللهو.

وحينما كبرت وتمكنت من القراءة، فتحت لي خالتي آفاق الثقافة، وتركتني أنهل من الكتب الكثيرة التي كانت تضمها مكتبتها، ومنها: المعلقات وديوانا المتنبي وأبي العلاء، فضلاً عن كتب الفقه والتفسير والسير.

هل تتذكرين بدقة ما حصل عندما تم ترحيل والدك الشيخ صقر رحمه الله - إلى الكويت؟

كان والدي ينادي بالاستقلال لدول الخليج ومحاربة الاحتلال الظالم، كما كان يطالب بوجود دور للجامعة العربية حتى تكون تلك الخطوة بداية لنهاية الاستعمار، وفي يوم من الأيام استدعاه مكتب الاعتماد البريطاني وقد نصحه أحد الأقارب بعدم الذهاب لأنه لن يعود ولكن والدي أصر على الذهاب وتم ترحيله في اليوم نفسه إلى الكويت دون أن نراه.

آنذاك رحب العراق به وعرض عليه اللجوء السياسي ولكنه فضل الذهاب إلى مصر، لأنه كان يؤمن بأنها أرض العروبة وتوجد فيها جامعة الدول العربية.

وكان ذلك في فصل الصيف وبالتحديد وقت الضحى، وبطبيعة الحال نزل الخبر على رؤوسنا كالصاعقة.

وقد رفضت والدتي فكرة السفر معه والخروج من الوطن، وفضلت أن نبقى في كلباء حتى يظل اسم الوالد موجودا فيها حتى بعد ترحيله.

وهكذا حرمنا حضن الأب، ولم تعد إلا الرسائل تصلنا به، ففي هذا الزمان، لم تكن وسائل الاتصال قد تطورت، وكان يرحمه الله، يوصي أمي في رسائله بأن تهتم بنا دينيا وثقافيا.

ألم يترك لكم شيئا؟

رحلوه بكندورته ولم يكن لديه شيء، وقد عانت والدتي كثيرا بسبب غيابه عنا، حيث كانت الأم والأب بالوقت نفسه وربت خمس بنات وولدين، والحق أن أبناء كلباء والشارقة قد ضربوا أروع أمثال الوفاء والإخلاص والتضحية، فكانوا جميعا آباء وأمهات وأخوة لنا.

لا شك في أن ترحيل الشيخ الصقر زاد كراهيتكم للاستعمار الإنجليزي.. أليس كذلك؟

طبعا، وأذكر أننا كنا نتجمع أنا وشقيقاتي وأشقائي مع أبناء الفريج خلال فترة العصر ونجمع كمية كبيرة من الحجارة حتى نضرب بها ضابطا بريطانيا كان يحوم حول منزلنا بالسيارة مرتين في الأسبوع تقريبا.

والغريب في أمر هذا الضابط، أنه رغم الحجارة التي كانت تنهال عليه كالمطر، لم يتوقف عن زيارة الفريج، ويبدو أن الأمر كان يروق له.

هل من مواقف أخرى تذكرينها؟

رأيت المطارزي ذات مرة يقرأ منشورا من منظمة الثأر، فطلبت منه أن يطلعني عليه، وعندما قرأته تحمست كثيرا وانضممت لاحقا للمنظمة ، لكن سرعان ما أغلقت وشعرت بأني كنت شؤما عليها.

هل ترين أن ملامحك الشخصية أقرب إلى الوالد أم الوالدة؟

ملامحي من حيث المظهر الخارجي أقرب إلى ملامح الوالد ولكنني ورثت عن كليهما قوة الشخصية والثبات عند الأزمات والإصرار على الرأي.

هل كنتم تسافرون لمصر خلال العطلة الصيفية للقائه؟

نعم، كما كنا نسافر معه إلى بيروت أحيانا.

كيف تلقيت خبر وفاته؟

كنت أشرف على اللمسات الأخيرة لمعرض لا للمخدرات في نادي فتيات كلباء، وكان أمامي مجسم لجثمان شخص توفي بسبب المخدرات، شعرت حينها بانقباض قلبي، ثم تلقيت اتصالا من أحد أفراد العائلة يخبرني بوفاة الوالد في مصر.

وحالما تلقيت الخبر عدت مع شقيقاتي إلى المنزل وكنت متماسكة في البداية ربما لأنني توقعت ذلك، ولكن بعد انتهاء الصدمة بكيت بكاء شديدا.

نعود إلى أجمل عاداتك وهي القراءة فهل كانت سلواك منذ وقت مبكر؟

كان والدي رحمه الله - مهتما جدا بتثقيفنا لدرجة أنه اشترك بمجلة أطفال مصرية كانت تأتينا بشكل شهري.

وهكذا غرس حب القراءة في أعماقي منذ الطفولة، فالأمر تعود، ومن يتذوق حلاوة القراءة منذ نعومة أظفاره، لا يمكن أن يتوقف عن هذه العادة الرائعة.

سمعت بأنك درست المرحلة الثانوية في مدرسة للبنين، فهل هذا صحيح؟

بعد انتهاء المرحلة المتوسطة لم تكن هناك مدارس ثانوية للبنات، بينما كانت هناك مدرسة متوافرة للأولاد، فقابلت أنا وشقيقتي فاطمة بالإضافة إلى ثلاث بنات أيضا الشيخ بدر الصباح رئيس مكتب الكويت التعليمي في دبي، وأقنعناه بأن ندرس مع الأولاد في فصل واحد وبفضل الله استطعنا إكمال دراستنا.

وقد دُهش الشيخ بدر الصباح في البداية، وأبدى شيئاً من الرفض ولكنه لم يستطع أن يخفي إعجابه بإصرارنا على التعليم، ثم طلب موافقة أولياء أمور الطالبات الثلاث اللواتي كن معنا، وهذا الطلب لم يكن عائقا أمامنا والحمد لله.

وفي الصف لم أشعر بأن ثمة غرابة في الأمر، وكنا نجلس بالقرب من الباب، وكنا نعرف الطلاب جيدا، بحكم أننا أبناء الفريج نفسه ونعرف بعضنا، وهكذا كنا وسط إخواننا.

وخلال الفسحة، خصصت لنا المدرسة غرفة صغيرة حتى نجلس فيها، ولكن هذه الفترة لم تطل، ففي غضون اسبوعين، كان قد تقرر إنشاء مدرسة ثانوية للبنات وانتقلنا للدراسة فيها.

ومن المفارقات أني وأختي وثلاث بنات من دفعتي فقط.

قد أكملنا دراستنا، لأنه بعد المرحلة المتوسطة، انقطعت كل زميلاتي عن الدراسة، علماً بأن عدد فصلي في المرحلة الأولى كما ذكرت كان يبلغ 48 طالبة، وقد تزوجن جميعاً، بمجرد أن جلسن في بيوتهن.

بعد الثانوية أكملت دراستك الجامعية في الكويت، فكيف اختبرت تجربة الابتعاد عن الوطن، وأنت فيما يبدو شديدة التمسك بجذورك؟

هذا صحيح، فالابتعاد عن كلباء كان يمزقني، وأنا على بعد دقائق منها، فما بالك بالابتعاد عن الإمارات؟

عندئذ كنت وشقيقتي الشيخة فاطمة، امام خيارين، إما الدراسة في القاهرة، وإما الكويت، وقد اخترنا الكويت، حتى نتمكن من زيارة كلباء نهاية الاسبوع، وكنا نسافر ونعود عبر مطار دبي.

وحينما ذهبت للكويت، طمحت إلى دراسة العلوم السياسية، فيما أرادت الشيخة فاطمة دراسة الحقوق، غير أن الرغبتين لم تتحققا.

لماذا؟

لم يكن يسمح للبنات بالتخصص في مجال السياسة.

وما زاد الطين بلة أن إتقان اللغة الفرنسية كان من المتطلبات الرئيسة حتى تتمكن شقيقتي من دراسة الحقوق، ونحن لم ندرس اللغة الفرنسية. وقد حاولت محاولات مستميتة لتحقيق حلم دراسة السياسة، ولما أسقط في يدي، درست الجغرافيا، ليس حباً في هذا العلم، ولكن لأني شعرت بأن كل الامور تتساوى.

ومن المفارقات أنه بعد اجتيازي للعام الجامعي الاول، فتحت الدولة باب دراسة العلوم السياسية امام الفتيات، لكني لم أغير تخصصي، لأني لم أشأ أن أعود عاماً للوراء، ولأني كنت أحببت الجغرافيا، إلى درجة أني تفوقت وكنت الثانية على دفعتي.

هل استفت كثيرا من تجربة الاغتراب ؟

نعم.. استفدت كثيراً من تجربة الاغتراب في الكويت، إذ كنت أقرأ معظم الوقت، وقد جلبت معي كميات كبيرة من الكتب، لأني كنت لا أفوت حضور أي معرض كتب في الكويت.

ولما عدت إلى الوطن بعد التخرج، اتصل بي وكيل التربية في ذلك الوقت علي النومان، وعرض علي العمل معيدة في جامعة الإمارات في العين.

لكني اعتذرت رغم إغراء العرض على المستوى العلمي والأدبي، لأني كنت قد اكتفيت من الغربة وأريد البقاء في كلباء لخدمتها.

ومن ثم توظفت في مدرسة جميلة بوحيرد مشرفةً إداريةً في السنة الأولى، وفي السنة الثانية تمت ترقيتي إلى وكيلة، ثم توليت إدارة المدرسة بأكملها بعدما تم نقل مديرة المدرسة للعمل في دبا.

هل فكرت ذات مرة بإراحة نفسك من عناء تنظيم الأنشطة وإدارة المدرسة والجلوس في البيت؟

لا، لأنني اعتدت النشاط والأنشطة والتواصل مع الآخرين منذ صغري، وأذكر أن والدتي جهزت لنا ملعبا في الساحة الأمامية للبيت، كنا نلعب فيه كرة الطائرة وكرة القدم. وقد كان مركزي في الملعب مركز رأس الحربة لأني كنت سريعة الجري.

بعد تقاعدك ألا يراودك الحنين إلى العودة إلى العمل في مجال التربية؟

ليس في ظل الوضع الحالي، فمعظم الطلبة مهملون ومستهترون ولا يحترمون هيبة المدرسين، على عكس السابق، إذ أذكر أنني كنت أهرع لمساعدة مدرستي وحمل الكتب عنها عندما أراها بكل تواضع والحمد لله.

إن التغيرات الحادة إلى السلب في سلوكيات أبنائنا، في حاجة إلى المزيد من الدراسات الجادة لرصد أسبابها ومن ثم السعي لاستئصالها.

سنتوقف عند يوميات الشيخة هند.. ما رأيك؟

حياتي عادية حالي كحال شقيقاتي، أصحو مبكراً واتفقد شؤون البيت، وكنت احب الطبخ في ما سبق،

أما الآن فلم أعد مهتمة بالمطبخ، تجمعني بأخواتي الشيخات فاطمة وأسماء وفواغي وصيد وشقيقي سعيد وهيثم علاقة وثيقة، والشيخة فاطمة الأقرب إلى قلبي إنها صديقتي.

أحب وطني حباً جماً، وأعتقد بأن شاطئ كلباء أجمل مكان في الكون، وأحب قيادة سيارتي بنفسي والمشي في الأسواق.

كما أجد سعادة لا تعادلها سعادة لدى كتابة الشعر، فهو بوح الروح وحديث الذات، وأمارس الرياضة بانتظام حتى الآن، ولكني أصبحت أكتفي بالمشي، وأحب متابعة التنس.

في ختام هذا الحوار.. ماذا تقولين؟

أتمنى أن يقف نزيف الدم وأن يعم السلام والهدوء الوطن العربي فالواقع أصبح مزعجا، وأنا لست ضد الثورات إن كانت تأتي بالخير أما إذا كانت تحمل في طياتها الشر فلا نريدها.

 

 

 

دواوين شعرية

 

 

في رصيد الشيخة هند بنت صقر ديوانان شعريان هما النفوس الشامخة ووهج اللهيب، كما لها أعمال أدبية أخرى. أقامت عدة ندوات ونشرت قصائدها في عدد كبير من الصحف والدوريات المحلية والعربية.

كتبت لها قراءات نقدية في كل من: جريدة البيان، جريدة الاتحاد، جريدة النداء العربي المصرية، الثقافي العربي المصري، مجلة أفكار الثقافية الأردنية ومجلة جواهر الإماراتية، كما ترجم لها عدة قصائد.

 

التعليم والتاسيس

 

الشيخة هند بنت صقر بن سلطان القاسمي، ابنة الأمير الشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، أنهت مراحلها التعليمية في مدينة كلباء، وتخرجت في كلية الآداب قسم الجغرافيا في جامعة الكويت عام 1979.

أسست نادي فتيات كلباء عام 1980 وقد تم إشهاره من قبل وزارة الشباب والرياضة عام 1983 ويعد أول ناد ثقافي اجتماعي رياضي في الإمارات.

تولت رئاسة نادي فتيات كلباء الثقافي الاجتماعي الرياضي عام 1980، كما فازت برئاسة جمعية المعلمين بكلباء من عام 1983 وحتى عام 1985، وعضو في رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

 

مشكلات وأفراح

 

عبرت الشيخة هند عن امتلاء البيت الذي نشأت وتربت فيه بالناس نهارا وليلا قائلة: بيتنا كان بوابة من غير بواب.

عند سؤالها عن المرحلة الثانوية أجابت ضاحكة: رافقتني المشكلات في كل مراحل دراستي.

كانت تسمح للمدرسات باستخدام أسلوب الضرب مع الطالبات فقط في الحالات الطارئة وقالت مازحة: أعطيتهن الضوء الأخضر فقط عند الشديد القوي.

عللت الشيخة هند تسجيلها للأهداف في مباريات كرة القدم قائلة: كنت نحيفة.

كانت تجمع مع أبناء الفريج كميات من الحجارة حتى يضربوا بها ضابطا بريطانيا ومضت قائلة: كنا أطفال حجارة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

وصفت هند بنت صقر نفسها بأنها كانت وجه شؤم على منظمة الثأر، فبمجرد انضمامها إليها تم إغلاق المنظمة.

وصفت والدتها بالمرأة الحديدية وأكدت أنها شخصية قيادية قوية.