تعتبر الأمثال الشعبية، مخزن الحكمة المجانية، التي ادخرها لنا الآباء والأجداد، وتركوها ميراثاً لا يقدر بثمن، ننهل منه فنتعلم ونرتقي ونفهم أكثر.
وقديماً، قال أجدادنا: المجالس مدارس، وهذا المثل الشعبي الذي يتألف من كلمتين فقط، العميق في دلالته ومغزاه، يختزل ما للمجالس من أهمية في الوجدان الجمعي للمجتمع، فهي ليست مجرد ملتقيات للحديث أو قطع وتمضية وقت الفراغ، وليست مجرد حلقة وصل بين الحاكم والمحكوم، وإنما هي فوق كل هذا، وأهم من كل ذاك، بمثابة المدرسة التي يتعلم فيها النشء العادات والقيم والتقاليد "السنع".
الأهمية والمكانة التي تحتلها المجالس، ودورها الاجتماعي والثقافي والسياسي، كانت محور النقاش في مجلس رجل الأعمال حمد بن غليطة مدير مكتب صاحب السمو حاكم عجمان عضو المجلس الوطني الاسبق، والذي استضاف عدداً من أعلام الإمارة، وحضرته "البيان"
في البداية استهل بن غليطة الكلام قائلاً: إن ثقافة المجالس تعد واحدة من أهم مفردات التراث الحضاري والثقافي في الإمارات، وهي تقام طوال العام، لكنها تنشط خلال الشهر الفضيل، نظراً لما يتميز به من ليالي السمر الممتدة، والتي تبدأ في العادة بعد الانتهاء من صلاة التراويح. وفي المجالس، تعلمنا منذ نعومة أظافرنا، معاني احترام الكبير وتوقيره، وقيمة العمل، ومفاهيم التراحم، والاحتفاء بالضيف أياً كان، وآداب الحوار والإصغاء، ونهلنا من خبرات من خبروا الحياة قبلنا، وورثنا القيم والعادات والتقاليد الأصيلة لمجتمعنا، وتشربت نفوسنا مبادئ الشجاعة والنزاهة، وتفهمنا قيمة العلم والتعليم، لذلك فإن المثل الشعبي: المجالس مدارس، يعبر بصدق عن واقع هذه الظاهرة التي يتسم بها المجتمع.
أدوار متعددة
وقال: إن المجالس ليست فقط لمناقشة القضايا الاجتماعية، أو هموم المواطنين، وليست لإلقاء الضوء على القرارات الحكومية المختلفة، فهي فضلاً عما سبق، تعد بوتقة تنصهر فيها كل الآراء والأفكار والطموحات، وكثيراً ما تلقي الضوء على قضايا ثقافية أو اقتصادية أو رياضية، ويحدث في كثير من الأحيان أن يستقطب صاحب المجلس، عدداً من ذوي الخبرة والمعرفة في مجال بعينه، ومن ثم يصبح المجلس متخصصاً.
وأضاف: في مجلسي نوقشت مجموعة من القضايا الطبية والعلمية المتخصصة، فقد طرح المجلس قضايا: العلاج بالخلايا الجذعية، وأساليب التعايش مع مرض ارتفاع السكري، وهناك مجالس ناقشت قضايا تتعلق بالطاقة البديلة وحماية البيئة وكذا المستحدثات في مجال الفيزياء، مثل التغير الذي طرأ على نظرياتها بعد اكتشاف الفيمتوثانية، موضحاً أن حضور مثل هذه المجالس يساهم في إثراء معارف وخبرات ومدارك الحاضرين، ويؤدي إلى توسيع آفاقهم وتبصيرهم بكل ما يحدث في العالم، وليس فقط في داخل الدولة.
وتابع حمد بن غليطة الحديث متناولاً ما يمكن وصفه بالتطور التاريخي للمجالس، حيث قال: بدأت المجالس باعتبارها واحدة من التقاليد التي كان يحرص عليها أصحاب السمو الحكام، للتعرف على ما يشغل الناس، ورويداً رويداً سعى بعض رجال الأعمال والأعيان إلى عمل مجالس، في بيوتهم، ثم انتشرت الظاهرة، لتنتهي إلى أبسط الناس، موضحاً أنه في كل الحالات والأحوال كانت المجالس متنوعة من حيث الموضوعات التي تناقشها، وتتطرق إلى الجوانب العلمية والثقافية والتربوية والأدبية لتلم أيضاً بجميع النشاطات والحرف الشائعة في المنطقة لا سيما النشاطات التجارية، لتركز في طرحها مناقشة جميع القضايا والمواضيع التي تصب في خدمة الصالح العام والمواطن.
وأضاف: إن للمجالس دوراً غاية في الأهمية، ألا وهو الحث على التمسك بالعادات والقيم والتعاليم الإسلامية من خلال تطرق الحاضرين إلى قصص الأنبياء والرسل والسيرة النبوية، وكانت جميع هذه القصص والمناقشات تقام بعد صلاة المغرب. كما حرصت المجالس على التطرق إلى التعاليم الدينية، وفي مرحلة سابقة وقبل أن تشهد الخدمات التعليمية في الدولة، التطور والنهضة التي تتسم بها حالياً، كانت بعض المجالس بمثابة دور علم لمن حرموا من مقاعد الدراسة، إلى درجة أن الكثيرين تعلموا فيها القراءة والكتابة وعلوم الفلك والحساب.
وقال: عرفت إمارة عجمان مجموعة مهمة من المجالس القديمة العريقة، التي مازالت قائمة، وتؤدي دورها المهم في طرح القضايا الجادة، وتناول المواضيع التي تهم شريحة كبيرة من المجتمع. وانطلقت هذه المجالس منذ وقت طويل، وتحديداً عندما سنّ الشيخ راشد بن حميد النعيمي رحمه الله، سنة الحفاظ عليها والتوسع في إقامتها باستمرار إيماناً منه بدورها الكبير في المجتمع.
وأشار بن غليطة إلى الاختلاف الذي اعترى مجالس الحكام موضحاً أنها كانت مسرحاً لمناقشة احتياجات الناس من مواطنين ومقيمين على حد سواء، والمصطلح الذي كان شائعا هو "مجلس الشيخ" وليس مكتب أو ديوان صاحب السمو الحاكم، ففي الصباح كان المجلس يستقبل الضيوف والشخصيات والوفود الرسمية، وفي فترة العصر وحتى ما بعد صلاة العشاء تجتمع الشخصيات العامة كقيادات الشرطة والعسكريين والموظفين ورجال الاعمال والتربويين والمتقاعدين الذين كانوا شديدي الحرص على التواجد والاستفادة من تبادل الأفكار والآراء باعتبار المجالس ساحات تثري العقول والافئدة. وقال: المجالس مناجم لصنع الرجال، لا يعرف قيمتها إلا من تعلم فيها، وتشربت نفسه المبادئ الحميدة التي تغرسها في النفوس، مؤكداً أن مجالس الحكام كانت بمثابة وزارات تحل فيها المشاكل، وقد اختلف شكل المجالس الآن، ولكنها مازالت تحافظ على روحها المميزة، والتي تكمن في كونها ملتقيات يتجمع فيها الناس ويتبادلون الآراء والمعارف والخبرات، في أجواء حميمية وغير رسمية.
الباب المفتوح
من جانبه بدأ حمد المطروشي، والذي يطلق عليه سكان عجمان لقب: العود أي الكبير، على سبيل التقدير والاحترام كلامه قائلاً: كان الشيخ راشد بن حميد النعيمي، يرحمه الله، حريصاً على أن تكون أبواب مجلسه مفتوحة لاستقبال علماء الدين والصحافيين وأساتذة الجامعة وكل ذي علم في أي مجال، حتى تحول مجلس إلى ما يشبه ورش العمل والندوات التي تطرح وتناقش وتحلل وتنتقد مواضع الخلل وتقترح الحلول، موضحاً أنه كان يرحمه الله، يحرص على التواجد في مجلسه صباحاً، وبعد صلاة المغرب، كان يتردد على مجلسه الكائن في الديوان القديم.
ومن بعده سار صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم عجمان، على نفس النهج، مما يؤكد أن ثقافة المجالس تعد واحدة من مفردات الثقافة الراسخة والثابتة في الإمارة. وأكد أن المجالس لعبت ولا تزال دوراً إيجابياً في توثيق عرى التواصل بين الناس خاصة كبار السن والشباب ومازالت تساهم في نقل الخبرات، وتمتين النسيج الاجتماعي والحفاظ على الهوية المحلية، فضلاً عن تنشيط الحياة الثقافية والفكرية وإثرائها، وتنمية الوعي والحسّ الوطني وتعزيز قيم الولاء للأرض والوطن، بما تثيره وتناقشه من هموم مجتمعية تشغل بال الجميع، مشيرا الى أن فلسفة المجالس تنسجم مع رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، والتي تدعو دوما إلى اللحمة بين أبناء الوطن والتمسك بالقيم والعادات والموروثات الاجتماعية.
وقال: إن تشجيع قيادتنا للمجالس، يؤكد الحرص والإدراك الواعي والإيمان الذي تتحلى به، بضرورة أن يعبر المواطنون عن آرائهم بحرية ومن غير قيود، مما يعني أن هذه المفردة الثقافية والاجتماعية، أشبه ما تكون ببرلمان مفتوح، موضحاً أن الظاهرة تنشط خلال شهر رمضان الفضيل، الذي تتسم أجواؤه بالحميمية والتآلف والرحمة والتقارب، مشيراً إلى أن هناك توجهاً لزيادة عدد المجالس الرمضانية عاماً بعد آخر، وأن هناك اتجاهاً تلقائياً غير رسمي لـتعزيز وجودها كجزء من التراث وتطوير دورها وتفعيله سواء في اختيار موضوعات النقاش أو إدارة الحوارات.
وتابع حديثه منتقلاً إلى الحديث عن مجالس رجال الاعمال أو ما كان يسمى فيما سبق باسم مجالس التجار" وكانت هذه المجالس وسيلة للتعرف على أخبار الحي، يعتمد عليها الناس بشكل أساسي لتناقل المعلومات والاطمئنان على بعضهم البعض أو الاتفاق على زيارة مريض او المباركة بالزفاف او النجاح، وهكذا كانت المجالس صورة للحياة الاجتماعية المتماسكة. ويتسم شهر رمضان بظهور مجالس موسمية، منها الرياضية والثقافية والشعرية وكذا مجالس حفظ القرآن التي تظهر بشكل أوضح في العشر الأواخر.
والتقط العقيد محمود الخميري، مدير إدارة المرور السابق، طرف الحديث فقال: إن تسارع وتيرة الحياة، والمشاغل التي تضغط علينا جميعاً، ومن ثم فإننا لا نتمكن في كثير من الأحيان، من متابعة الكثير من الأحداث والقضايا وحتى القرارات الحكومية ذات الاتصال الوثيق بالمواطنين، وللمجالس في هذا الصدد دور كبير، إذ أنها أشبه ما تكون بوسائل إعلام تفاعلية، تتطرق إلى كل ما هو جديد، وتناقش القرارات الحكومية المختلفة وانعكاساتها على المجتمع.
وأضاف: أثناء عملي مديراً لإدارة المرور، كنت أتلقى من الحاضرين في المجالس، سيولاً من التساؤلات حول القرارات ذات الصلة، ولما تقرر اعتماد نظام النقاط السوداء مثلاً، كنت أحرص على شرح آلياته لرفاق المجلس، وكانوا هم بدورهم يشرحونه لأفراد أسرهم وأصدقائهم، وهكذا ساهمت المجالس في شيوع الوعي المروري، موضحاً أن هذا المثال ينطبق على الكثير من القضايا الأخرى، مثل القرارات الخاصة بالتعليم والعمل والعمال والصحة، وغيرها من قرارات تتصل اتصالاً وثيقا بحياة الناس اليومية.
وتناول العقيد الخميري، ما أسماه بواحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تتطلب التصدي لها، ألا وهي: انفصال قطاع كبير من النشء عن تراث الأجداد والآباء. وقال: إن التطور الذي شهدته الدولة، قد ساهم في اجتذاب العمالة من شتى أصقاع الأرض، مما أفرز ظواهر منها: الزواج من أجنبيات، وخروج المرأة للعمل ومن ثم الاعتماد في بعض الأسر على الخادمات، واضمحل دور الأسرة الممتدة إلى حد كبير، مما أدى إلى وجود فجوة عميقة وهوة سحيقة تتطلب الكثير من الجهد، على المستويات: التربوية والإعلامية والتثقيفية والأمنية لردمها، موضحاً أن الفجوة بين الأجيال، تتجلى في أسوأ صورها في وجود مواطنين لا يتقنون اللغة العربية، نظراً لأنهم تربوا على أيدي الخدم، ومن ثم اتبعوا ثقافتهم وعاداتهم وأيضاً لغتهم. ورأى أن تعزيز التواصل بين الآباء والأبناء، ورأب الشرخ بين الأجيال، لن يتأتى من دون أن تعود الأم لتؤدي الدور والوظيفة الأساسية المنوطة بها، ألا وهي تربية الأبناء وزرع القيم الأخلاقية المرغوبة في أعماقهم، فهذا هو الحل السحري والوحيد، الذي يضمن للوطن أن يسير نحو المستقبل على قواعد ثابتة راسخة.
من جهته قال اللواء متقاعد علي ماجد المطروشي: إن حرص الآباء على اصطحاب أبنائهم إلى المجالس الرمضانية، قد يكون وسيلة مهمة لمد الجسور بين حاضرهم وماضيهم، ففي أجوائها التي تعبق برحيق الماضي حسب تعبيره- سيتعايش الجيل الصاعد ويستوعبون القيم والأخلاقيات النبيلة، مؤكداً أنه على المستوى الشخصي طالما كان يحرص على اصطحاب أبنائه إلى المجالس، كي ينهلوا مما فيها ويتعلموا من الأجداد ما يساهم في تقوية شخصياتهم.
وأضاف: هذا لا يشكل تعويضاً عن دور الأسرة المهم في التنشئة الاجتماعية، فما يتلقاه الإنسان في بيئة البيت، يرسخ في ذاكرته مثل النقش على الحجر، غير أن المجالس قد تكون وسيلة مساعدة في دعم عملية التنشئة الاجتماعية على أسس سليمة، مشيراً إلى أن وجود صغار السن في المجلس، سيعلمهم آداب الحوار مع كبار السن، وما توارثه الأجداد والآباء من الاحتفاء بالضيف وإكرامه، وكل ما يتعلق بتقاليد البداوة الأصيلة.
في الإطار نفسه، تحدث اللواء عبيد محمد الزعابي ، عن ضرورة انتهاز فرصة الشهر الكريم، من قبل كل ولي أمر، وذلك عبر الحرص على اصطحاب أبنائه إلى المجالس، فتحفر في أعماقهم ثقافتنا العربية والإسلامية الأصيلة.
وقال: إن أبناءنا يسددون ضريبة التطور التكنولوجي الذي يسير بخطوات واسعة سريعة، ويكابدون فراغاً عاطفياً لأن الآباء أصبحوا أكثر انصرافا عنهم، بسبب ضغوط الحياة والعمل، وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسب جرائم الأحداث، خاصة في فترة الصيف، مشيراً إلى أن شرطة عجمان حاربت جرائم المراهقين وحققت نجاحا كبيرا بأن نفذت قرار استدعاء كل ولي أمر يتواجد ابنه في الشوارع بعد الحادية عشرة ليلاً، وإلزامه بتحرير تعهد على نفسه بعدم ترك المراهق خارج البيت في الأوقات المتأخرة.
معضلات التعليم
بعدئذ انتقل المشاركون في المجلس لمناقشة عدد من القضايا التربوية، وألقوا الضوء على ما وصفوه بمعضلات التعليم في الإمارات. واعتبر محمد الشمري، مدير ثانوية الراشدية، وحكم كرة قدم دولي، أن الآباء تنازلوا عن أدوارهم، وغضوا الطرف عن ضرورة متابعة أبنائهم أخلاقياً ودراسياً، وهكذا يشعر المراهقون بأن الحبال متروكة على الغارب، وأصبحوا يشعرون بأن في وسعهم فعل أية حماقة من دون أن يتحملوا مغبتها، مؤكداً أن إدارات المدارس مهما بذلت من جهد لن تتمكن من استئصال السلوكيات السلبية من شخصيات الأبناء في حين أن الآباء ينامون في العسل، حسب تعبيره.
مفارقة مؤلمة
وقال سعيد خلفان الحمراني«رجل اعمال»: من المفارقات المؤلمة أن إدارات المدارس قد ترصد سلوكا سلبيا لأحد الطلاب، فتقوم بمخاطبة ولي الأمر، عدة مرات فقط لكي يأتي للجلوس مع الأخصائي الاجتماعي، غير أنه يتجاهل الأمر، كما لو كان ليس يعنيه، فهل هذا هو دور الأب؟ وأضاف: إن قطاع التعليم يفتقر إلى الكادر الوطني، وهذه واحدة من المعضلات التي تستدعي البحث عن الحلول الكفيلة باجتثاثها،فوجود المعلم المواطن الأقرب إلى ثقافة الطلاب، والأحرص عليهم بحكم الانتماء، سيقي النشء من الكثير من السلوكيات التي تتسرب إلى انفسهم نتيجة الاختلاط بالدخلاء والغرباء عن ثقافتهم.
وتطرق علي حسن، مدير منطقة عجمان التعليمية، إلى أسباب تدني المستوى الدراسي للطلبة قائلاً: تكمن أهم الأسباب في غفلة الآباء وغياب بعض أولياء الأمور غيابا تاما عن متابعة أبنائهم، مما تسبب إلى تدني مستوى بعض الطلاب تعليمياً وأخلاقياً.
وأشار إلى أن المرجعية الأخلاقية الحقيقية هي الأسرة التي ينشأ فيها الطالب، وفي بوتقتها يستقي المبادئ الأخلاقية والسلوكية القويمة أو السلبية، موضحاً أن بعض المشاكل المجتمعية أسفرت عن مشاكل تشتعل داخل جدران المدارس.
كما أشار إلى أن بعض الآباء يرفضون الذهاب إلى المدارس تجنباً لدفع المبالغ النقدية مما يصعب على إدارات المدرسة القيام بأي تقويم لسلوكيات الطالب السيئة لأنها تجدف بمفردها حسب تعبيره. وحذر علي حسن من خطورة وسائل الإعلام الحديثة وتأثيرها على شخصية النشء، حيث يتعرض أبناؤنا لطوفان التغريب بسبب اجتياحها، وهو أمر تتعاظم خطورته في ظل عدم القدرة على التصدي لطوفانها الذي يجتاحنا من الجهات الأربعة، مطالباً أولياء الأمور بضرورة تقوية وإقامة جسور الحوار فيما بينهم وبين فلذات الأكباد، حتى تتعزز الثقة ولا يشعر المراهق والطفل بالخوف حينما يرغب في البوح بما يؤرقه من أفكار.
كما اقترح الاهتمام بإنشاء آليات اتصال لها القوة لإشراك ولي الأمر في متابعة ابنه للوصول إلى مجتمع تعليمي متكامل في عناصره على أن تهيأ المدارس لطلابها كافة الأنشطة المطلوبة التي تساهم في ارتقاء مستواهم التعليمي والفكري.
أكد حميد الشامسي "تربوي" ضرورة تخصيص وقت من قبل ولي الأمر لابنه ولمتابعته عن كثب داخل وخارج أسوار المدرسة، مشيراً إلى حدوث الفجوة بين الأب والإبن بدأت بالظهور نتيجة الطفرة المجتمعية وواقع الأعمال الذي يجر ولي الأمر ويبعده عن رؤية ابنه حتى في المنزل، ويرجح السبب في تفشي هذه الظاهرة إلى الفكر الجاهل السائد بين بعض أولياء الأمور نتيجة اهتماماتهم المكثفة خارج المنزل وتدني مستوى المعرفة لدى هذه الفئة من أولياء الأمور.
واسترجع حميد الشامسي في حديثه صفات الآباء قديما وغيرتهم على أخلاقيات وتعليم أبنائهم على الرغم من شظف العيش الذي كابدوه ومن أن معظمهم لم يكونوا على قدر من التعليم، مؤكداً على ضرورة أن تهتم وسائل الإعلام بتثقيف المجتمع عامةً بأهمية إيلاء تربية أبنائهم على القيم والعادات الحميدة أعلى درجات الاهتمام، لأنهم إن يفعلوا ذلك فإنهم يكونوا قد أساءوا حفظ الأمانة الملقاة على عاتقهم.
تاريخ
مجالس عريقة أفرزت أفكارا مهمة
حرصت معظم العائلات في عجمان على تأسيس مجالس خاصة انبثقت عنها أفكار ومقترحات تم الأخذ بالكثير منها.
وتضمنت قائمة مجالس عجمان أسماء مازالت راسخة في أذهان السكان، من أهمها فيما يسمى بفريج الشرق: مجلس خلفان خميس الخوار، وأخيه ناصر خميس "الحمر"، ومجلس أبناء مفتاح، ومجلس سيف بن بدر، ومجلس خلفان بن عسكر الذي يتناول فيه المهن الحرفية بشتى أنواعها، ومجلس أبناء عبيد بن سلطان المطروشي، ومجلس بن تريس، ومجلس القندي، ومجلس الإخوان خلفان وعبدالله وعلي أبناء خلفان ومانع، ومجلس سلطان بن علي، ومجلس عبيد الدوسري، ومجلس سعيد بن حميد النعيمي، ومجالس عائلة سليمان وأبنائه، ومجلس أحمد المهيري، ومجلس مرداس، ومجلس الشاقوش، ومجلس ناصر بن عبيد السويدي، ومجلس محمد المعلم، ومجلس بو طويل، ومجالس ماجد وسعيد وسيف المطروشي، ومجالس أبناء المزاريع، ومجلس خلف العبار، ومجلس يوسف بن ناصر النعيمي، ومجلس بن سالمين وأخيراً مجلس أحمد بن يوسف النعيمي الذي لايزال قائماً حتى يومنا هذا.
ضرورة
مساهمة ولي أمر الطالب في مواجهة التغريب
أكد طارق عبد الله بن غليطة، رئيس قسم الأداء المؤسسي بشرطة عجمان، ضرورة مساهمة ولي الأمر في متابعة الطالب وخصوصاً في ظل واقعنا الذي يثبت لنا تراجع دور ولي الأمر وتنازله عن واجباته المهمة في التربية، مما يجعل النشء عرضة لتيارات التغريب التي تسعى لاقتلاعنا من جذورنا.
وأشار إلى أن الفجوة التربوية الحاصلة سببها الأب، لذلك لابد من التحرك لخلق برامج توعية جديدة ومبتكرة تعزز من دور ولي الأمر منوهاً إلى الدور الذي قدمته كلية الأم في عجمان، وعرضها البرامج والأسس التي تنظم عملية التربية خصوصاً دور الأم التوجيهي إلى جانب الأب.
وحذر من استخدام الأساليب القاسية والسلبية في عملية التربية لأنها تؤدي بالضرورة إلى أن يفقد الابن ثقته بأبيه وبنفسه في نفس الوقت، وشعوره بعدم وجود قدوة حقيقية، مما يدفعه إلى الجنوح والسعي إلى التمرد، وهو أمر تعاني منه إدارات المدارس، ويفرز مشكلات يعد التسرب الدراسي من أبرزها.
وأشار طارق بن غليطة إلى الدور الذي قدمته المجالس ودورها في مراقبة الذات، والتعرف على جيل عاصر الحياة الصعبة مشيراً إلى أنه افتقد المجالس عند سفره للخارج من أجل الدراسة مستذكراً فيها الأجواء الرمضانية وفاقداً الألفة والمحبة التي تسودها.
سرد
تجارب تربوية ناجحة
قال الشاعر سعيد خلفان الكعبي: إنني اتبع أساليب الحوار والرأي والرأي الآخر في علاقتي مع أبنائي، وأحرص على الالتقاء بهم ومناقشتهم والتعرف على ما يدور في رؤوسهم، وهذا الأسلوب ساهم في تجنب الكثير من المشكلات لأنهم يصارحونني ويشاورونني، وبالتالي يسترشدون بما أسديه لهم من نصائح وآراء.
وانتقل إلى قضية أخرى ألا وهي غياب دور الأم في تربية الأبناء وتشبثها بالوظيفة مؤكداً على ضرورة ملازمتها المنزل والتخلي عن العمل في حال كان الزوج قادراً على تلبية كل احتياجات الأسرة المادية، موضحا أنه ليس ضد عمل المرأة وإنما ضده في حال انعكس سلبيا على أسرتها.
وأشار إلى أن التربية القويمة لا يمكن أن تتحقق في حال تولتها المرأة فقط أو الرجل وحده، وإنما بهما معاً، فالطفل والمراهق يحتاج لكي ينشأ متزنا عاطفيا وانفعاليا وشعوريا لأبيه وأمه معا، وهذه الحقيقة التربوية تقودنا بالضرورة إلى الحديث عن خطورة ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمع، وآثاره السلبية على المجتمع، وكذا ضرورة تكثيف البرامج التثقيفية التي تعرف الشباب والمقبلين على الزواج بمقتضيات ومتطلبات الحياة الزوجية.
مناشدة
إيقاف العقاب البدني
ناشد ناصر بن غليطة، موظف في وزارة الداخلية، أولياء الأمور بمصادقة أبنائهم والتودد في معاملتهم، وعدم استخدام وسائل العقاب البدني التي تنفر الأبناء وتغرس فيهم ثقافة العنف والعدوانية، مؤكداً ضرورة الاهتمام بزراعة القيم الإيجابية في نفس الطفل منذ نشأته، والعمل على إشراكه في الأنشطة التي تنمي قدراته العقلية ودفعه إلى ممارسة الهوايات التي تعود بالنفع على شخصيته.
وأكد أن العادات والتقاليد التي يكتسبها النشء تبقى راسخة في أعماقهم للأبد لذلك لابد أن من الاهتمام بتعزيز دعائم التربية ذات القدرة على توجيه الأبناء وتلقينهم الواجبات الأسرية الصحيحة.
حرص
التمسك بإرث الأجداد
أوضح محمد سيف بن غليطة، موظف في وزارة الصحة، أنه يصطحب أبناءه إلى "العزبة" باستمرار، ليتعلموا عادات آبائهم وأجدادهم ويحافظوا على ما اكتسبوه خلال رحلاتهم المستمرة معه، ويحرص على أن يحث أبناءه على التمسك بما تركه أجدادهم لهم، وألا يفرطوا في تراثهم الثقافي والحضاري. ويسمح محمد سيف بن غليطة لأبنائه بمتابعة وسائل الإتصال مع فرض الرقابة المستمرة على حرية الاضطلاع.
وأكد على دور المرأة في التربية مشدداً على أن جلوسها في المنزل يأتي من حاجة الزوج لذلك، وحجم استيعابه لعملية التربية وقدرته على التحكم في أبنائه.
معاملة
إمساك العصا من الوسط
أكد حمد راشد السعدي، موظف حكومي، أهمية المعاملة الطيبة، واستخدام الوسائل السلسة المتمثلة في الابتعاد عن العنف مع الأبناء، لافتاً إلى أن العصا لابد من أن تمسك من منتصفها حتى ينشأ الأبناء متوازنين.
وأكد أنه حريص على الجلوس مع أبنائه والاجتماع معهم على موائد الطعام وخاصة الموائد الرمضانية لدورها الفعال في التقرب من أبنائه فكرياً.
ووافقه الرأي محمد سالم الكعبي، رجل أعمال، على ضرورة التفاف الأسرة، مؤكداً بأنه حريص على الاجتماع بهم خلال شهر رمضان وباقي أيام السنة، مشيراً إلى النتائج الإيجابية التي تحققت من واقع العيش وسط الأسرة الممتدة، حيث يشير إلى أنها تتميز بارتباط وتآلف أعضاء الأسرة حول بعضهم، مما يساعد ويسهل عملية التربية كثيراً ويساهم في خلق جيل يحمل مواصفات أخلاقية عالية.
وقال: أعيش مع عائلتي وأبنائي يرفضون الانتقال للعيش في بيت منفصل، فهم سعداء بوجودهم إلى جوار الجد والجدة، وهم يتلقون منهما الكثير من القيم والأخلاقيات المرغوبة، مؤكداً أن هذه هي أهم الفوائد المترتبة على العيش وسط الأسرة الممتدة.
معرفة
ثقافة وعلم وأدب في مجالس «فريج الوسط»
يحتوي فريج الوسط على مجالس عائلات عريقة لا تقل مضموناً عن ما كانت تقدمه المجالس في فريج الشرق وأهمها مجلس القاضي والمعلم عبدالله ولد الشيبة من كبار الأدباء ولديه مكتبة أدبية كرس جهده للعمل عليها.
إلى جانب مجلس ولد الشيبة وقفت مجالس أخرى على منبر الثقافة والعلم والمعرفة أهمها: مجلس بن كلي، مجلس المعي، مجلس خميس السويدي، مجلس سلطان بن حسن، مجلس حمد بن ثاني الشامسي، مجلس حميد بن علي بن صالح، مجلس بوشهاب، مجلس الحمراني(حميد وراشد الحمراني)، مجلس سعيد بن حماد، مجلس حمد المطوع، مجلس بن جبران، مجلس أحمد بن خوري، مجلس الحاج.
وعلى نفس النمط والنهج، احتضنت الجهة الغربية من إمارة عجمان كذلك مجلس بن لوتاه، مجلس بن حسين الشعالي إضافة إلى مجلس الرميثات الذي امتاز بحواره الدائم حول المهن التي شاعت بين أهالي المنطقة.