استطاعت مؤسســة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية أن تقدم نموذجاً استثنائيــاً للتكافل الاجتماعي والإنساني، بتعاضد مجموعة من الأمهات في إعداد وطهي الوجبات للصائمين في مختلف أنحاء الدولة. مبادرة جسدت تلاحم المجتمع الإماراتي وتضافر جهود أفراده نحو توصيل رسالة إنسانية ووطنية سامية، إذ تتكفل الأسر المنتجة بإعداد وجبات للصائمين في مختلف إمارات الدولة، مقابل دعم مالي وفرته المؤسسة للمشاركين، وبهذه الخطوة التي تتكرر للعام الثالث على التوالي، أكدت مجموعة من الأمهــات أن الحافز المادي أخرج بعض الأسر من ضائقتها المالية، وحقق نتائج غير مسبوقة بردم الفجوات بين أفراد العائلة الواحدة، وجمع النساء المشتركات في بوتقــة العمــل الإنساني.
مساعدة وتمكين
بفضل الجهــود الإنسانيــة الحثيثة والعمل الدؤوب، استفادت نحو 586 أسرة من مختلف إمارات الدولة ومناطقها من المشروع الــذي نفذته مؤسسة خليفة بن زايد للأعمـال الإنسانية، الرامي إلى سد عوز المحتاجين وتمكين المرأة الإماراتية من العمل، ليصل عدد إجمالي الوجبات التي يتم إعــدادها يومياً نحو 58600 وجبة، موزعة على الصائمين في مناطق مختارة بدقة، بإشراف وتنسيق 24 سيدة في مختلف أنحاء الدولة.
أكد محمد حاجي خــوري، مدير عام مؤسســة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، أن المؤسسة ماضية وللعام الثالث على التــوالي في تطوير مساعداتها الإنسانية، تماشياً مع توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وقد نجحت المؤسسة في ترسيخ مفهوم العمل الإنساني المنتج بين الأسر المستفيدة لمساعدات المؤسسة، كذلك حققت المبادرة نجاحاً متميزاً يُحسب في رصيد العمل الإنساني.
جسور التعاون
وأشار خوري إلى أن المبادرة تهدف إلى خدمة المجتمع بجميع أطيافه من خلال برامج مساعدات جادة لأهل العوز والكفاف، كما تساهم في نشر روح التسامح بين البشر لخدمة المحتاجين في مختلـف أنحاء المعمورة، وبدورها تمد جسور التعــاون مع المنظمات المحلية والعالمية المشتركة في العمل الإنساني، وتوفر الدعم المادي لبرامج البِر المختلفة، مما يحض على نشر ثقافة التكافل الاجتماعي في مجتمع الإمارات، ناهيك عن فتــح المشروع آفاقاً جديدة أمام السيدات نحو سوق العمل.
وأضاف إن المبــادرة تنسجم مع رؤية الدولة في التوطيــن، وقد أفــرز المشروع كفاءات وطنية متميزة قادرة على العمل في القطاع الخاص باعتبار أن جميع السيدات المشاركات مواطنات، كذلك كفل المشروع إفطار شريحة عريضة في المجتمع، مفيداً أن المبادرة شجعت الأفراد على العمل التطـــوّعي في مختلف جوانبه الإنسانية، وفي المحصلة ساهم المشروع في دعم أصحاب المبادرات الإنسانية المتميزة معنوياً، كما كان تكريساً للدور الإنساني وثقافته المتوارثة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.
بارقة أمل
على مدى العامين المنصرمين، أثبت المشروع نجاحه التام ومساهمته القوية المتمثلة في التحــاق الكثير مــن السيدات الاماراتيات، إذ كان المشروع بارقة أمل سددت ديــون الكثيرين، وأعطت البقية مساحه لتزويــد منازلهــم بما يحتاجون له من صيانة للمنــازل، أو سد العجز والديون إزاء ما يحصــلون عليه من دعم مالي، كذلك كان المشروع نافذة انطلاق الكثير من النساء للبدء في تدشين مشاريع خاصة مثل تأسيس المطابخ، كذلك حقق للمرأة الإماراتية مكاسب جمة، أبرزها حثها على العمل، وإتاحة الفرصة لإثبـات الذات، كذلك شجع الكوادر البشرية المواطنة على العمل، وشغل وقت فراغ المرأة الإماراتيـــة والأبناء في شهر رمضان المتزامــن مع الإجــازة المدرسية.
أرقام متضاعفة تكشف عن رغبة ملحة للمشاركة
المبادرة حققت نتائج لا حصر لها، لعل أبرزها تحقيق النفع العام وسد حاجة أكبر عدد من الأسر حسب ما رصدت فاطمة فتح الله منسقة المشروع في إمارة دبي، التي أكدت أن المشاركة لا تزال في تضاعف مستمر هذا العام، إذ التحقت 84 في دبي هذا العام، في حين اشتركت العام الماضي 70 امرأة، بينما شهد العام الأول لانطلاق المبادرة مشاركة 34 سيدة فقط. علاوة على ذلك، ثمة سيدات قيد الانتظار لم يحالفهن الحظ في المشاركة، مما يثبت الرغبة الملحة والمتزايدة من النسوة للمشاركة في مشروع إنساني يدر دخلا على المشتركة فيه، وفي الوقت نفسه يعد من الأعمال الإنسانية التي تخدم الصالح العام، كذلك أتاحــت المبادرة فرصة إعداد الوجبات وفق الطاقات والامكانيات المتاحة، إذ تسلمت النساء مهمة إعداد 100 وجبة يومياً.
رسائل جمة
لفتت فتــح الله إلى أنه وقع الاختيار لتوزيع وجبــات الإفطار على مناطق ذات كثافة سكانية عالية، وكانت الأولوية القصوى في اختيار الأسر المنتجة والمنفذة للمشروع من ذوي الدخل المحدود، إذ تصل الوجبات إلى مواقع رئيسية ثم توزع وجبات الإفطار في خيام رمضانية ومساجد في مواقع تضم العمال في المناطق الصناعية المختلفة، وبالقرب من الأسواق العامة في جميع إمارات الدولة سعياً للوصول إلى أكبر عدد من المستفيدين والمستحقين. شعرت فتــح الله لكونها إحدى المنسقات في المشروع، أن المبادرة حملت في طياتها الكثير من الرسائل بتقوية الأواصـر وتمتين النسيج الاجتماعي بين العائــلات والأسر المنتجة، وثمة الكثير من المشاهد والصور تدعم هذه الحقيقة مثل مساعدة البنت لوالدتها في عملية الطهـي وإعــداد الطعام، كما ردمت المبادرة بعض الفجوات الكائنة بين أفراد الأسرة من خلال تعاون الجميع على تنفيذ المشروع بروح التعاون الجماعية.
شروط
ثمة شروط وضعتها المؤسسة للالتحاق بالمشروع، أبرزها إعداد 100 وجبة فقط لكل أسرة "بيت"، واستثناء البنات صغيرات السن من المشروع ليقتصر على المطلقات أو الأرامل أو المتزوجات وذوي الدخل المحدود، مع مراعاة عدم ازدواجية الطبخ في المكان نفسه، إذ يتعين على كل أسرة الطبخ في بيتها. وعلى كل سيدة تتحمل مسئولية تسلمها لأغراضها، مع المحافظة على نظافة المكان، والتأكد من جودة الأكل وتخزين الأدوات بصورة صحيحة.
ردود أفعال
طرحت المؤسسة استبيانا لقياس حالة الرضا عن المنتج الذي عكفت الأسر على إعداده، أسفرت نتائجه عن امتياز الطعام مقارنة بالمطاعم، كذلك تعرفت المؤسسة بطريقة مباشرة وغير مباشرة على الأسر المحتاجة للمساعدة في جميع أنحاء الدولة، كما غمرت الفرحة الكثير من العائلات والأسر خلال المشروع، وأعطاهن الحافز للعمل فيه والقيام به بالرغم من عدم حصولهن على شهادات جامعية، ومن ناحية أخرى استقبلت المؤسسة اتصال الكثير من الازواج للشكر والثناء على المشروع، باعتباره جسر تواصل بين الزوج وزوجته وابنائه، وذكر أحد الأزواج: أنه لأول مرة يجلس بالبيت، ويشعر بما تشعر به زوجته خلال شهر رمضان.