ليس سهلاً أن تحافظ على النجاح، فالأمر يتطلب جهداً شاقاً، وعملاً متواصلاً، وحينما ينظر الإنسان إلى ما حققه من إنجازات بعين الرضا والزهو، لابد أن تتوقف مسيرته وتضمحل قدرته على العطاء.
على المرء أن يجد لنفسه في كل صباح هدفاً جديداً، وعليه أن يحدد طموحاً جديداً، خاصةً إذا كان مهتماً بالعمل العام، وطالما بقي معنياً بأن يكون ذا دور في خدمة وطنه، ورد الجميل له.
هذه الكلمات، هي أول ما أدلت به الشيخة بدور كريمة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ، في حوارها مع "البيان" والذي تطرق إلى الشأن الثقافي والاجتماعي والذاتي الشخصي. أنهت الشيخة بدور القاسمي، دراستها الجامعية في جامعة كامبريدج، بالمملكة المتحدة عام 1999وحصلت على درجة البكالوريوس في علم الآثار والأنثروبولوجي، وبعدها حصلت على درجة الماجستير في علوم الأنثروبولوجيا الطبية بتقدير ممتاز من كلية لندن الجامعية بالاضافة الى دورة تدريبية في النشر من جامعة كولومبيا وييل بنيويورك.
وهي تصف نفسها بقولها: أنا امرأة وأم عربية اماراتية، تعتز بانتمائها وهويتها، نشأت في بيت محب للعلم والادب والثقافة والفكر، ونهلت من منهل والدي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ، حيث تشربت منذ نعومة اظفاري محبة الوطن. وقد تركز اهتمامي على ما يمكنني الإسهام به لرفعة شأن إمارة الشارقة الحبيبة، ودولة الامارات، بشكل عام، عبر الاهتمام بالثقافة العربية وتنميتها، لا سيما على الصعيدين التربوي والثقافي.
كما تركزت اهتماماتي منذ وقت مبكر على شؤون المرأة والطفل، وهذا مما لا شك فيه يرجع لكوني امرأة وأماً، وفي تقديري إن العمل التطوعي، في مجالي صحة المرأة والطفل، والتربية والثقافة، هي أقرب المجالات لطبيعة ونفسية المرأة. سيرتك الذاتية ثرية وتُظهر أن مجالات الاهتمام متنوعة ومتشعبة، فمتى بدأت الشيخة بدور تعي وتدرك أن عليها أن تمارس دوراً اجتماعيا ما؟
نشأتي في بيت يعنى بشؤون المواطنين، ومشاركتي مجالس والدي صاحب السمو حاكم الشارقة، ساهمت في تفتح وعيي ومداركي مبكراً بأن العمل لصالح الناس، من أهم وأسمى ما يمكن للإنسان أن يقوم به. وقد رسمت طريقي الخاص في مرحلة الدراسة، ولم اتوقف عند جانب معين، وإنما تنوعت اهتماماتي بين الثقافة والتجارة والإدارة والسياحة والاقتصاد، وحظيت من خلال دراساتي المختلفة داخل وخارج الدولة، واطلاعي على الجديد في شتى المجالات بالكثير من الخبرة، غير أني ما زلت أؤمن بأني في بداية الطريق، وأرى أن المحافظة على النجاح أصعب من تحقيقه.
حاجز المستحيل
ما أبرز الصعاب التي واجهتك خلال سعيك لتحقيق طموحاتك الذاتية أو لوطنك وأبنائه؟
لا يوجد نجاح تحقق من تلقاء نفسه، وكما يقول شاعرنا العربي : " لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله ..... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا" وهذا الصبر المر، أو بالأحرى الصعوبات والتحديات التي يتمكن المرء من تجاوزها، وما تكبده من مشاق حتى يحقق ما يريده، هي التي تعطي النجاح قيمته.
وما من شك في أن الصعاب تواجه الجميع، وتجابه كل الطامحين الساعين إلى اختراق حاجز المستحيل، سعياً لتحقيق النجاح، ولكن الفرق بين شخص وآخر، يكمن في مقدار الإصرار على النجاح والعمل الدؤوب، وسرعة التجاوب مع المعطيات الموجودة على ارض الواقع، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الموقف والمكان المناسبين ، وكنت دائماً وما زلت أستعين بالمشورة وأؤمن بدورها في صياغة القرارات، وأؤمن كذلك بأن نجاح اي خطوة حالية يمثل بداية لتحديات جديدة، وخطوة أولى في مسيرة تتجدد نحو المستقبل ،
كما آمنت ومازلت بأن المشروعات والنجاحات الكبرى، انبثقت في بداياتها عن فكرة طموحة، التمعت في مخيلة مبدعة خلاقة. ولعل أكبر التحديات التي واجهتني في بداياتي، هي أن أثبت للجميع ولنفسي أولاً جدارتي وقدرتي على النجاح في كل مجال أخوضه، وهذا التحدي كان يدفعني دائماً إلى السعي إلى التزود بالعلم، والاعتماد عليه منهجاً في كل عمل أقدم عليه.
** ما هي المؤسسات التي تشرفين عليها حالياً؟
أشرف مع إخواني وأخواتي أبناء الامارات، ونتيجة اهتماماتي الثقافية ورغبتي في تطوير ورفعة دولتنا، على المجموعة الثقافية المتمثلة بـ "جمعية الناشرين الإماراتيين" و"دار كلمات للنشر"، و"المجلس الإماراتي لكتب اليافعين"، و مؤسسة " ثقافة بلا حدود"، وهي مؤسسات تكمل إحداها الأخرى، فبعضها يختص بالأدباء والمثقفين ومتابعة حركة الثقافة والنشر، ويختص بعضها الآخر بأدب الأطفال واليافعين والناشئين، فيما يختص البعض بالإشراف على إدارة وتطوير المشاريع الثقافية العامة ذات الصلة مثل جائزة " اتصالات لكتاب الطفل " وتطوير معايير حديثة لأدب الطفل، أو يختص بحركة الثقافة العامة لمختلف الأعمار، وله بصمات لافتة في هذا المجال، وهي تتعاون فيما بينها ويكمل احدها الآخر، وكذلك الحال مع هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق" والقصباء وغيرها من المؤسسات الأخرى.
نشأت في بيت صاحب السمو حاكم الشارقة، والمعروف عن سموه أنه مولع بالفكر والثقافة والأدب، فأي من ملكات الإبداع لها الصدارة في اهتمامك؟ وما الذي ورثتيه من سموه في هذا الجانب؟
إن وقوف أي انسان في موقف المسؤول الأول ليس أمراً سهلاً، هذا يعني أنه مشروع خدمة لايتوقف عند حد أو مدى، فجميع الناس تنظر اليه، وترتجي الخير منه، وبمقدار ذلك العطاء يرتفع رصيده بينهم وعندهم. وقد شهدت عن قرب العديد من المواقف والصور التي انطبعت في ذهني ورسمت ملامح شخصيتي، وورثت بموجبها العديد من الصفات بكل شرف.
وأحسب أن أبرز صفة يمكن للإنسان أن يرثها في هذا الجانب هي الحكمة في التعامل في مختلف الظروف المعقدة او السهلة، وبُعد النظر في التفاعل مع القضايا التي تستشرف المستقبل، فنحن في عالم لامكان فيه للمتأخرين، لذلك استطيع ان اقول ان الحكمة في اتخاذ القرار، والتعامل مع المعطيات المختلفة، وعمق النظرة المستقبلية للواقع هي ابرز ملكات الابداع التي ورثتها عن والدي صاحب السمو حاكم الشارقة، هذا بالإضافة إلى حبه العميق لقيم الأصالة والتراث، ودفاعه الكبير من أجل الحفاظ عليها، وما رافق ذلك من محبة الفكر والثقافة والأدب والفنون المختلفة التي ترتقي بجوانب الإنسان الجمالية ليكون مشروع ابداع دائماً لاينضب.
بيئة الأسرة
من المعروف أنك من أصحاب الفكر والرأي وعشاق الفن، فما هي أهم منابع الثقافة التي نهلت منها؟
من المؤكد أن المنبع الأول لتكوين الذائقة الفنية والثقافية، والقدرة على الاستمتاع بكل ماهو جميل، سواء كان فكرة خلاقة، أو أدبا أو فناً، تتشكل في محيط العائلة ، ولاشك في أن البيئة التي نشأت فيها، وما رأيته وعايشته وتأثرت به في طفولتي المبكرة، من حب للعلم والثقافة، وما كان ينعقد من مجالس عامرة تجمع أقطاب العلوم والفكر في ضيافة والدنا سمو حاكم الشارقة حفظه الله، ثم ما رافق ذلك التحصيل الشخصي الذاتي، قد أدى كعوامل مجتمعة إلى أن تأسست لي ميول وآراء واتجاهات فكرية ما، وأسس مهمة بنيت عليها شخصيتي الثقافية والادبية، فقد تذوقت حلاوة الثقافة والفن ومختلف قيم الجمال في بيت أبي.
وفي الحقيقة إنني أنهل من العلم والثقافة، وأمام عيني دائماً قوله تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" ومن ثم فإنني ما أزال أعد نفسي طالبة.
هل ترون أن الاهتمام بالفن نما وتطور مع نمو المجتمع أم أنه لايزال خارج نطاق الاهتمام المجتمعي؟
في البداية، من المهم أن نقف على تعريف الفن، لنرى ماهية وحجم الدور المجتمعي في نموه وتطوره ،فالفن في عرف المتخصصين هو محاكاة الواقع بكل صوره، وهو لغة استخدمها الإنسان لترجمة حاجاته الفطرية المعروفة، كما أنه موهبة وإبداع وهبها الله سبحانه للناس بدرجات متفاوتة تختلف بين فرد وآخر ، وكلمة الفن تعني أيضاً القدرة على ممارسة المهارات المستخدمة لإنتاج أشياء تحمل قيمة جمالية، ويجمع مصطلح الفن بين المهارة والحرفة والخبرة والإبداع والحدس والمحاكاة ، وتأسيساً على هذا التعريف، يبدو واضحاً أن الفن يسير وينمو ويتطور بشكل طردي مع الحَراك الإنساني.
واذا أردنا أن نأخذ جانباً فنياً واحداً هو الجانب الجمالي للأدب، لوجدنا أن العرب كانت تعرف أنواعاً معينة من الشعر مثل: الفخر والحماسة والهجاء بالإضافة إلى الرسائل الأدبية ونحو ذلك ، أما اليوم ومع تطور المجتمع، ظهرت اليوم أنواع أخرى من الفنون الأدبية مثل: شعر المهجر، وأدب المقاومة، وأدب الحرب، وأدب الطفولة، وأدب المرأة، والأدب الشعبي، وغيرها.
مشيرة إلى أن الأدب والفن يؤثران في المجتمع، ويتأثران به، وكلما ارتقى المجتمع كلما ارتقت فنونه وآدابه، فالنمو والرقي الفني يواكب نطاق الإهتمام المجتمعي ، وهو عموده الاساسي، والقطب الذي تدور عليه رحاه ، و أن اهتمام المجتمع بالآداب والفنون، في دولة الإمارات، آخذ في التصاعد وتقديري أنه سيزداد في السنوات القليلة المقبلة.
الفن والعروبة والإسلام .. كيف تنظرين إلى هذه الثلاثية من منظور فني جمالي؟ وهل ترينها متصلة أم منفصلة؟
متصلة بالطبع، فالعروبة هي روح الإسلام وحاضنته إن صح التعبير- وأداة انطلاقه إلى أرجاء العالم الفسيح، ليخرج الناس من الظلمات الى النور، والإسلام هو النقطة الاساسية للناحية الجمالية التي تقود حركة الفن بشكلها الصحيح حسب الضوابط والأصول، وتبرز مكنوناته الإبداعية ،وإذا أردنا أن نذكر مثلاً إسلامياً يعزز هذه الفكرة، لكفانا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ان الله جميل يحب الجمال"
لقد فهم المسلمون هذا الضابط، فأسسوا حضارة ذات شخصية متمايزةـ ومن ثم نسجوا إبداعاتهم التي تنتمي لحضارتهم،وهكذا استحق نتاجهم الثقافي والحضاري أن يتصدر أعظم متاحف العالم، واستحق أيضاً أن يهيم به الملايين ممن يعجبون بالفن العربي الاسلامي رغم مرور المئات من السنين وهذا يفسر أيضا أن الزخرفة الإسلامية والخط العربي وما إلى ذلك من فنون عربية خالصة، قد أصبح لها دراسات ومدارس تنهل من نبعها الثري، وبهذا تكاملت المنظومة الجمالية بين العروبة والاسلام لصياغة أسس نجاح الفنون، وظهر ترابط المفردات الثلاثة في قالب جمالي واحد كبير وفسيح.
كيف يمكن للفن الحديث أو ما يتعلق بالتراث الإماراتي أن يقدم مجتمع الإمارات للأجنبي أو للآخر بصفة عامة؟
من خلال دراسة حية لواقع الفن والتراث الاماراتي، أستطيع أن أؤكد بثقة أن الأجانب المقيمين على أرضنا، منبهرون بما شهدوه من تقدم لافت في مجال الفن الحديث ، وعلى صعيد الفن القديم، يكفي أنه يوجد في إمارة الشارقة نحو 19 موقعاً تحمل تصنيف المتاحف، وتشتهر بما تضمه من أسرار تاريخية، تعيد إلى الواجهة وتؤكد ما تسعى الشارقة إليه من التمسك بجذورها الاصيلة، وهي: حصن الشارقة، ومتحف الشارقة العلمي، ومتحف الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة، ومتحف الشارقة للفنون، ومجلس المدفع، ومتحف الشارقة للحضارة الاسلامية، ومتحف الشارقة للتراث، ومتحف الشارقة للاثار، وبيت النابودة الذي يرجع تاريخه إلى عام 1845.
وفي تقديري أنه لكي يتمكن الفن الحديث من أن يوصل رسالته عن مجتمع الإمارات بشكل صحيح، لابد أن ينزل إلى ساحة المجتمع، ويعرف همومه ومشكلاته، ويرتقي بتطلعاته، ويكون مقاربا للواقع لا مخالفا له ، و شفافا في التعبير عن المنظومة المتكاملة للهوية الوطنية.ومن جهة أخرى يحتاج هذا الفن لأن يحظى بالدعم الكامل، وأن يجد صداه بين الناس من خلال التوعية، لينسجم المجتمع في التعبير عن نفسه فنياً وشخصياً، حيث يمكن صناعة اسلوب فني للمواطن الإماراتي يحسن في ضوئه التعبير والتعريف الكفيل بايصال صورته الى العالم اجمع.
تتبوئين عدة مناصب ومنوط بك عدة مسؤوليات، فكيف توائمين بينها، وبين دورك في ذات الوقت زوجة وأم؟
إنني وإن كنت على رأس أكثر من جهة تحمل تخصصات مختلفة إلا أنني أعتمد في الكثير من القضايا بالإضافة الى تخصصاتي وخبراتي- على عدد من المديرين والاستشاريين المتخصصين في المجالات التي أشرف عليها، وبالتالي أقوم بإدراة تلك المنشآت عن طريق المتابعة الدائمة والاجتماعات المتواصلة مع إدارات وموظفي كل مؤسسة على حدة ، ولا أنكر أن الأمر يتطلب قدراً وافراً من الجهد، لأن دوري الرئيسي والأساسي هو تنشئة أبنائي نشأة حسنة صالحة، فلا خير ولا طعم لأي نجاح أحققه في الحياة العامة، على حساب حياتي الخاصة ،وعموماً فأنا أهتم بتقسيم وقتي وتنظيمه ولا أحب هدر دقيقة واحدة بغير فائدة، وأرى أن تأجيل عمل اليوم إلى الغد، هو آفة المجتمعات غير المتقدمة.
كيف تقارنين بين مجتمع دولة الإمارات الآن والأمس، وما ذكرياتك عن مرحلة تأسيس الدولة والبناء والتنمية؟
للآباء القادة حكام الإمارات تغمدهم الله برحمته، كل الفضل فيما وصلنا إليه اليوم، وما من تطور أو رقي نجني ثماره اليوم، إلا من غرس أياديهم المعطاءة المخلصة ، وإننا نحرص على أن نسير على منهجهم ونقتفي خطاهم، لكي نترك للأجيال المقبلة تربة صالحة، ولكي نضع قواعد المستقبل راسخةً متينة، وهكذا تتواصل الحلقات وتستمر النهضة، بإذن الله.
ما هي الرسالة التي تودين توجيهها لأبناء جيلك من شباب دولة الإمارات؟
أنا واحدة منهم، يجمعنا هم واحد، وطموح واحد، ومصير واحد، لافرق بيننا مطلقاً، وعملاً بهذا المبدأ، فإني أثمن فيهم وعيهم الكبير، وحبهم وإخلاصهم العالي لبلدهم، وتفانيهم من أجل مصلحته العليا، وبذلهم الغالي والنفيس من أجل أن تأخذ الإمارات دورها في البناء والحضارة.
ويملؤني الفخر وأنا أرى الأيادي المواطنة تملأ مجالات الحياة المختلفة من أقصى البلاد إلى أقصاها، وتكتب بكل فخر قصة الإنسان الإماراتي الذي حول الصحراء إلى واحة أمل وطموح، وصنع بين رمالها ومياهها أسطورة نجاح أثارت اعجاب العالم، ووضعت الإمارات في مكانها الحالي، لهم جميعاً كل احترامي وتقديري.
ما رأيك في المرأة الإماراتية بشكل عام، وهل ترين أنها تطورت بشكل إيجابي عن ذي قبل؟
مجتمع الإمارات مجتمع عربي مسلم محكوم بعادات وتقاليد معروفة، وقد حدت بعض الموروثات الخاطئة من قيام المرأة بدورها على اكمل وجه في فترات كثيرة من فترات التاريخ، وألزمتها هامشاَ ضيقاً لا يتناسب مع طاقاتها وطموحاتها.
وبعد المكتسبات المتحققة بعد قيام الإتحاد، وما امتازت به انظار قادة البلاد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، واخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، حكام الإمارات حفظهم الله من شمولية ومنهجية وقدرة على استشراف المستقبل، فقد تراجعت النظرة القديمة الى المرأة وتم فسح المجال امامها لتأخذ دورها في بناء الوطن، فدخلت المدارس والجامعات، واقتحمت سوق العمل بكل جدارة، وشكلت مع اخيها الرجل معادلة تكاملية، ومنهن من وصلن مراتب قيادية، واليوم لدينا وزيرات وممثلات في المجلس الوطني وعلى مواقع الإدارة في الكثير من الدوائر المهمة، اضافة الى العمل الحر الذي اثبتن فيه جدارة فائقة منقطعة النظير.
المرأة والعمل
كيف ترى بدور القاسمي ما يتردد من أن الإماراتيات يلجأن للكليات النظرية لا التطبيقية كونها أسهل، وهذا يخلق فجوة في احتياجات سوق العمل؟
ليس هناك تقسيم بين وظيفة او تخصص سهل او صعب في عملية البناء والحضارة. ان التفوق والنجاح يحتاج الى تضافر الجهود جميعاً من اجل تحقيق الهدف المنشود، وان كل موقع صغير او كبير له دور في هذه الحياة، وفي تقديري أن متغيرات سوق العمل، ستدفع الكثيرات إلى تغيير خياراتهن، وهذا أمر ظهرت بوادره من الآن، فهناك عدد كبير من الطبيبات والمهندسات الإماراتيات، يؤدين دورهن في خدمة وطنهن بكل حب وتفانٍ، وهن إلى جوار خريجات الكليات النظرية، كالآداب والتربية، يشكلان جناحين تحلق بهما مسيرة مشاركة المرأة في دعم ودفع عجلة التنمية على أرض الوطن.
ما هي الأمنية التي لا تزال تشغل فكر الشيخة بدور، وتأمل أن تحققها المرأة الإماراتية؟
لست أبالغ حين أقول إن المرأة حصلت في بلادي ما لم تحصل عليه في مكان آخر، ولاتزال دولتنا توليها عناية فائقة، وعليه فإن المشكلة لاتكمن في الدور الرسمي الداعم للمرأة، وإنما تكمن في بعض الأفكار الخاطئة التي ما زال البعض يرمقها بها ،صحيح أن المقارنة بين اليوم والأمس تكشف أننا حطمنا في زمن قياسي منظومة من الأفكار البالية، غير أنني أرى أن هنالك ما لم يتحطم، ومن ثم فإن أسمى طموحاتي، هي أن تتساقط بعض التابوهات الوهمية، وأن ينتهي هذا الموروث الخاطئ حول المرأة، وخصوصا ما يتعلق بأنها خلقت للبيت والأولاد فقط ومع الاعتراف بأن هذا الدورمن أشرف الأدوار وأنبلها- لكنه لايجب أن يحصرها ويحجم عطاءها.
القصباء وما آلت إليه من تنظيم وتطوير واستقطاب يفوق قدرتها الاستيعابية... ترى هل ستبقى كما هي من حيث الاتساع، أم أن هناك خططاً لتوسعتها وتطويرها؟
كما قلت في بداية حديثي: إن المحافظة على النجاح أصعب من تحقيقه وبالتالي فاننا نعمل جاهدين على المحافظة على ما وصلت اليه القصباء وهي في تطور دائم، شأنها شأن أي مشروع ناجح يحمل في طياته عناصر القدرة على النمو والارتقاء.
كونك رئيسة عدد من المؤسسات المعنية بالنشر والثقافة، فهل هناك مشروع أو خطة لدعم الموهوبين من الكتاب والكاتبات؟
جميع تلك المؤسسات والمشاريع تهتم بأن تشكل دعما للكتاب الاماراتيين، وخصوصا المواهب الناشئة التي تحتاج لمن يأخذ بيدها، وجميعها لديها هدف رئيسي منذ تأسيسها، ألا وهو دعم الحركة الثقافية والإبداعية ورفدها بالمواهب الجديدة، وجميع هذه المؤسسات تفتح أبوابها لكل ذي موهبة وتحرص على مؤازرته بشتى السبل الممكنة.
كتب عالية الجودة شكلاً ومضموناً
أرادت الشيخة بدور أن تقدم كتباً للأطفال تتمتع بالجودة من ناحية الشكل والمضمون ومثل هذه النوعية غير متوفرة للأسف في النشر العربي، في حين أنها موجودة بكثرة في القصص الأجنبية التي تتميز بطرح العديد من الخيارات أمام الطفل ، لذا ينجذب أطفالنا إليها أكثر من الكتب والقصص العربية التي تكون أقل جذباً للطفل. ، لذا حرصت كلمات على أن تتعامل مع كتّاب ورسامين من العرب كونهم يحملون الثقافة العربية، ويقدمون أيضاً رسومات من البيئة العربية وليس من بيئة ممجوجة لا تحمل هوية أو انتماء، وهؤلاء قادرون على فهم نفسية الطفل العربي وما يريد.
ورأت أن أفضل وسيلة للوصول إلى هذه الشريحة جذبها عن طريق الرسومات والألوان وأيضاً الخطوط البسيطة سهلة القراءة، كما اعتمدت في بعض الكتب ، خاصة تلك المخصصة للفئة العمرية الأولى ، أن تكون أوراقها قوية متينة كي يتحكم الطفل في مسكها وأيضاً لا تتمزق بسهولة.
ثقافة
أهداف سامية لمشروع كلمات
تهدف الدار إلى غرس حب القراءة في نفوس القراء من الأطفال العرب، ويقف وراء كتابة ورسومات الكتب نخبة من الكتّاب والرسامين من حاملي الجوائز في هذا المجال، كما أن الكتب تستهدف الفئات العمرية حتى 16 سنة، حيث تتنوع موضوعات الكتب بين قصص التراث العربي القديم إلى المشكلات التي تواجه الأطفال في الحياة المعاصرة، كما أنّ معدلات الإنتاج في الدار تتبارى مع ما تقدمه أفضل دور النشر الأمريكية والأوروبية، وقد استطاعت كلمات خلال فترة زمنية قصيرة أن تنتج 42 كتاباً.
و تبدي الشيخة بدور القاسمي إعجابها بمهرجان الشارقة القرائي، فتنظيمه يأتي متزامناً مع اليوم العالمي للكتاب، وتدعو إلى الاهتمام أكثر بالكتاب والقراءة خصوصاً بعدما بدأ النشء ينصرف عنها، إلى المبتكرات المستحدثة وعلى رأسها شبكة الإنترنت. وتقول: لا يمكن أن نقف في وجه التطور، ولكن علينا دائما أن ندرك بأن الثقافة الراسخة لن تتأتى من غير الكتاب، وحينما أسافر إلى الدول الغربية، وأرى الناس يقبلون على القراءة في الحدائق والمنتزهات، أشعر بشيء من الغيرة، وأتمنى من أعماقي أن أرى هذا المشهد الراقي والمتحضر في وطننا العربي.
وترى أن المهرجان يعتبر إضافة إلى عاصمة الثقافة الشارقة وعلى صعيد آخر فإن احتواء المهرجان لمعرض للكتب وآخر للورش اختيار ناجح من قبل إدارة مراكز الأطفال والفتيات وينم عن تفكير متقدم ومدروس.
معارض
المجتمع الإماراتي بحاجة إلى تجمعات فكرية
تؤكد الشيخة بدور القاسمي دائما أن المجتمع الإماراتي بحاجة اليوم إلى مثل تجمعات معرض الشارقة للكتاب، فهذه التجمعات من شأنها أن تضع اللبنة الأولى لدى الأطفال في تعليمهم للقراءة ولإقامة علاقة مع الطفل خاصة أن الدراسات العلمية أثبتت أن الطفل يتلقى معارفه من مصادر محيطة به وتبقى راسخة في ذهنه إذا حدثت في السنوات الأولى من عمره.
كما أن مشروع "كلمات" أبصر النور لأنها لمست بنفسها مدى افتقارنا في الوطن العربي لكتب الطفل، وقد كان الأمر يؤرقها كأم، فوجدت أن من واجبها أن تقدم نموذجاً مشرفاً لكتاب الطفل بإطار جديد ومشوق والابتعاد كلياً عن المذهب المتبع حالياً لدى الكثير من الدور عن التقليد والترجمة والتي نراها منتشرة هنا وهناك.