تأهلت مدينة الشارقة مبكراً لاستقبال عام 2014 كي تتلقى مع حلوله لقبها الثقافي الثالث خلال أقل من عقدين من الزمان بعد اختيارها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية فتصبح بذلك عاصمة ثلاثية للثقافة التي انطلقت معها وبها منذ أكثر من أربعين عاما عندما تولى مقاليد الحكم فيها المفكر والمؤرخ والأديب صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي تبوأ موقعه الريادي في الخامس والعشرين من يناير عام 1972 لتنطلق برؤاه وأفكاره مسيرة التنمية الثقافية في خطوط متوازية مع تنمية قطاعات الحياة الأخرى في الإمارة التي اشتهرت بأنها دائماً باسمة.
ومع مضي السنوات وفي ظل الجهود المتواصلة في التنمية الثقافية استحقت الشارقة لقب العاصمة الثقافية للإمارات إلى أن نالت عام 1998، وعن جدارة، جائزة اليونيسكو باعتبارها عاصمة للثقافة العربية ليكون لقبها الثاني الذي سيلحق به بعد بضعة شهور لقب عاصمة الثقافة الإسلامية لتكون أول مدينة عربية تحمل ثلاثة ألقاب تؤكد انتماءها الأصيل لوطنها وقومها وأمتها الإسلامية التي تجاوز عددها اليوم المليار ونصف المليار نسمة على امتداد الكرة الأرضية.
ويعيدنا اللقب الجديد إلى مشهد بعيد عايشناه عن قرب عندما اكتمل ذلك البناء الضخم الواقع قرب بحيرة خالد والذي يعد أول مركز تجاري متكامل عندما افتتح قبل نهاية السبعينيات من القرن الماضي وقبل أن تعرف الإمارات مراكز التسوق كما هو الحال في وقتنا الراهن.
ولم يكن ذلك المبنى سوى السوق المركزي للمدينة والذي شيد على الطراز المعماري المتميز الذي يحاكي العمارة الإسلامية بكل مافيها من جماليات تلقي بظلالها على نفوس من يرونها وتبهجهم وتثير إعجابهم بمهارة من صمموها وأبدعوها.
وأتذكر أن الناس حينذاك، وكنت واحدا منهم، قد انجذبوا إلى المكان وجعلوه واحة لهم للنزهة قبل التسوق، حيث اكتشف الجميع أن موقعه قرب البحيرة يجعله متعة للزائرين.
ومرت سنوات قبل أن تضيف الشارقة إلى أسواقها سوقا جديدا هو "سوق المجرة" الذي افتتح عام 1987 وكان مبناه مفاجأة للجميع رغم أن تصميمه كان أيضا بنمط العمارة الإسلامية وإن كان بشكل مختلف عن سابقه، وأكثر أناقة وجاذبية جعلتني، أتردد عليه دون أن أشتري منه شيئا ربما كنت في ذلك كغيري أشعر بالرهبة داخل ذلك المكان الذي يكتسي بالمهابة والرزانة اللتين لازمتاه حتى تم تحويله عام 2008 إلى متحف للحضارة الإسلامية لتبقى مهابته في نفوس زائريه.
وقد شكل المتحف منذ افتتاحه نقلة نوعية في عالم المتاحف التي تمتلك الشارقة الكثير منها، ثم أصبح مزاراً مهماً على خارطة السياحة المحلية لكل راغب في الاطلاع على مقتنيات تعود لحضارة صنعها المسلمون القدامى ولكل من يسعى إلى فهم حقيقي لواقع أحوال المسلمين ومن سبقونا من أهل ديار الإسلام.
فالمتحف يحتوى على أكثر من 5 آلاف قطعة أثرية إلى جانب مجموعة من المصاحف والمخطوطات الإسلامية التي يعود تاريخ معظمها الى القرن الهجري الثالث عشر علاوة على وجود أول عملة إسلامية ضربت في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان وهو ما يمثل ثروة حضارية لا تقدر بمال.
إن المتحف بما يضمه من مقتنيات ذات بعد تاريخي وتتسم بالعراقة أصبح اليوم جسرا بين الثقافات المختلفة في عالم اليوم كما أنه يلعب دورا في زيادة الوعي العالمي عن المفاهيم الصحيحة للتاريخ والثقافة الإسلامية علاوة على كونه وسيلة لتحقيق التفاهم بين الشعوب المختلفة. وهو ما يدفعنا للتساؤل عن ذلك اللقب الرابع الذي ستسعى إليه الشارقة بعد عام 2014، وإن كنا نتوقع أن يكون لقبها المقبل هو "عاصمة التفاهم الحضاري العالمي" ، وفي ظننا أن ذلك على الشارقة ليس ببعيد.
malam678@yahoo.com