هل سمع أحدكم عن مدينة في مصر تحمل لقب "الكوبري"؟ لن أنتظر إجابة لأني شخصيا وحتى عام 1967 لم أكن أعرف مدينة مصرية تحمل هذا الاسم حتى وجدتني في قلب شوارعها وجها لوجه بعد رحلة، تنقلت فيها مستخدما حافلتين، بدأتها من مدينتي الشهيرة بأنها عروس الدلتا وثالثة المدن المصرية بعد القاهرة والاسكندرية.

داخل الحافلة الثانية فاجأني الكمساري (أي محصل التذاكر) بصوته الذي يشبه آلة التنبيه بقوله: أفندينا وصلنا الكوبري وهي المحطة الأخيرة، فلما سمعني أقول بأن محطتي هي "سيدي سالم" أردف قائلاً: لقد وصلناها تواً فإلى أين أنت ذاهب ؟أكيد أنت معلم جديد ؟ فلما أومأت له بنعم بدت السعادة في عينيه وزادت مودته تجاه شاب بدا خجولاً ومتردداً وهو يقطع أولى خطواته في الحياة العملية في مكان لا يعرف عنه شيئاً.

وكانت مفاجأة ثانية أن أسمعه يقول لي: عليك أن تذهب بسيارة كاميون إلى "شوغي" ومنها إلى وجهتك مدرسة عزبة "جلو" وبالطبع لن تكون هناك مواصلات داخلية تنقلك وعليك أن تعتمد على أهل المنطقة وهم كرماء مع الأغراب.

أما المفاجأة الكبرى فكانت في عبارته القائلة: كي تذهب إلى شوغي عليك السير حتى "الوكالة" وهناك عليك الانتظار لحين وصول الكاميون!

وكأنه أدرك أنه قد وضعني أمام لغز كبير فقال شارحا ومفسرا: الوكالة قريبة من هنا عليك فقط أن تعبر هذا الكوبري وأشار بيده إلى الضفة الثانية من المصرف المائي: انظر هناك إنها "الوكالة"، ومن حسن حظك أن اليوم هو الأحد موعد السوق الأسبوعي للمنطقة ولهذا ستراها مزدحمة وربما وجدت فيها من يساعدك في رحلتك. هنا سألته: وهل سيارات الوكالة منتظمة ؟ فانفجر الرجل ضاحكا بصوت عال جذب باقي الرجال في محطة الحافلات: ياأستاذ.. هذه وكالة "الركايب" التي يتركها أصحابها منذ الصباح الباكر إلى حين الانتهاء من قضاء مصالحهم أو بيع منتجاتهم في السوق ولابد أن تعرف أن هؤلاء الفلاحين يأتون على ظهور الحمير.

وللمرة الأولى أجدني أقهقه وأقول: يعني وكالة للحمير؟!!وليست لسيارات الكاميون التي قلت لي عنها قبل قليل!!

وانصرفت عنه لكن رابطة من المودة نشأت بيننا وتحولت إلى صداقة بمرور الزمن لأني اكتشفت من اللحظة الأولى أنه خبير بالمنطقة وعارف بأحوال سكانها رغم أنه ليس من أهلها، إذ كان ينتمي مثلي إلى محافظة أخرى مجاورة. ولن أحكي عن رحلتي الأولى إلى أول مدرسة عملت بها في بدايات حياتي المهنية كمعلم والتي دامت واحدا وعشرين عاما (منها عشر سنوات في الإمارات) قبل أن تسلمني مهنة المهن إلى مهنة الصحافة التي دخلتها من باب "الأدب" لتصبح حرفتي الوحيدة طوال ربع القرن الأخير.

المهم أني وصلت إلى مدرسة "جلو" وخلال أسابيعي الأولى كنت قد تجولت في المنطقة لتدخل إلى الذاكرة أسماء أخرى كانت تثير دهشة من يسمعها حتى لو كان من أبناء محافظة كفر الشيخ التي تدور حكايتنا في ربوعها التي وصفتها حينذاك لأصدقائي الطنطاوية بأنها مجاهل شمال أفريقيا، والتي أدرك اليوم مدى ما بلغته من تطور كان التعليم قاعدته المتينة.

ولا تزال الذاكرة تحمل أسماء قرى وعزب تابعة لها: الشخلوبة، المشارقة، العزايزة، الميتة، سد خميس، سعد حمد، فرش بركات، القن، ابو بسيوني أو الفرايجة، الجمايلة، الزياتين، وكوم الدهب التي كانت مقراً لعمدة زبيدة البحرية الحاج الطراوي الكبير وشقيقه شيخ البلد الحاج توفيق .

وفي كوم الدهب التي نزلتها زائرا لزملاء المهنة في مدرستهم الواقعة على الضفة المقابلة لعزبة "جلو" كانت تجربتي الرمضانية الأولى خارج دائرة مدينتي وبعيدا عن مسقط رأسي ومسكن أسرتي، وهي تجربة لا تنسى لأنها جعلتني أواجه وبشكل عملي مضمون الدعاء الشهير: اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العوام فقد كان الحاج الطراوي، وهو العمدة ورجل السلطة وصاحب الرأي والكلمة والثروة، رجلاً يسكن الإيمان قلبه وكان سخياً في الحفاوة بشهر رمضان، الذي يتحول فيه "الدوار" (وهو يشبه قصر الحكم) إلى ساحة تلتقي فيها يوميا جموع الفلاحين للاستماع إلى آيات الذكر الحكيم من قراء مجيدين قدموا من خارج المحافظة على نفقة الطراوي وفي ضيافته طوال الشهر الكريم، وأيضا التحاور حول شؤون الدين من فقهاء حقيقيين في منزل رجل لم يكن ملتحياً ولم يكن يلجأ إلى تقصير ثوبه ولا إلى ترديد كلمات توهم السامع أنه صاحب خلق ودين، بل كان سلوكه بالفعل ينطبق عليه إيمان العوام مثل كل مسلم حقيقي لا يتخذ من الدين وسيلة لتحقيق مآرب دنياه.

وبالطبع نحن نقول ذلك وفي أعماقنا احترام وتقدير لكل صاحب لحية وثوب قصير مادامت أفعاله وسلوكياته تتطابق مع قناعات المؤمن الصادق الأمين الحريص على أن يكون قدوة للآخرين دون أن يرى أن مظهره وحده يجعله ظل الله على الأرض ودون أن يتوهم نفسه قد أصبح بذلك خليفة للمسلمين.

 

malam678@yahoo.com